المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌فإن خالف وأحرم بالحج قبل أشهره فإنه ينعقد الإحرام بالحج في أشهر الروايتين - شرح عمدة الفقه - ابن تيمية - ط عطاءات العلم - جـ ٤

[ابن تيمية]

فهرس الكتاب

- ‌كتاب الحج

- ‌جماعُ معنى الحج في أصل اللغة

- ‌مسألة(1): (يجب الحج والعمرة مرةً في العمر على المسلم العاقل البالغ الحرِّ)

- ‌الفصل الثانيأن العمرة أيضًا واجبة

- ‌ عنه رواية أخرى: أنها سنة

- ‌إن العمرة هي الحج الأصغر

- ‌الفصل الثالثأنهما إنما يجبان مرةً في العمر بإيجاب الشرع، فأما إيجاب المرء على نفسه فيجب في الذمة بالنذر

- ‌الفصل الرابعأنه لا يجب الوجوب المقتضي للفعل وصحتِه إلا على مسلم

- ‌الفصل الخامسأنه لا حج على مجنون(3)كسائر العبادات

- ‌الفصل السادسأنه لا حجَّ على الصبي قبل البلوغ

- ‌الفصل السابعأنه لا يجب إلا على حرٍّ كاملِ الحرية

- ‌مسألة(1): (إذا استطاع إليه سبيلًا، وهو(2)أن يجد زادًا وراحلةً بآلتها(3)مما يَصلُح لمثله، فاضلًا عما يحتاج إليه لقضاء ديونه(4)ومُؤْنةِ نفسه وعياله على الدوام)

- ‌الفصل الرابعأن يجد ذلك بعد ما يحتاج إليه من قضاء دينه ومُؤْنة نفسه وعياله على الدوام

- ‌إن كان له كتبُ علمٍ يحتاج(6)إليها لم يلزمه بيعها

- ‌إذا أَحجَّ(3)عن نفسه أجزأ عنه وإن عوفي

- ‌فصلإمكان المسير والأداء بسعة الوقت، وخلوِّ الطريق، والصحة(2): هل هو شرط للوجوب أو للزوم الأداء(3)فقط؟ على روايتين

- ‌مسألة(1): (ويُعتبر للمرأة وجودُ مَحْرمها، وهو زوجها، ومن تَحْرم عليه على التأبيد بنسبٍ أو سببٍ مباح)

- ‌لا يجوز لها(2)أن تسافر بغير محرم إلا في الهجرة

- ‌الفصل الثاني في المَحْرم

- ‌مسألة(6): (فمن فرَّط حتى مات أُخرِج عنه من ماله حجة وعمرة)

- ‌ من زعم أن العمل لا ينفع غير عامله في جميع المواضع فقد خرج عن دين الإسلام

- ‌فصليجب الحج عن الميت والعاجز من حيث وجب عليه

- ‌إذا لم يقدر له النفقة، فإنه ينفق بالمعروف، ويردُّ ما فضلَ

- ‌مسألة(4): (ولا يصحُّ الحجُّ من كافرٍ ولا مجنونٍ)

- ‌الثاني: أن يُجنَّ بعد إحرامه، فهذا إن كان صرعًا وخَنْقًا لم يبطل إحرامه

- ‌مسألة(4): (ويصحُّ من العبد والصبيِّ، ولا يُجزِئهما)

- ‌الفصل الثانيأن حج الصبي صحيح(2)، سواء كان مميِّزًا أو طفلًا

- ‌إن كان غير مميز عقد الإحرامَ له وليُّه

- ‌مسألة(1): (ويصحُّ من غير المستطيع والمرأةِ بغير مَحْرم، ويُجزئهما)

- ‌مسألة(4): (ومن حجَّ عن غيره ولم يكن حجَّ(5)عن نفسه، أو عن نذرِه ونَفْلِه(6)قبل حجة الإسلام، وقع عن فرض نفسه دون غيره)

- ‌ إذا خالف وأحرم عن غيره ففيه روايتان

- ‌الفصل الثانيإذا كان عليه فرضٌ ونفْلٌ لم يجز أن يُحرِم إلا بالفرض، وإن كان عليه فرضان لم يجز أن يبدأ إلا بأوكدِهما

