الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مسألة [6]: الرد
.
الرد هو عكس العول، وهو في اللغة: الرجوع، وفي الاصطلاح هو صرف الباقي عن الفروض على ذوي الفروض بقدر فروضهم عند عدم وجود عصبة.
• وقد اختلف أهل العلم في مسألة الرد على قولين:
القول الأول: القول بالرد على أصحاب الفروض غير الزوجين، وهو ثابت عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، كما في «مصنف ابن أبي شيبة» ، و «سنن ابن منصور» ، وجاء عن علي رضي الله عنه، ولا يثبت عنه؛ إلا أنَّ ابن مسعود كان لا يرد على زوج ولا زوجة، ولا على أخت لأب مع أخت شقيقة، ولا على ولد الأم مع الأم، ولا على ابنة ابن مع البنت، ولا على جدة مع ذي سهم.
والقول بالرد قال به أحمد وأصحابه، والحنفية، وبعض الشافعية، والثوري، وجمعٌ من التابعين.
واستدل القائلون بالرد بما يلي:
1) عموم قوله تعالى: {وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ} [الأنفال: 75]؛ فيكون الورثة أولى من بيت المال؛ لأنه لسائر المسلمين، وذوو الرحم أحق من الأجانب عملًا بالنص.
2) قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «ومن ترك مالًا فهو لورثته» متفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه
(1)
، وهذا النص يشمل المال المتبقي بعد أخذ ذوي الفروض فرضهم.
(1)
تقدم في «البلوغ» برقم (867).
3) حديث سعد بن أبي وقاص في «الصحيحين»
(1)
: ولا يرثني إلا ابنةٌ لي.
4) حديث بريدة في «صحيح مسلم» (1149): أنَّ امرأة أتت النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فقالت له: إني تصدقت على والدتي بوليدة، وإنها ماتت، فقال:«وجب أجرك، وردها عليك الميراث» .
القول الثاني: عدم القول بالرد، وما بقي بعد الفروض إذا لم يوجد عاصبٌ؛ فهو لبيت المال، وهذا قول زيد بن ثابت رضي الله عنه، وجاء من قضاء أبي بكر بسند منقطع كما في «مصنف ابن أبي شيبة» ؛ فإنه من طريق الشعبي عنه، ولم يدركه، وهو مذهب مالك، والشافعي، وبعض الحنابلة، والأوزاعي، وابن حزم.
واستدلوا بما يلي:
1) قوله تعالى: {إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ} [النساء:176]، ومن قال بالرد؛ فإنه يعطيها المال كاملًا مخالفًا لأمر الله تعالى في هذه الآية.
2) ليس فيما ذكروا دليل صريح يعتمد عليه في مسألة الرد، وأدلتهم المذكورة نصوص مجملة فسرتها النصوص التي فيها بيان المقادير، والأنصبة لكل وارث، فلا تفيد إثبات الرد، وحديث سعد ليس فيه التعرض للرد وعدمه، ولم يذكر سعد أن ابنته سترث جميع ماله، بل فيه أنه نفى أن يكون هناك وارثٌ غيرها، ولم يتعرض للمقدار الذي ستأخذه. وحديث بريدة أيضًا ليس بصريح؛
(1)
سيأتي في «البلوغ» برقم (952).
لقوله: «وردها عليك الميراث» ، فقد رجعت إليها الوليدة ميراثًا بالفرض لا ردًّا؛ فالحديث محتمل.
3) واستدلوا بحديث: «أنا وارث من لا وارث له» ، وقد تقدم تخريجه، قالوا: وبقية المال ليس له وارث؛ فيكون لبيت المال.
تنبيه: القائلون بالرد لا يرون الرد على الزوجين؛ لأنهم ليسوا من ذوي الأرحام، ونقل ابن قدامة الاتفاق على ذلك، بينما عزي إلى شيخ الإسلام الرد على جميع أصحاب الفروض؛ لأنهما يشملهما الحديث:«ومن ترك مالًا؛ فهو لورثته» ، وهو اختيار الإمام عبد الرحمن السعدي، وقال: الصحيح أنه يرد على الزوجين كغيرهما من أهل الفروض؛ لعدم الدليل البَيِّن على أنَّ الرد مخصوص بغير الزوجين، وأما قوله تعالى:{وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ} [الأنفال:75]؛ فإنه كما لا يدل على أنهم الوارثون بالفرض دون الزوجين؛ فلا يدل على أنهم المخصوصون بالرد. اهـ من «تفسيره» .
قال أبو عبد الله غفر الله له: القول بالرد أقوى من عدمه؛ للأدلة المتقدمة، لاسيما حديث أبي هريرة رضي الله عنه:«من ترك مالًا فلورثته» ، وحديثهم:«أنا وارث من لا وارث له» لا حجة لهم فيه؛ لأنه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قيد ذلك بمن لا وارث له، وههنا له وارث؛ فهو أحق بالمال من غيره.
وأما قولهم: (إننا أعطينا صاحب الفرض أكثر مما فرض الله له).
فأجيب عنه: بأنَّ صاحب الفرض قد يأخذ أكثر من فرضه من جهة
التعصيب، أو جهة أخرى من القرابة، فكذلك لا يمنع ذلك ههنا أن يأخذ أكثر من فرضه ردًّا، والله أعلم.
وأما بالنسبة للرد على الزوجين؛ فلم يقل به أحد من السلف، والصحيح أنه لا يرد عليهما؛ لعدم القول بذلك من السلف.
