الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بالحلق أو التقصير. وهكذا ذكره القاضي وابن عقيل وغيرهما من أصحابنا إذا كان الدم شاة، فإن كان بدنة قضى ولم يفسد حجه. فهل هو على الترتيب أو التخيير على وجهين؛ أحدهما: أنه على الترتيب قاله ابن عقيل
(1)
.
مسألة
(2)
: (التاسع: الوطء في الفرج، فإن كان قبل التحلُّل الأول أفسد الحج، ووجب المضيُّ في فاسده والحجُّ من قابلٍ، وعليه بدنة، وإن كان بعد التحلل الأول ففيه شاة، ويُحرِم من التنعيم ليطوف محرمًا)
.
هذا الكلام فيه فصول:
أحدهما
أن الجماع حرام في الإحرام وهو من الكبائر، لقوله سبحانه:{الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ} [البقرة: 197]، قال ابن عبد البر
(3)
: أجمع علماء المسلمين على أن وطء النساء على الحاج حرام من حين يُحرِم حتى يطوف طواف الإفاضة.
الفصل الثاني
أن المحرم إذا وطئ في الإحرام فسد حجه والإحرام باقٍ عليه، وعليه أن يمضي فيه فيُتِمَّه، ويكون حكم هذا الإحرام الفاسد حكم الإحرام
(1)
انظر «الإنصاف» (8/ 404 وما بعدها).
(2)
انظر «المستوعب» (1/ 477) و «المغني» (5/ 165) و «الفروع» (5/ 443) و «الشرح الكبير مع الإنصاف» (8/ 336).
(3)
في «الاستذكار» (12/ 289).
الصحيح في تحريم المحظورات، ووجوب الجزاء بقتل الصيد وغيره من المحظورات، ثم عليه قضاء الحج من قابلٍ، وعليه أن يُهدي بدنة.
قال ابن عبد البر
(1)
: أجمعوا على أن من وطئ قبل الوقوف بعرفة فقد أفسد حجه، وعليه قضاءُ الحج والهديُ قابلًا.
قال بعض أصحابنا
(2)
: لا نعلم في وجوب القضاء خلافًا في المذهب ولا في غيره، ونصوص أحمد وأصحابه التي توجب قضاء الحجة الفاسدة أكثر من أن تحصر. وقد ذكر أبو الخطاب الحكم هكذا
(3)
، كما ذكره غيره في المناسك. وقال في الصيام
(4)
: من دخل في حجة تطوعٍ أو صوم تطوعٍ لزمه إتمامهما
(5)
. فإن أفسدهما أو فات وقت الحج، فهل يلزمه القضاء؟ على روايتين.
وأصحابنا يعدُّون هذا غلطًا، وإنما الروايتان في الفوات خاصة، وفي الإحصار أيضًا؛ لما روى يحيى بن أبي كثير قال: أخبرني يزيد بن نعيم أو زيد بن نعيم ــ شك الراوي ــ أن رجلًا من جُذام جامع امرأته وهما محرمان، فسأل الرجل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لهما: «اقضيا نُسككما، وأهدِيا هديًا، ثم ارجعا حتى إذا جئتما المكان الذي أصبتما فيه ما أصبتما فتفرَّقا، ولا يرى واحد منكما صاحبه، وعليكما حجة أخرى، فتُقبِلان حتى إذا كنتما بالمكان
(1)
في «الاستذكار» (12/ 290).
(2)
انظر «الإنصاف» (8/ 337).
(3)
في المطبوع: «هذا» . وانظر كلام أبي الخطاب في «الهداية» (ص 182).
(4)
المصدر نفسه (ص 165).
(5)
في المطبوع: «إتمامها» .
الذي أصبتما فيه ما أصبتما فأحرِما، وأتِمَّا نسككما وأهدِيا». رواه أبو داود في «المراسيل»
(1)
.
وقال ابن وهب
(2)
: أخبرني ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الرحمن بن حرملة الأسلمي، عن سعيد بن المسيب أن رجلًا من جُذام جامع امرأته وهما محرمان، فسأل الرجل النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لهما:«أتِمَّا حجكما، ثم ارجعا وعليكما حجة أخرى من قابلٍ، حتى إذا كنتما في المكان الذي أصبتما فأحرِما وتفرَّقا، ولا يؤاكِلْ واحد منكما صاحبه، ثم أتِمَّا نُسككما، وأهدِيا» . رواه النجاد
(3)
.