- ‌باب المواقيت

- ‌مسألة(2): (وميقات أهل المدينة ذو الحُلَيفة(3)، والشام ومصر والمغرب الجُحْفة، واليمن يَلَمْلَم، ولنجدٍ قَرْن، وللمشرق ذات عِرْق)

- ‌مسألة(1): (وهذه المواقيتُ لأهلها، ولكلِّ من مرَّ عليها)

- ‌ومن مرَّ على ميقاتين فعليه أن يحرم من أبعدهما من مكة

- ‌مسألة(4): (ومن كان منزلُه دون الميقات فميقاته من موضعه، حتى أهلُ مكة يُهِلُّون منها لحجّهم، ويُهِلُّون للعمرة من الحلّ)

- ‌فصلوأما المكي إذا أراد أن يعتمر فإنه يخرج إلى الحلّ

- ‌الإحرام بالعمرة من أقصى الحلّ أفضلُ من أدناه

- ‌فأما الاعتمار من الحديبية فلا فضلَ فيه على غيره

- ‌مسألة(3): (ومن لم يكن طريقُه على ميقاتٍ(4)فميقاتُه حذوَ أقربِها إليه)

- ‌مسألة(1): (ولا يجوز لمن أراد دخول مكة تجاوزُ الميقات غيرَ محرمٍ(2)إلا لقتال مباح، أو حاجةٍ تتكرَّر كالحطَّاب ونحوه. ثم إن أراد النسك أحرم من موضعه، وإن تجاوزه غيره(3)رجع فأحرم من الميقات، فإن أحرم مِن دونِه فعليه دم، سواء رجع إلى الميقات أو لم يرجع)

- ‌إن دخل مكة(4)غيرَ مُحرمٍ لزمه قضاء هذا الإحرام

- ‌الفصل الثانيأن من دخل مكة لقتال مباح فإنه لا إحرام عليه

- ‌وكذلك من دخلها خائفًا لفتنةٍ عرضتْ ونحو ذلك

- ‌مسألة(1): (والأفضل أن لا يُحرِم قبل الميقات، فإن فعلَ فهو مُحرِم)

- ‌ تفسير الحديث: «أن تُحرِم من دُوَيرة أهلك»

- ‌مسألة(5): (وأشهرُ الحج: شوال وذو القعدة وعشْرٌ من ذي الحجة)

- ‌فإن خالف وأحرم بالحج قبل أشهره فإنه ينعقد الإحرام بالحج في أشهر الروايتين

- ‌باب الإحرام

- ‌مسألة(1): (من أراد الإحرام استُحِبَّ له أن يغتسل، ويتنظَّف، ويتطيَّب، ويتجرَّد عن المَخِيْط في إزارٍ ورداء أبيضَينِ نظيفينِ)

- ‌ وليس هذا الغسل واجبًا، نصَّ عليه

- ‌ يُستحبُّ أن يتطيَّب في بدنه دون ثيابه

- ‌مسألة(2): (ثم يصلِّي ركعتين ويُحرم عقيبَهما؛ وهو أن ينوي الإحرام، ويُستحبُّ أن ينطق به ويشترط

- ‌الفصل الثانيفي الوقت الذي يُستحب فيه الإحرام

- ‌إذا أحرم دُبر الصلاة ففي أول أوقات التلبية ثلاثة أوجه:

- ‌ التلبية(6)والإهلال والإحرام وفرْضُ الحج بمعنى واحد

- ‌الفصل الثالثأن الإحرام ينعقد بمجرد النية عند أصحابنا

- ‌مسألة(1): (وهو مخيَّر بين التمتع والإفراد والقران، وأفضلُها التمتع، وهو أن يُحرم بالعمرة في أشهر الحج، ويفرغ منها، ثم يشرع في الحج في عامه، ثم الإفراد، وهو أن يُحرم بالحج مفردًا، ثم القِران

- ‌إن الرجل إذا أنشأ للعمرة سفرًا من مصره كان أفضل من عمرة التمتع

- ‌أما كون النبي صلى الله عليه وسلم أفرد الحج ولم يعتمر في أشهره، فعنه ثلاثة أجوبة:

