الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مسألة
(1)
: (والأفضل أن لا يُحرِم قبل الميقات، فإن فعلَ فهو مُحرِم)
.
مذهب أحمد أن الأفضل أن لا يحرم بالحج ولا بالعمرة حتى يبلغ الميقات، قال في رواية الأثرم
(2)
وقد سئل أيُّما أعجبُ إليك: يحرم
(3)
من الميقات أم قبلُ
(4)
؟ فقال: من الميقات أعجب إليَّ.
قيل له وسئل في رواية ابن منصور
(5)
: إنهم كانوا يحبُّون أن يحرم الرجل أولَ ما يحجُّ من بيته، أو من بيت المقدس، أو من دون الميقات، فقال: وجهُ العملِ المواقيتُ.
وكذلك قال عبد الله
(6)
: قرأت على أبي: كانوا يحبون أن يحرم الرجل أولَ ما يحج من بيته أو من بيت المقدس أو من دون الميقات، فقال: وجهُ العمل المواقيت.
وقال في رواية محمد بن الحسن بن هارون: إذا أحرم الرجل أحرم من الميقات
(7)
أعجب إليَّ، ولا يحرم من قبل الميقات، فإن أحرم قبل الميقات انعقد إحرامه.
(1)
انظر «المستوعب» (1/ 446) و «المغني» (5/ 65) و «الشرح الكبير» (8/ 127) و «الفروع» (5/ 314).
(2)
كما في «التعليقة» (1/ 161).
(3)
«يحرم» ليست في س.
(4)
ق: «قبله» . والمثبت موافق لما في «التعليقة» .
(5)
في «مسائله» (1/ 523). ونقلها أبو يعلى في «التعليقة» (1/ 161).
(6)
لم أجده في «مسائله» المطبوعة.
(7)
س: «ميقات» .
قال ابن المنذر
(1)
: أجمع أهل العلم على أن من أحرم قبل الميقات أنه محرم.
قال بعض أصحابنا: يكره الإحرام قبل الميقات، وقال أكثرهم: لا يكره، وهو المنصوص عنه، قال حرب: قلت لأحمد: الرجل يحرم قبل الميقات؟ قال: قد فعل ذلك قوم، وكأنه سهَّل فيه.
وقال في رواية صالح
(2)
: إن قوي على ذلك أرجو أن لا يكون به بأسٌ.
وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم حج حجة الوداع هو وعامة المسلمين
(3)
، واعتمر عمرة الحديبية وعمرة القضاء هو وخلقٌ كثير من أصحابه رضي الله عنهم، وفي كل ذلك يحرم هو والمسلمون من الميقات، ولم يندُبْ أحدًا إلى الإحرام قبل ذلك ولا رغَّب
(4)
فيه، ولا فعله أحد على عهده، فلو كان ذلك أفضل لكان أولى الخلق بالفضائل أفضل الخلائق وخير القرون، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه وكانوا به أولى، وبفضلٍ لو كان فيه أحرى، ولندب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ذلك كما ندب إلى جميع الفضائل؛ إذ هو القائل:«ما تركتُ من شيء يُقرِّبكم إلى الجنة إلا وقد أمرتكم به، ولا من شيء يُبعدكم عن النار إلا وقد نهيتُكم عنه»
(5)
.
(1)
في كتابه «الإجماع» (ص 48). ونقله ابن قدامة في «المغني» (5/ 65).
(2)
كما في «التعليقة» (1/ 161). ولم أجدها في «مسائله» المطبوعة، فهي ناقصة.
(3)
في المطبوع: «وعامة المسلمون» .
(4)
ق: «رغبه» .
(5)
أخرجه ابن أبي شيبة (35473)، وإسحاق بن راهويه ــ كما في المطالب العالية (927) ــ، والحاكم (2/ 4) من حديث عبد الله بن مسعود، ولكن طرقه لا تخلو من ضعف وانقطاع. وله شواهد يتقوّى به. انظر «السلسلة الصحيحة» (1803، و 2866). ويُغني عنه ما أخرجه مسلم في «صحيحه» (1844) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعًا: «إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقًّا عليه أن يدل أمّته على خير ما يعلمه لهم، ويُنذرهم شرَّ ما يعلمه لهم» .
فإن قيل: فعل ذلك؛ لأنه أيسرُ فتقتدي الأمة به، وقد يختار غير الأفضل للتعليم.
قيل: قد
(1)
أحرم عدة مرات مع أن العمرة لا تجب إلا مرة، وقد
(2)
كان الجواز والبيان يحصل بمرة واحدة، فلما أحرم فيها كلها على وجه واحد عُلِم أنه أحبُّ إلى الله.
ولأنه قد كرَّر العُمَرَ مع أنه ليس عليه إلا عمرة واحدة، فزيادة موضع الإحرام ــ لو كان فيه فضلٌ ــ أولى من ذلك وأيسر.