وهذا المرسل قد شهد له ظاهر القرآن، وعملُ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وعوامِّ علماء الإسلام.
وأيضًا فإنه إجماع الصحابة والتابعين؛ عن يزيد بن جابر قال: سألتُ
(4)
مجاهدًا عن الرجل يأتي امرأته وهو محرم، قال: كان ذلك
(5)
على عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال عمر: يقضيان حجهما، والله أعلمُ بحجهما،
(1)
رقم (140). يزيد بن نُعيم من صغار التابعين، ولعله سمعه من سعيد بن المسيب، فإنه من شيوخه وقد روي عنه الحديث أيضًا كما في الرواية الآتية.
(2)
في «موطئه» كما في «بيان الوهم والإيهام» (2/ 192) و «البدر المنير» (6/ 389)، وضعفّه ابن القطان بابن لهيعة. وقد صحَّ نحوه عن ابن المسيب موقوفًا عليه من قوله. رواه مالك (1/ 382).
(3)
عزاه إليه القاضي في «التعليقة» (2/ 218).
(4)
ق: «سألنا» .
(5)
«ذلك» ساقطة من المطبوع.
ثم يرجعان حلالًا، كل واحد منهما لصاحبه حلال، حتى إذا كان من قابلٍ حجَّا وأهدَيا، وتفرَّقا من حيث أصابا فلم يجتمعا حتى يقضيا حجهما
(1)
.
وعن عمرو بن شُعيب عن أبيه
(2)
قال: كنت عند عبد الله بن عمرو، فأتاه رجل فقال: أهلكتُ نفسي فأفتِني، إني رأيت امرأتي فأعجبتْني، فوقعتُ عليها ونحن محرمان. فقال له: هل تعرف ابن عمر؟ قال: لا، فقال لي: اذهب به إلى ابن عمر، فانطلقت معه إلى ابن عمر، فسأله ــ وأنا معه ــ عن ذلك، فقال له ابن عمر: أفسدتَ حجك، انطلقْ أنت وأهلك مع الناس، فاقضُوا ما يقضون، وحِلَّ إذا حلُّوا، فإذا كان العام المقبل فحُجَّ أنت وامرأتك، وأهدِيا هديًا، قال: فإن لم تجدا فصوما ثلاثة أيام في الحج وسبعةً إذا رجعتما. فرجع إلى عبد الله بن عمرو، فقال: هل تعرف [ق 279] ابن عباس؟ قال: لا، قال: فاذهب به إلى ابن عباس فسلْه، قال: ذهبتُ
(3)
إلى ابن عباس، فسأله وأنا معه، فقال له مثل قول ابن عمر، فرجع إلى عبد الله بن عمرو فقال: أفتِني أنت، فقال: هل عسى أن أقول إلا كما قال صاحباي
(4)
.
(1)
عزاه القاضي في «التعليقة» (2/ 221) إلى النجاد، وأخرجه ابن أبي شيبة (13244) ومن طريقه البيهقي في «الكبرى» (5/ 167). وهو مُرسل، فإن مجاهدًا لم يدرك عمر. وتابعه عطاء بن أبي رباح، فأرسل عن عمر بنحوه، كما عند البيهقي (5/ 167).
(2)
في النسختين: «وعن عمر بن اسيد عن سيلاه» محرفًا.
(3)
في المطبوع: «فذهب» .
(4)
أخرجه ابن أبي شيبة (13248)، والدارقطني (3/ 50)، وعنه الحاكم (2/ 65)، ثم عنه البيهقي في «الكبرى» (5/ 167) بنحوه، دون قوله:«فإن لم تجدا فصوما ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتما» .
قال الحاكم: «هذا حديث ثقاتٌ رواته حفاظ، وهو كالآخذ باليد في صحة سماع شعيب بن محمد عن جده عبد الله بن عمرو» . وقال البيهقي: «هذا إسناد صحيح، وفيه دليل على
…
» إلخ بنحو قول الحاكم.