- ‌المسألة الثانية(2): أنه يجوز أن يحرم بالعمرة، ثم يُدخل عليها الحج، ويصير قارنًا

- ‌مسألة(1): (وإذا استوى على راحلته لبَّى، فيقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك)

- ‌سبب التلبية ومعناها

- ‌مسألة(5): (ويُستحبُّ الإكثارُ منها ورفعُ الصوت بها لغير النساء)

- ‌أما المرأة فيستحبُّ لها أن تُسمِع رفيقتها

- ‌يُكره إظهار التلبية في الأمصار والحِلَل

- ‌باب(1)محظورات الإحرام

- ‌مسألة(2): (وهي تسع(3): حَلْق الشعر، وقَلْم الظُّفر)

- ‌مسألة(1): (ففي ثلاثٍ منها دمٌ، وفي كل واحد مما دونها مُدُّ طعامٍ، وهو ربعُ الصاعِ)

- ‌مسألة(5): (الثالث: لُبس المَخيط إلا أن لا يجد إزارًا فيلبس سراويلَ، أو لا يجد نعلين فيلبسْ خفينِ، ولا فدية عليه)

- ‌مسألة(6): (الرابع: تغطية الرأس، والأذنان منه)

- ‌وحيث كُرِه له التظليل فهل تجب الفدية؟ على روايتين منصوصتين

- ‌مسألة(3): (الخامس: الطِّيب في بدنه وثيابه)

- ‌فصليحرم عليه أن يتطيَّب في بدنه وثيابه، سواء مسَّ الطيبُ بدنه أو لم يمسَّه

- ‌وليس له أن يستصحب ما يجد ريحه لتجارة ولا غيرها وإن لم يقصد شمَّه

- ‌فصلفأما الثياب المصبوغة بغير طيب؛ فلا يُكره منها في الإحرام إلا ما يُكره في الحلّ

- ‌أما الكحل إذا كان فيه طيب فإنه لا يجوز إلا لضرورة

- ‌مسألة(3): (السادس: قتل صيد البرِّ، وهو ما كان وحشيًّا مباحًا، فأما صيد البحر والأهليّ وما حرم أكلُه فلا شيء فيه، إلا ما كان متولِّدًا من مأكولٍ وغيره)

- ‌إذا وجد المضطرُّ ميتة وصيدًا فإنه يأكل الميتة ويدع الصيد

- ‌إذا أكل الصيد مَن صِيْد لأجله من المحرمين وجب عليه الجزاء

- ‌مسألة(2): (السابع: عقْدُ النكاح لا يصحُّ منه، ولا فديةَ فيه)

- ‌مسألة(2): (الثامن: المباشرة لشهوة فيما دون الفرج، فإن أنزلَ بها ففيها بدنةٌ، وإلا ففيها شاةٌ)

- ‌إن كانت المباشرة وطأً دون الفرج ففيها بدنة، وإن كانت قبلةً أو غمزًا ففيها شاة

- ‌مسألة(2): (التاسع: الوطء في الفرج، فإن كان قبل التحلُّل الأول أفسد الحج، ووجب المضيُّ في فاسده والحجُّ من قابلٍ، وعليه بدنة، وإن كان بعد التحلل الأول ففيه شاة، ويُحرِم من التنعيم ليطوف محرمًا)

- ‌الفصل الرابعإذا وطئ بعد التحلل الأول لم يبطل حجه

- ‌فصلوهل عليه بدنة أو شاة؟ على روايتين:

- ‌مسألة(3): (وإن وطئ في العمرة أفسدها، وعليه شاة)

- ‌مسألة(1): (ولا يفسد النسك بغيره)

- ‌مسألة(5): (والمرأة كالرجل، إلا أن إحرامها في وجهها، ولها لُبْسُ المخيط)

- ‌الفصل الثالث: أن إحرامها في وجهها، فلا يجوز لها أن تلبس النقاب والبرقع

الفصل: ‌فإن خالف وأحرم بالحج قبل أشهره فإنه ينعقد الإحرام بالحج في أشهر الروايتين

‌فإن خالف وأحرم بالحج قبل أشهره فإنه ينعقد الإحرام بالحج في أشهر الروايتين

، قال أحمد في رواية أبي طالب وسندي

(1)

: من أحرم بالحج في غير أشهر الحج لزِمه الحج

(2)

، إلا أن يريد فسخَه بعمرةٍ فله ذلك.