قال الإمام العثيمين رحمه الله في كتابه «تسهيل الفرائض» (ص 87 - ): أما الزوجان فلا يرد عليهما؛ قال في «المغني» : باتفاق من أهل العلم، إلا أنه روي عن عثمان أنه رد على زوج، ولعله كان عصبة، أو ذا رحم فأعطاه لذلك، أو أعطاه من مال بيت المال، لا على سبيل الميراث، وسبب ذلك - إن شاء الله - أن أهل الرد كلهم من ذوي الأرحام فيدخلون في عموم قول الله تعالى:{وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ} [الأنفال: من الآية 75]، والزوجان خارجان من ذلك". انتهى كلامه.
وقد نقل الإجماع على عدم الرد على الزوجين غير واحد من الفرضيين، وتقرير الدليل الذي قاله صاحب «المغني» أن الله فرض لذوي الفروض فروضهم؛ فيجب أن لا يعطى أحد فوق فرضه ولا ينقص منه إلا بدليل، وقد قام الدليل على أنه ينقص منه عند التزاحم كما سبق في العول، وقام الدليل على أنه يعطى القريب ما فضل عن الفرض عند عدم العاصب، وهو قوله تعالى:{وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ} [الأنفال: من الآية 75]، فبقي الزوجان لا دليل على إعطائهما فوق ما فرض الله لهما.
وأما ما وقع في «فتاوى شيخ الإسلام» (31/ 338): وفي «مختصر الفتاوى» (ص 420) وفي «الاختيارات» (ص 197) في امرأة خلفت زوجاً، وأماً، وبنتاً: أنها تقسم على أحد عشر: (للبنت ستة أسهم، وللزوج ثلاثة أسهم، وللأم سهمان)، وهذا على قول من يقول بالرد، كأبي حنيفة وأحمد. انتهى.
فإن ظاهر هذه القسمة أنه يرد على الزوج، وفي ذلك نظر من وجوه ثلاثة:
الأول: أن الشيخ صرح بأنها مبنية على قول من يقول بالرد. وقد علم أن القائلين بالرد لا يرون الرد على الزوجين، فقسمة المسألة المذكورة عندهم من ستة عشر:(للزوج أربعة، وللبنت تسعة، وللأم ثلاثة).
الثاني: أن الأصحاب لم ينقلوا عن الشيخ أنه يرى الرد على الزوجين مع اعتنائهم بآرائه واعتبارهم لها، بل إن صاحب "مختصر الفتاوى" قال عن المسألة المذكورة: إن فيها نظراً.
الثالث: إن الشيخ نفسه ذكر في موضع آخر مسألتين ورد فيهما أحد الزوجين، ولم يرد عليهما.
ففي «مجموع الفتاوى» (31/ 359) -في رجل مات وترك زوجة، وأختًا لأبوين، وثلاث بنات أخ لأبويه- قال الشيخ: للزوجة الربع، وللأخت النصف، ولا شيء لبنات الأخ. والربع الثاني إن كان هناك عصبة فهو للعصبة، وإلا فهو مردود على الأخت على أحد قولي العلماء وعلى الآخر؛ فهو لبيت المال. اهـ
وقال في «مجموع الفتاوى» (31/ 358) -في امرأة خلفت زوجاً وابن أخت-: أن للزوج النصف وأما ابن الأخت: ففي أحد الأقوال له الباقي، وهو قول أبي
حنيفة، وأصحابه، وأحمد في المشهور عنه، وفي القول الثاني لبيت المال، وهو قول كثير من أصحاب الشافعي، قال: وأصل المسألة تنازع العلماء في ذوي الأرحام الذين لا فرض لهم، ولا تعصيب، فمذهب مالك والشافعي وأحمد في رواية: أن من لا وارث له بفرض ولا تعصيب يكون ماله لبيت مال المسلمين. ومذهب أكثر السلف، وأبي حنيفة، وأحمد في المشهور عنه يكون لذوي الأرحام. اهـ، ثم ذكر دليل ذلك.
فأنت ترى أن الشيخ لم يرد على الزوجين في هاتين المسألتين، ولو كان يراه لرد عليهما لاستحقاقهما الرد في مثل هذه الحال لو كانا من أهله. والظاهر أن المسألة الأولى التي ظاهرها الرد على الزوج سهو أو سَبْقَةُ قلم، والله أعلم.
ويمكن أن يقال -في مسألة الرد على الزوجين-: إنه إذا لم يكن وارث بقرابة ولا ولاء، فإنه يرد على الزوجين؛ لأن ذلك أولى من صرفه إلى بيت المال الذي يكون لعموم المسلمين؛ فإن بين الزوجين من الاتصال الخاص ما ليس لعموم المسلمين فيكونان أحق بما بقي بعد فرضهما من بيت المال. ويحتمل أن يحمل على هذا ما روي عن أمير المؤمنين عثمان. انتهى.
قلتُ: الأثر عن عثمان رضي الله عنه، لم نقف له على إسنادٍ؛ فلا حاجة إلى تأويله وتوجيهه، والله أعلم.
(1)
(1)
انظر: «المغني» (9/ 48 - )«التحقيقات» (ص 251 - )«ابن أبي شيبة» (11/ 275 - )«بداية المجتهد» (4/ 169)«سنن البيهقي» (6/ 244)«الرسالة» (ص 587 - 59)«سنن ابن منصور» رقم (112 - ).