وعن أبي بشر عن رجل من قريش من بني عبد الدار قال: بينا
(1)
نحن جلوسٌ في المسجد الحرام إذ دخل رجل وهو يقول: يا لَهْفه! يا وَيْله! فقيل له: ما شأنك؟ فقال: وقعتُ على امرأتي وأنا محرم، فقيل له: ائتِ جبير بن مطعم، فإنه يصلي عند المقام، فأتاه فقال: أحرمتُ حتى إذا بلغتُ الصِّفاحَ
(2)
زيَّن لي الشيطان، فوقعتُ على امرأتي، فقال: أفٍّ لك! لا أقول لك فيها شيئًا، وطرح بيده، فقيل له: ائتِ ابن عباس ابنَ عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في زمزم، فسلْه فيُفرِّج عنك، قال: فدفعه الناس حتى أدخلوه على ابن عباس، فقال: يا ابن عباس، وقعتُ على امرأتي وأنا محرم، فقال: اقضيا ما عليكما من نُسككما هذا، وعليكما الحج من قابلٍ، فإذا أتيتما على المكان الذي فعلتما فيه ما فعلتما فتفرَّقا، ولا تجتمعان حتى تقضيانِ نسككما، وعليكما الهدي جميعًا. قال أبو بشر: فحدثتُ به سعيد بن جبير، فقال: صدقت، هكذا كان يقول ابن عباس
(3)
.
وعن عبد العزيز بن رُفَيع قال: [سأل] رجل ابن عباس عن محرم جامع، قال: يمضيان لحجهما، وينحر بدنة، ثم إذا كان من قابلٍ فعليه الحج، ولا يمرَّانِ على المكان الذي أصابا فيه ما أصابا إلا وهما محرمان،
(1)
في المطبوع: «بينما» خلاف النسختين.
(2)
موضع بين حنين وأنصاب الحرم على يسرة الداخل إلى مكة من مُشاش. انظر «معجم البلدان» (3/ 412).
(3)
أخرجه البيهقي في «الكبرى» (5/ 168) بنحوه، وفيه «عبد الله بن عمرو» في أول القصة بدل «جبير بن مطعم» .
ويتفرقانِ
(1)
إذا أحرما
(2)
. رواهن سعيد.
وعن مالك
(3)
أن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وأبا هريرة سئلوا عن رجل أصاب أهله وهو محرم بالحج، فقالوا: ينفُذانِ لوجههما حتى يقضيا حجّهما، ثم عليهما حجُّ قابلٍ والهديُ، قال علي: فإذا أهلّا بالحج من عام قابلٍ تفرَّقا حتى يقضيا حجَّهما.
وذلك لأن
(4)
الله أمر بإتمام الحج والعمرة، فيجب عليهما المضيُّ فيه امتثالًا لما أوجبته هذه الآية، وعليهما القضاء لأنهما التزما حجة صحيحة، ولم يُوفِيا ما التزماه، فوجب عليهما الإتيان بما التزماه أولًا، ووجب الهديُ؛ لأن كل من فعل شيئًا من المحظورات فعليه دم، ووجب القضاء من قابلٍ؛ لأن القضاء على الفور. هذا هو المذهب المنصوص، وسواء قلنا: الحج المبتدأ على الفور أو على التراخي؛ لما تقدم من إجماع الصحابة على ذلك؛ ولأن الأداء كان قد وجب فعله بالشروع فيه، فصار واجبًا على الفور، والقضاء يقوم مقام الأداء؛ ولأن
…
(5)
.
الفصل الثالث
أنه لا فرق بين الوطء قبل الوقوف بعرفة أو بعده إذا وقع قبل التحلل
(1)
في المطبوع: «ويتفرقا» .
(2)
أخرجه ابن أبي شيبة (13245) بنحوه بزيادة «عبد الله بن وهبان» في السند بين عبد العزيز بن رفيع وابن عباس.
(3)
ذكره مالك في «الموطأ» (1/ 381 - 382) بلاغًا. وقد سبق تخريج أثر عمر، وسيأتي عن علي، ولم أجده عن أبي هريرة موصولًا.
(4)
ق: «بأن» .
(5)
بياض في النسختين.