قال القاضي

(3)

: فقد نصَّ على انعقاده، وأجاز له فسخَه إلى العمرة بناء على أصله في جواز فسخ الحج إلى العمرة.

فعلى ما قاله القاضي إنْ فسَخَه بعمرة قبل أشهر الحج لم يلزمه دم، لأنه ليس بمتمتع، وعليه أن يحج من تلك السنة

(4)

لأن فسخ الحج إلى العمرة إنما يجوز بشرط أن يحج من عامِه ذلك.

وكذلك قال ابن أبي موسى

(5)

: من أهلَّ بالحج قبل أشهر الحج أحببنا له أن يجعلها عمرة، فإذا حلَّ منها أنشأ الحج، فإن لم يفعل وأقام

(6)

على إحرامه لما أهلَّ به إلى أن يأتي

(7)

بالحج أجزأه، وقد تحمَّلَ مشقةً.

(1)

كما في «التعليقة» (1/ 147، 148).

(2)

«الحج» ساقطة من المطبوع.

(3)

المصدر نفسه (1/ 148).

(4)

«السنة» ساقطة من ق.

(5)

في «الإرشاد» (ص 175).

(6)

ق: «إذا أقام» .

(7)

س: «أتى» . والمثبت موافق لما في «الإرشاد» .

ص: 245

والأشبه ــ والله أعلم ــ أن مقصود أحمد أنه يفسخه بعمرة لا لأجل فضل التمتع، بل لأن الإحرام بالحج قبل أشهره مكروه، فيتخلَّص

(1)

بفسخه إلى العمرة من المكروه وإن لم يحج.

والرواية الثانية: لا ينعقد الإحرام بالحج قبل أشهره. حكاها

(2)

هبة الله الطبري، واختارها القاضي أبو يعلى الصغير

(3)

. فعلى هذا هل ينعقد بعمرة؟ ذكر القاضي أبو يعلى هذا فيه وجهين:

أحدهما: لا ينعقد بعمرة لأنه لم يقصده، ولا بحج لأن وقته لم يدخل، كما قلنا فيمن أحرم بالنفل قبل الفرض، أو عن غيره قبل أن يحج عن نفسه في الرواية التي اختارها أبو بكر.

والثاني وهو المشهور: أنه ينعقد بعمرة، وقد قال أحمد في رواية عبد الله

(4)

: إذا أحرم بالحج قبل أشهره يجعلها عمرة. وفسّرها

(5)

القاضي

(6)

بأنه يفسخ الحج إلى العمرة، وكذلك قال ابن أبي موسى

(7)

: يُستحبُّ لمن أحرم بالحج قبل أشهره أن يجعلها عمرةً ويفرغ منها، ويحرم بالحج في أشهره.

والأشبه أن أحمد إنما قصد بهذا أن يعتقد أنها عمرة ويُتِمَّها بعمل عمرة؛

(1)

ق: «فتخلص» .

(2)

س: «رواها» . وفي هامشها برمز «ص» كما أثبتناه.

(3)

كما في «ذيل طبقات الحنابلة» (1/ 248، 249).

(4)

«مسائله» (ص 233).

(5)

في المطبوع: «وفسره» .

(6)

في «التعليقة» (1/ 148).

(7)

في «الإرشاد» (ص 175).

ص: 246

لأنه قد

(1)

روي عن عطاء من غير وجه فيمن أهلَّ بالحج قبل [ق 187] أشهره قال: يجعلها عمرة

(2)

. وفي رواية: اجعلْها عمرة، فإن الله تعالى يقول:{الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ} ومذهبه: أن نفس الإحرام بالحج ينعقد عمرة، فالأظهر أن أحمد إنما قصد الأخذ بقول عطاء، فتكون هذه الرواية الثانية.