ولأن ذلك إنما يكون في الفعل الذي يتكرر، فيفعل المفضول مراتٍ لبيان الجواز، كالصلاة في آخر الوقت، فأما ما لم
(3)
يفعله إلا مرةً واحدةً فما كان الله ليختار لرسوله أدنى الأمرين، ويدَّخر لمن بعده أفضلَهما، وفاعل هذا وقائله يُخاف عليه الفتنة.
وقد سئل مالك
(4)
عمن أحرم قبل الميقات فقال: أخاف عليه الفتنة،
(1)
ق: «فقد» .
(2)
س: «فقد» .
(3)
في المطبوع: «لا» .
(4)
أخرجه الخلال في «الجامع» كما في «الباعث على إنكار البدع والحوادث (ص 25، 26)، والهروي في «ذم الكلام» (2/ 387) وأبو بكر ابن العربي في «أحكام القرآن» (3/ 1412، 1413). وذكره المؤلف في «مجموع الفتاوى» (22/ 223).
قيل له: وأيُّ فتنة
(1)
في ذلك وإنما هي زيادة أميال؟ فقال: وأيُّ فتنة أعظم من أن تظنَّ أنك خُصِصْتَ بأمرٍ لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
ثم لو كان [ق 183] الفضل في غير ذلك لبيَّنه للمؤمنين، ولدلَّهم عليه، إذ هو أنصح الخلق للخلق، وأهدى الخلق للخلق
(2)
، وأرحم الخلق بالخلق، كما دلَّهم
(3)
على الأعمال الفاضلة وإن كان فيها مشقة، كالجهاد وغيره.
وكونُه أيسرَ قد يكون مقتضيًا لفضله، كما أن صوم شطر الدهر أفضل من صيامه كله، وقيام ثُلث
(4)
الليل أفضل من قيامه كله، والتزوُّجُ وأكل ما أباحه الله تعالى أفضل من تحريم ما أحلَّ الله، والله عز وجل يحب أن يؤخذ برُخَصِه كما يكره أن تؤتى معصيتُه.
وأيضًا فإن قوله صلى الله عليه وسلم: «يُهِلُّ أهل المدينة من ذي الحليفة» وقول الصحابة: «وقَّت رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل المدينة من ذي الحليفة» أمرٌ بالإهلال من هذه المواقيت، وهذا التوقيت
(5)
يقتضي نفي الزيادة والنقص، فإن لم تكن الزيادة محرَّمةً فلا أقلّ من أن يكون تركها أفضل.
وأيضًا ما رُوي عن أبي سَوْرة عن أبي أيوب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليستمتعْ أحدُكم بحِلِّه ما استطاع، فإنه لا يدري ما يعرِض له في إحرامه
(6)
».
(1)
«قيل له وأي فتنة» ساقطة من س.
(2)
«وأهدى الخلق للخلق» ساقطة من المطبوع.
(3)
ق: «قد دلَّهم» .
(4)
«ثلث» ساقطة من المطبوع.
(5)
«وهذا التوقيت» ساقطة من س.
(6)
س: «حرمته» .
رواه أبو كريب وأبو يعلى الموصلي
(1)
، وقد روى الترمذي وابن ماجه بمثل إسناده
(2)
، لكن أبو سورة قد
(3)
ضعَّفوه.
وأيضًا فإن المكان أحد الوقتين، فلم يكن الإحرام قبله مستحبًّا كالزمان؛ ولأن الأصل
(4)
أن الزيادة على المقدَّرات من المشروعات ــ كأعداد الصلوات
(5)
ورمي الجمرات ونحو ذلك ــ لا يُشْرَع كالنقص منه، فإذا لم تكن الزيادة مكروهة فلا أقلّ من أن لا يكون فيها فضل.
وأيضًا فإن الترفُّه بالحلّ قبل الميقات رخصة، كالأكل بالليل في زمان الصوم، والله تعالى يحبُّ أن يُؤخذ برخصه كما يكره أن تؤتى معصيته.
وأيضًا فإن في زيادة الإحرام على ما وجب تعريضًا لأخطار الإحرام؛ من مواقعة المحظورات وملالة النفوس
(6)
، فكان الأولى السلامة، كما سئل ابن عباس رضي الله عنهما عن رجل قليل الطاعة قليل المعصية، ورجل كثير
(1)
أبو كريب هو محمد بن العلاء بن كريب الهمداني (ت 247) من شيوخ أصحاب الكتب الستة، ولم يصلنا شيء من تصانيفه، وأما أبو يعلى فلم أجد الحديث عنده في «مسنده» المطبوع فلعله كان في «مسنده الكبير» . وقد أخرجه البيهقي في «الكبرى» (5/ 30 - 31) من طريق واصل بن السائب الرقاشي عن أبي سَورة به، وقال:«هذا إسناد ضعيف، واصل بن السائب منكر الحديث، قاله البخاري وغيره» .