الأول في أنه يفسد الحج، ويجب
(1)
عليه القضاءُ، وإهداءُ
(2)
بدنة، لما روى النجّاد
(3)
، عن مجاهد عن عمر بن الخطاب قال: يقضيان حجَّهما، والله أعلمُ بحجهما، وعليهما الحجُّ من قابلٍ، ويفترقان من حيث وقع عليها
(4)
، وينحر بدنةً عنه وعنها.
وعن الحكم بن عُتيبة عن علي قال: يفترقان، ولا يجتمعان إلا وهما حلالان، وينحر كل واحد منهما جَزورًا، وعليهما الحج من قابلٍ، يحرمان بمثل ما كانا أحرما به في أول مرة، فإذا مرَّا بالمكان الذي أصابها فيه تفرقا، فلم يجتمعا إلّا وهما حلالان
(5)
.
وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس: عن رجل أصاب امرأته وهو محرم، قال: يمضيان لوجههما، ثم يحجان من قابلٍ، ويُحرمان من حيث أحرما، ويتفرقان، ويُهدِيان جَزورًا
(6)
. رواهن النجّاد، وقد تقدم عن ابن عباس مثل ذلك أيضًا.
(1)
«يجب» ساقطة من المطبوع.
(2)
في المطبوع: «وهدي» .
(3)
عزاه إليه القاضي في «التعليقة» (2/ 224). وسبق تخريجه.
(4)
في المطبوع: «عليهما» ، خطأ.
(5)
عزاه القاضي في «التعليقة» (2/ 225) إلى النجاد، وأخرجه ابن أبي شيبة (13246) من طريق أشعث بن سوار عن الحكم بنحوه. وأشعث بن سوار ضعيف، والحَكَم من صغار التابعين لم يسمع عليًّا.
(6)
ذكره في «التعليقة» (2/ 225) وعزاه إلى النجاد. ولم أقف عليه من رواية سعيد بن جبير، إلا ما سبق من تصديقه لرواية الرجل العبدري عن ابن عباس بذلك. وقد روي نحوه عن ابن عباس من غير طريق. انظر «سنن البيهقي» (5/ 167 - 168).
فهؤلاء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أوجبوا عليه القضاء والبدنة جميعًا. والهدي الذي فسَّروه هنا يبيِّن الهدي المطلق الذي جاء في كلامهم، وفي المرفوع المرسل: أن المراد به البدنة.
وهذا لأن الجماع فيه معنيان: أنه محظور في الإحرام وهو أكبر المحظورات، وأنه مفسد
(1)
للإحرام. فمن حيث هو محظور: يوجب الفدية، وهو أكبر مما يوجب شاة، فأوجب بدنة، ومن حيث فسد الإحرام: وجب قضاؤه، فحجة القضاء هي الحجة التي التزمها أولًا. وهذا كالوطء في رمضان يوجب الكفارة العظمى ويوجب القضاء.
وإنما لم يُفرَّق بين ما قبل الوقوف وما بعده لأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سئلوا عن المحرم إذا جامع امرأته، فأفتوا بما ذكرناه من غير استفصال ولا تفصيل، وذلك يوجب عموم الحكم. وفي أكثر مسائلهم لم يبيِّن السائل أن الجماع كان قبل الوقوف. ولأن ما بعد الوقوف وقبل الرمي إحرام تامّ، ففسد الحج بالوطء فيه كما قبل الوقوف، وهذا لأن الوقوف يوجب إدراك الحج ويؤمن من فواته، وإدراكُ العبادة في وقتها لا يمنع ورودَ الفساد عليها، كما لو أدرك ركعة من الصلاة قبل خروج وقتها، أو أدرك ركعة من الجمعة أو الجماعة مع الإمام، فإنه قد أدرك، ومع هذا فلو ورد عليها الفساد لفسدت. قال: ....
(2)
. ولأن كل ما [ق 280] أفسد العبادة إذا ورد قبل الخروج منها أفسدها، وإن كان قد مضى معظمها، كما لو أكل قُبيل غروب الشمس، أو أحدث قبل السلام أو قبل القعدة الأخيرة.
(1)
في النسختين: «يفسد» .
(2)
بياض في النسختين.