وذلك لأن

(3)

الإحرام بعض الحج وجزء منه، وذلك

(4)

أنه بدخوله فيه يُسمَّى حاجًّا أو معتمرًا، وأنه

(5)

يلزم بالشروع فيه، وأن العمرة للشهر الذي يُهِلُّ فيه لا الشهر الذي يَحِلّ فيه، وأنه يجب عليه به السعي إلى الحج في الوقت الذي يدرك الوقوف، فلا يجوز له تفويت الحج، وإذا كان كذلك لم يجز فعله قبل وقت العبادة، كسائر الأبعاض وكنية الصلاة ونحوها.

ولأن الله تعالى قال: {فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ} ، فخصَّ الفرض فيهن بالذكر، فعُلِم أن حكم ما عداه بخلافه.

ولأن هذا مخالف للسنة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:«من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ»

(6)

.

(1)

«قد» ساقطة من المطبوع.

(2)

أخرجه ابن أبي شيبة (14841)، والدولابي في «الكنى» (2049)، والبيهقي في «الكبرى» (4/ 343) من طُرق عنه. والرواية الثانية عند ابن أبي شيبة (14840).

(3)

ق: «أن» .

(4)

س: «ودليل» .

(5)

ق: «لأنه» .

(6)

أخرجه بهذا اللفظ مسلم (1718) من حديث عائشة. وأخرجه البخاري (2697) ومسلم أيضًا بلفظ «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ» .

ص: 247

وإذا لم ينعقد الحج ولم يكن سبيل إلى بطلان الإحرام ــ فإنه لا يقع إلا لازمًا موجبًا ــ انعقد موجبًا لعمرة، كمن أحرم بالفرض قبل وقته فإنه ينعقد نفلًا.

وأيضًا فإنه لو جاز الإحرام قبل أشهر الحج لوجب أن يحرم بالحج في هذا العام ويقف بعرفة في العام المقبل.

ووجه الأول: أن الشروع في الإحرام يُوجِب إتمامه، كما أن النذر يوجب فِعْلَ المنذور، فإذا أحرم بالحج لزمه إتمامه كما لو نذره، وكونُه مكروهًا لا يمنع لزوم الوفاء به كما أن عَقْد النذر مكروهٌ

(1)

، ويجب الوفاء به. ثم النذر يوجب فعْلَ المنذور

(2)

، كذلك الإحرام يوجب فعْلَ ما أحرم به.

وأيضًا فإن أكثر ما فيه أن إحرامه بالحج قبل أشهره غير جائز، وهذا لا يمنع لزومه وانعقاده على الوجه الذي عقده، كما لو عقده وهو لابسٌ عالمًا ذاكرًا، فإن ذلك لا يَحِلُّ له، ومع هذا ينعقد إحرامه صحيحًا موجبًا للدم. بل لو عقده وهو مجامع انعقد إحرامًا فاسدًا، يوجب

(3)

المضيَّ فيه والقضاء له والهدي.

نعم، هؤلاء وجب عليهم دمٌ لِما فعلوه من المحظور؛ لأنهم نَقَصُوا الإحرام، وهذا لم ينقُصْه وإنما زاد عليه، فأسوأ أحواله أن يجعل المزيد كالمعدوم.

وأيضًا فإن الإحرام قبل أشهر الحج إحرام في أشهر الحج وزيادة على

(1)

في س: «مكروهًا» . والسياق يقتضي الرفع.

(2)

«فإذا أحرم

المنذور» ساقطة من ق.

(3)

س: «فوجب» .

ص: 248

الإحرام المشروع، فإنه يبقى محرمًا إلى حين الوقوف والطواف، والزيادة على المناسك قبلها أو بعدها وإن لم تكن مشروعة فإنها لا تقدح في القدر المشروع، كما لو وقف بالمعرَّف قبل وقته، أو أقام

(1)

به إلى نصف ليلة النحر، أو طاف أكثر من أسبوع بالبيت وبين الصفا والمروة، أو رمى الجمار

(2)

بأكثر من سبع حصيات، أو بات بمنًى بعد لياليها. وإذا لم يكن ذلك قادحًا في الإحرام الواقع في أشهر الحج، فيكون إحرامًا صحيحًا قد التزمه، فيلزمه ذلك الإحرام، وإذا لزمه ذلك الإحرام لزمه ما قبله؛ لأنه لا يمكن الحكم بصحته إلا بصحة ما قبله ولزومه.