(2)
المقصود أنهما رويا بعض الأحاديث بهذا الإسناد، وليس هذا الحديث بعينه. انظر «تحفة الأشراف» (3/ 105 - 106).
(3)
«قد» ليست في س.
(4)
ق: «الأفضل» .
(5)
س: «الصلاة» .
(6)
س: «النفس» . والتصويب في هامشها.
الطاعة كثير المعصية، فقال:«لا أَعدِلُ بالسلامة شيئا»
(1)
.
وطَرْدُ هذا عند أصحابنا أنه لا يستحبُّ الإحرام بالحج للمتمتع
(2)
قبل يوم التروية، وإنما استحببنا للمعتمر أن يخرج إلى المواقيت فيحرم منها؛ لأنه ميقات شرعي.
فإن قيل: فقد قال الله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196] قال علي وابن مسعود: تمامهما أن تُحرِم بهما
(3)
من دُوَيرة أهلِك
(4)
.
وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من أهلَّ من المسجد الأقصى بعمرة أو بحجة غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه» . رواه أحمد
(5)
، وفي لفظٍ له:«من أحرمَ من بيت المقدس غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه» . وأبو داود ولفظه: «من أهلَّ بحجةٍ أو عمرةٍ من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخر، أو وَجَبتْ له الجنة» شكَّ
(1)
أخرجه ابن المبارك في «الزهد» (66)، وابن أبي شيبة (35916)، والنسائي في «الكبرى» (11839) وغيرهم. وإسناده صحيح.
(2)
«للمتمتع» ساقطة من ق.
(3)
في المطبوع: «تمامها أن تحرم بها» .
(4)
سبق تخريج أثر علي. وأما قول ابن مسعود، فقد أخرجه ابن حزم في «المحلّى» (7/ 75) بإسناد ضعيف.
(5)
رقم (26558) و (26557)، وأبو داود (1741)، وابن ماجه (3002)، وابن حبان (3701) وغيرهم. وفي إسناده اختلاف، والصواب أن مداره على يحيى بن أبي سفيان الأخنسي، عن جدّته (وقيل أمّه): أم حكيم حُكَيمة بنت أمية بن الأخنس، عن أم سلمة. ويحيى وجدّته أوردهما ابن حبان في «الثقات» ولم يوثّقهما معتبر، فالإسناد ضعيف. وقد ضعَّفه ابن حزم والنووي وغيرهما. انظر «علل الدارقطني» (4002) و «البدر المنير» (6/ 92).
الراوي. وابن ماجه ولفظه: «من أهلَّ بعمرةٍ من بيت المقدس كانت كفارةً لما قبلها من الذنوب» .
وقد أحرم جماعة من الصحابة من فوق المواقيت، فعن ابن عمر أنه أحرمَ عام الحَكَمينِ من بيت المقدس
(1)
. وعنه أنه أحرم من بيت المقدس بعمرة، ثم قال بعد ذلك: لوَدِدْتُ أني لو جئتُ بيتَ المقدس فأحرمتُ منه
(2)
. وعن أنس بن مالك أنه أحرم من العقيق. رواهما سعيد
(3)
.
وقد قيل: أهلَّ ابن عباس من الشام، وأهلَّ عمران بن حُصين من البصرة، وأهلَّ ابن مسعود من القادسية
(4)
، وقال إبراهيم: كانوا يحبُّون أولَ ما يحج الرجل أو يعتمر أن يُحرِم من أرضه التي يخرج منها
(5)
.
ولأن الإحرام عبادة، وتركه عادة، والعبادات أفضل من العادات.
قيل: أما أثر علي رضي الله عنه فقد رواه سعيد وحرب وغيرهما
(6)
عن
(1)
رواه سعيد بن منصور ــ كما قال المؤلف ــ ومن طريقه الضياء في «فضائل بيت المقدس» (ص 89). ورواه أيضًا ابن أبي عروبة في «المناسك» (126) وابن أبي شيبة (12819) والبيهقي في «الكبرى» (5/ 30) من طرق عن نافع عن ابن عمر.
(2)
لم أقف عليه.
(3)
أثر أنس سبق تخريجه.
(4)
أثر ابن عباس وعمران في «مصنف ابن أبي شيبة» (12822، 12818) وِلاءً. أما أثر ابن مسعود فلم أجده إلا أنه روي في «المصنف» (12820) عن أبي مسعود البدري أنه «أحرم من السَّيلَحِين» وأفاد محقق «المصنف» أن «أبا مسعود» تحرّف في بعض النسخ إلى «ابن مسعود» . و «السَّيلَحُون» رفعًا و «السَّيلحين» نصبًا وجرًّا موضع بقرب القادسية، كما في «معجم البلدان» لياقوت (3/ 298). وانظر «المصنف» (38825).
(5)
أخرجه ابن أبي شيبة (12821) بنحوه.
(6)
سبق تخريجه، وهو صحيح.