الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يَكُونَ ثَمَنًا. اهـ
قلتُ: ولكن إن جعلا ذلك كالمساقاة، والمضاربة بأن يكون النماء إذا حصل بينهما، وإن لم يحصل فالوضيعة على رب المال؛ فقد جوز ذلك ابن القيم رحمه الله في «أعلام الموقعين» (4/ 19) بعد أن ذكر الصورة المتقدمة، وصورًا أخرى تشبهها.
قال رحمه الله: وَالصَّوَابُ جَوَازُ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَهُوَ مُقْتَضَى أُصُولِ الشَّرِيعَةِ وَقَوَاعِدِهَا؛ فَإِنَّهُ مِنْ بَابِ الْمُشَارَكَةِ الَّتِي يَكُونُ الْعَامِلُ فِيهَا شَرِيكَ الْمَالِكِ، هَذَا بِمَالِهِ، وَهَذَا بِعَمَلِهِ، وَمَا رَزَقَ اللهُ فَهُوَ بَيْنَهُمَا، وَهَذَا عِنْدَ طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا أَوْلَى بِالْجَوَازِ مِنْ الْإِجَارَةِ، حَتَّى قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: هَذِهِ الْمُشَارَكَاتُ أَحَلُّ مِنْ الْإِجَارَةِ، قَالَ: لِأَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ يَدْفَعُ مَالَهُ، وَقَدْ يَحْصُلُ لَهُ مَقْصُودُهُ، وَقَدْ لَا يَحْصُلُ، فَيَفُوزُ الْمُؤَجِّرُ بِالْمَالِ، وَالْمُسْتَأْجِرُ عَلَى الْخَطَرِ؛ إذْ قَدْ يَكْمُلُ الزَّرْعُ، وَقَدْ لَا يَكْمُلُ، بِخِلَافِ الْمُشَارَكَةِ؛ فَإِنَّ الشَّرِيكَيْنِ فِي الْفَوْزِ وَعَدَمِهِ عَلَى السَّوَاءِ، إنْ رَزَقَ اللهُ الْفَائِدَةَ؛ كَانَتْ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ مَنَعَهَا؛ اسْتَوَيَا فِي الْحِرْمَانِ، وَهَذَا غَايَةُ الْعَدْلِ، فَلَا تَأْتِي الشَّرِيعَةُ بِحِلِّ الْإِجَارَةِ وَتَحْرِيمِ هَذِهِ الْمُشَارَكَاتِ. اهـ
مسألة [18]: متى يملك المؤجر الأجرة إذا أطلقا العقد
؟
• مذهب أحمد، الشافعي أنَّ الْمُؤجر يملك الأجرة بمجرد العقد، كما يملك البائع الثمن بالبيع، ولأنه عقد معاوضة أطلق ذكره؛ فَيُستَحق بمطلق العقد كالثمن والصداق.
• ومذهب مالك، وأبي حنيفة أنه يملكها بالاستيفاء، فكلما استوفى منفعةَ يومٍ؛ ملك أجرتَه، ولأنه عوض لم يملك معوضه؛ فلم يجب تسليمه، وعلى هذا فلا يملك المؤجر المطالبة بالأجرة حتى يستوفي المستأجر المنافع؛ إلا أن يطالب ببعض ما استوفاه.
وعلى القول الأول يملك المطالبة بمجرد العقد؛ إلا أن يشترطا التأجيل، وقد استدل لأهل القول الثاني بقوله تعالى:{فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [الطلاق:6]، وبقوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في حديث الباب:«وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا، فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُوَفِّهِ أَجْرَهُ» ، فأمر بالآية الأولى بإيتائهن بعد الإرضاع، وتوعَّد في الحديث على الامتناع من دفع الأجر بعد العمل؛ فدلَّ على أنها حالة الوجوب.
وأجاب أصحاب القول الأول: أنَّ الآية ليست صريحة في ذلك، بل يحتمل أنها مثل قوله تعالى:{فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [النحل:98]، وكذلك الحديث يحقق أنَّ الأمر بالإيتاء في وقتٍ لا يمنع وجوبه قبله، كقوله تعالى:{فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [النساء:24]، والصداق يجب قبل الاستمتاع، وهذا هو الجواب عن الحديث، ويدل عليه أنه إنما توعد على ترك الإيفاء بعد الفراغ من العمل، وقد قالوا: يجب الأجر شيئًا فشيئًا.
وجواب آخر: أنَّ الآية والخبر إنما وردا فيمن استؤجر على عمل، فأما ما وقعت الإجارة فيه على مدة؛ فلا تعرض لها به.