يبيِّن ذلك ويوضّحه أن الصبي والعبد لو أدركا الوجوب وهما بعرفة صحَّ إتمام الحج بما وجد من الإحرام بعد الوجوب، وكان بعض هذا الإحرام مُجزئًا عن الواجب، وبعضه ليس مُجزئا عنه، وإنما يصح المجزئ منه بصحة غير المجزئ؛ فلذلك يجوز أن يبني المشروع منه على غير المشروع، جعْلًا لما وُجِد قبل الوقت والوجوب وجودَه كعدمه ما لم يقع فاسدًا.

وبهذا يظهر الفرق بين الإحرام وبين سائر أجزاء العبادات؛ فإنها إنما لم تُجزئ لكون الجزء المفعول قبل الوقت واجبًا

(3)

بكل حال، وفعل الواجب قبل وقته غير جائز، لأنه يكون وجوده كعدمه، وعدم الواجب في العبادة يُبطِلها، وهنا الإحرام الموجود قبل الوقت إذا كان وجوده كعدمه، فعدمه لا يؤثِّر.

(1)

ق: «وأقام» .

(2)

«الجمار» ليست في ق.

(3)

ق: «واجب» .

ص: 249

وأيضًا فإنه أحد الميقاتين، فانعقد الإحرام المتقدّم عليه

(1)

كالميقات المكاني، وذلك لأن الحج مخصوص بزمان ومكان، والوقوف والطواف أخصُّ مكانًا وزمانًا من الإحرام، فإن الإحرام يتقدّم عليهما في مكانه وزمانه

(2)

، ومن السنة أن لا يحرم بالنسك قبل مكان الإحرام، فلو أحرم به انعقد، فكذلك إذا أحرم به قبل زمانه.

قال بعض أصحابنا: وميقات الزمان جميعه بمنزلة البقعة التي يُشرَع الإحرام منها، له أن يحرم من أولها وآخرها، وليس له أن يتأخَّر عنها، وإن تقدَّم انعقد. لكن بينهما فرق، وهو أن

(3)

ميقات المكان قد نُهي عن التأخُّر عنه، وإن تأخَّر انعقد ولزمه دم؛ لأن ذلك نقص

(4)

لبعض النسك، وميقات الزمان إذا أخَّره عن [ق 188] وقت جوازه فات الحج فلم ينعقد، وإن كان

(5)

التقدم في الزمان مكروهًا

(6)

؛ لأن من أراد أن يقطع الوقت بالإحرام فإنه يُمكِنه أن يحرم بالعمرة بخلاف المكان.

وأيضًا فإنه قد التزم الحج، فإن جعلناه التزامًا صحيحًا وجب أن يُتِمَّه كما التزمه، وإن كان فاسدًا فلا شيء عليه. أما العمرة فلم يقصدها ولم ينوِها، وهي بعض ما التزمه، أو هي مخالفة له، فكيف تقوم مقام الحج؟

(1)

«عليه» ليست في س.

(2)

«من الإحرام

وزمانه» ساقطة من ق.

(3)

«أن» ساقطة من المطبوع.

(4)

ق: «منقص» .

(5)

«كان» ليست في س.

(6)

س: «مكروه» .

ص: 250

وقد احتجَّ جماعة من أصحابنا

(1)

وغيرهم

(2)

بقوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} [البقرة: 189]، قالوا: وهذا عامٌّ في جميع الأهلة، فيقتضي أن يكون جميعها

(3)

ميقاتًا للحج.

وهذا غلطٌ محقَّق؛ لأن الهلال إنما يكون وقتًا للشيء إذا اختلف حكمه به وجودًا وعدمًا، مثل أن تنقضي به العدة، أو يحلّ به الدين، أو يجب به الصوم أو الفطر ونحو ذلك، فلو كان جميع العام وقتًا للإحرام بالحج لم تكن الأهلة ميقاتًا للحج، كما لم تكن ميقاتًا للعمرة، ولا

(4)

ميقاتًا للنذر، ولا ميقاتًا لسائر الأشياء التي تُفعل في جميع الأزمنة، بل هذه الآية دالة على أن الحج موقَّت بالأهلة، ومحال أن يكون موقّتًا

(5)

بكل واحد من الأهلة، فعُلِم أن المراد أن جنس الأهلة ميقات للحج، كما قال تعالى:{الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ} [آل عمران: 173]. والجنس يحصل بهلالٍ واحد وباثنين وثلاثة، فأفادت الآية أن الأهلة ميقات للحج، يُعلَم جوازه بوجودها في الجملة، وذلك حق، فإن الحج إنما يكون لهلال خاص، وهو هلال ذي الحجة.

ويجوز أن يراد أن مجموع أهلَّة السنة وقت للحج، فإن الحج إنما يدخل وقته عند انتهاء الأهلَّة

(6)

الاثني عشر، ويجوز أن يراد أن بعضها

(1)

انظر «التعليقة» (1/ 148) و «المغني» (5/ 74).

(2)

«وغيرهم» ليست في س.

(3)

س: «تكون جميعًا» .

(4)

«ميقاتًا للعمرة ولا» ساقطة من المطبوع.

(5)

«موقتًا» ساقطة من س.

(6)

«الأهلة» ساقطة من المطبوع.

ص: 251

ميقات للناس وبعضها ميقات للحج، ويجوز أن يراد ....

(1)

.

وأما قوله سبحانه وتعالى: {فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ} فهو دليل على أن فرضه قبلهن غير مشروع إن لم يكن قوله {فِيهِنَّ} متعلقًا بالحج.

وأما كونه خلاف السنة فصحيح، لكن ذلك لا يمنع الانعقاد

(2)

.

وأما كون الإحرام ركنًا

(3)

للحج وبعضًا منه فقد اختلفت عبارة أصحابنا في ذلك، فزعم طائفة من متأخريهم أنه شرط للحج وليس بركنٍ له، والشروط تُفعل قبل وقت العبادة كالطهارتين والستارة. قالوا: ولهذا يجب استصحابه في جميع الحج، والركن إنما يُفعل بعد انقضاء الركن، كالوقوف والطواف والركوع والسجود.

وأكثر فقهاء أصحابنا يجعلونه ركنًا، ثم قال القاضي

(4)

وغيره: كونه ركنًا لا يوجب اختصاص جوازه بأشهر الحج كالطواف، فإنه يجوز تأخيره عن أشهر الحج، فنقول: ركن في طرف الحج، فجاز فعلُه في غير وقته كالطواف، وعكسه الوقوف فإنه ركن في وسط الحج، وقياسه بالطواف أولى؛ لأن ذاك تأخير وهذا تقديم. ولأن الطواف لا يُفعَل إلا في وقت واحد، والإحرام يدوم ويستمرُّ في أشهر الحج وفي غير أشهره.

(1)

بياض في النسختين.

(2)

بياض في النسختين.

(3)

ق: «وقتًا» .

(4)

انظر «التعليقة» (1/ 157).

ص: 252

وهذا أشبه بأصولنا، فإن العمرة عندنا للشهر الذي يحرم منه، ولو كان شرطًا محضًا

(1)

لم يصح ذلك، نعم هو يُشبِه النية لأنه به ينعقد الحج ويلزم، وبه

(2)

يدخل في الحج كما يدخل بالنية في الصلاة، والنية منها ما يتقدم وقت العبادة كالصوم

(3)

، ومنها ما لا يتقدم كالصلاة. وتحقيقه أن لها

(4)

شبَهًا بالشرائط وشَبَهًا بالأركان، والأصول لا

(5)

يُقاس بعضها ببعض، كما أن الحج لا يُقاس بغيره من العبادات.

فإن قيل: إذا قلتم ينعقد وله فسخُه إلى عمرة يحج بعدها؛ فهذا ظاهر، أما أنه ينعقد ويفسخه إلى عمرة من غير حج، ويكون ذلك أفضل من إتمام

(6)

حجه، فكيف هذا؟

قلنا: فسخُ الحج إلى العمرة يجوز لغرض صحيح، وهو تحصيل ما هو

(7)

أفضل من حجة مفردة، فلما كان تحصيل عمرة يتمتع بها وحجة أفضل من حجة مفردة جاز له الفسخ لذلك، وهنا إحرامه بعمرة قبل أشهر الحج يأتي بها من غير حج أفضلُ من حجة يحرم بها قبل أشهر الحج؛ لأن هذا مكروه مع كثرته، وذاك لا كراهة فيه، فإذا انتقل إلى ما هو أفضل كان له

(1)

ق: «مختصًا» .

(2)

ق: «به و» .

(3)

«كالصوم» ليست في ق.

(4)

في المطبوع: «له» .

(5)

«لا» ساقطة من س.

(6)

في المطبوع: «تمام» .

(7)

«هو» ساقطة من س.

ص: 253

ذلك، وإذا أقام على إحرامه بالحج إلى أن تدخل أشهر الحج، فهنا ينبغي أن لا يكون له الفسخ إلا إلى متعة.

فصل

ومتى أحرم بالحج فعليه أن يحج تلك السنة، وليس له أن يؤخّر الحج إلى العام المقبل، حتى لو بقي محرمًا حتى فاته الحج، لم يجزْ له أن يستديم الإحرام إلى العام المقبل، وإن جوَّزنا الإحرام قبلُ؛ لأن الإحرام يوجب فعل الحج في

(1)

ذلك العام، فإذا فاته لم يجزْ أن يؤدِّي بهذا الإحرام حجة أخرى.

فصل

وأما العمرة فيحرم بها متى شاء لا تختصُّ بوقتٍ؛ لأن أفعالها لا تختصُّ بوقت، فأولى أن لا يختصّ إحرامها بوقت

(2)

. قال أصحابنا: لا يُكْره في شيء من السنة، بل له أن يحرم في أيام الحج، وله أن يبقى محرمًا بالعمرة السنة والسنتين. قال أحمد في رواية أبي الحارث

(3)

: يعتمر الرجل متى شاء في شعبان أو رمضان.

[ق 189] وهذا فيمن لم يبقَ عليه شيء من أعمال الحج، فأما إذا تحلَّل من الحج وبقي عليه الرمي لم ينعقد إحرامه بالعمرة، وإن نفَرَ النفْرَ الأول

(4)

.

(1)

«في» ليست في س.

(2)

«بوقت» ليست في ق.

(3)

كما في «التعليقة» (1/ 192).

(4)

بياض في النسختين.

ص: 254

وقد قال أحمد في رواية ابن إبراهيم

(1)

فيمن واقعَ قبل الزيارة: يعتمر إذا انقضت أيام التشريق.

قال القاضي

(2)

: وظاهر هذا أنه لم يرَ

(3)

العمرة

(4)

في أيام التشريق، والمذهب على

(5)

ما حكيناه؛ لأنه قد قال في رواية الأثرم

(6)

: العمرة بعد الحج لا بأس بها عندي.

وهذه الرواية تحتمل ما قاله القاضي، وتحتمل أن الحاجّ نفسه لا يعتمر إلا بعد أيام التشريق، لأنها من تمام الحج. وقد روى النجّاد

(7)

عن عائشة أنها قالت: العمرة في السنة كلها إلا يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق. وفي لفظٍ

(8)

: حلَّت العمرةُ الدهرَ إلا ثلاثة أيام: يوم النحر ويومين من أيام التشريق. وهذا يقتضي أنما كُرِه ذلك لأجل التلبُّس بالحج.

* * * *

(1)

«ابن» ليست في س. والصواب إثباتها كما في «التعليقة» (1/ 192). وهو ابن هانئ، انظر «مسائله» (1/ 173).

(2)

في «التعليقة» (1/ 193).

(3)

ق: «لم يرد» . والمثبت موافق لما في «التعليقة» .

(4)

في المطبوع: «العمر» .

(5)

«على» ساقطة من ق.

(6)

كما في «التعليقة» (1/ 193).

(7)

ورواه أيضًا الطحاوي في «أحكام القرآن» (1622) والبيهقي في «الكبرى» (4/ 346) بنحوه.

(8)

رواه ابن أبي شيبة (12870) بإسناد صحيح. ورواه ابن أبي عروبة في «المناسك» (57). ومن طريقه الطحاوي في «أحكام القرآن» (1621) بنحوه.

ص: 255