الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
216 -
(1)
تقي الدين ابن تمام الحنبلي
عبد الله بن أحمد بن تمام، الشيخ الإمام الأديب تقي الدين الصالحي الحنبلي، أخو الشيخ القدوة محمد بن تمام الآتي ذكره إن شاء الله تعالى؛ كان فاضلاً زاهداً ورعاً معرضاً عما أغري به الناس من الرياسة، وكان حسن البزة مع الزهد والقناعة، خيراً نزهاً محبوباً إلى الفضلاء، مليح المحاسن حسن العشرة، سمع من أبي قميرة والمرسي والبلداني، وله أشعار رائقة وترسل، وكان بينه وبين الشهاب محمود أنس عظيم واتحاد كثير، كتب إليه الشهاب محمود رحمه الله تعالى من الديار المصرية وأرسلها إليه إلى جبل الصالحية:
هل عند من عندهم برئي وأسقامي
…
علم (2) بأن نواهم أصل آلامي
وأن قلبي وجفني بعد بعدهم
…
ذا دائم وجده فيهم وذا دامي
بانوا فبان رقادي يوم بينهم
…
فلست أطمع من طيف بإلمام
كتمت شأن الهوى يوم النوى فنما
…
بسره من جفوني أي نمام
كانت ليالي بيضاً في دنوهم
…
فلا تسل (3) بعدهم عن حال أيامي
ضنيت وجداً بهم والناس تحسب بي
…
سقماً فأبهم (4) حالي عند لوامي
وليس أصل ضنى جسمي النحيل سوى
…
فرط اشتياقي إلى لقيا ابن تمام
(1) الزركشي: 143 وذيل طبقات الحنابلة 2: 371 (ولد سنة 635 وتوفي سنة 718) والدرر الكامنة 2: 346 والشذرات 6: 48؛ وتشترك النسخة ر مع ص في جانب من هذه الترجمة.
(2)
ص والزركشي: علماً.
(3)
ص: تسال.
(4)
ص؛ فأبهم عن.
مولىً متى أخل من برؤ برؤيته
…
خلوت منه بأشجان وأسقام
نأى ورؤيته عندي أحب إلي
…
قلبي من الماء عند الحائم الظامي
وصد عني ولم يسأل بجفوته
…
عن هائم دمعه من بعده هامي
يا ليت شعري ألم يبلغه أن له
…
أخاً بمصر ضعيف الجسم مذ عام
ما كان ظني هذا في مودته
…
ولا الحديث كذا عن ساكن (1) الشام
يا غائباً داره قلبي ولو هجعت
…
عيني لأدنته مني رسل أحلامي
أصبحت بعد اشتطاطي في الحقيقة من
…
لقياك أخدع آمالي بأوهام
هذا ولم يبق لي في لذة أرب
…
إلا اجتماعي بأصحابي (2) وألزامي
وإن هم خلفوني مفرداً ونأوا
…
وافيت أسهر أجفاني لنوام
وأين نيل مرامي من لقائهم
…
ضاق الزمان وهياً سهمه الرامي
ولت بشاشة أيامي فلو عرضت
…
علي أعرضت عنها غير مستام
هل بعد سبعين لي إلا التأهب من
…
أجل الرحيل بإسراج وإلجام
الناس يرجون ما قد قدموا لغدٍ
…
والخوف من سوء ما قدمت قدامي
ولست أرجو سوى عفو الإله وأن
…
ألقى السلامة في الأخرى بإسلامي
بلى وحب الذي أرجوه يشفع لي
…
غداً إذا جئته أسعى بآثامي
فاذكر أخاك بظهر الغيب وادعوا له
…
فأنت في نفسه من خير أقوام
لعل يجمعنا في دار رحمته
…
من عفوه فوق إسرافي وإجرامي
عليك مني سلام الله ما ابتسمت
…
أزاهر الروض من دمع الحيا الهامي فأجابه الشيخ تقي الدين رحمهما الله تعالى:
يا ساكني مصر فيكم ساكن الشام
…
يكابد الشوق من عام إلى عام
الله من رمقٍ أودى السقام به
…
كم ذا يعلل فيكم نضو أسقام
(1) الزركشي: ساكني.
(2)
الزركشي: واصحابي.
ما ظنكم ببعيد الدار منفردٍ
…
حليف هم وأحزانٍ وآلام
يا نازحين متى تدنو النوى بكم
…
حالت لبعدكم حالي وأيامي
كم أسأل الطرف عن طيف يعاوده
…
وما لجفني من عهدٍ بأحلام
أستودع الله قلباً في رحالكم
…
عهدته منذ أزمانٍ واعوام
وما قضى بكم من حبكم أرباً
…
ولو قضى فهو من وجد بكم ظامي (1)
من ذا يلوم أخا وجدٍ يحبكم
…
فأبعد الله عذالي ولوامي
في ذمة الله قوماً ما ذكرتهم
…
إلا ونم بوجدي مدمعي الدامي
قوم أذاب فؤادي فرط حبهم
…
وقد الم بقلبي أي إلمام
ولا تخذت سواهم منهم بدلاً
…
ولا نقضت لعهدي عقد إبرام
ولا عرفت سوى حبي لهم ابداً
…
حباً يعبر عنه جفني الهام
يا واحداً أعربت عنه فضائله
…
وسار في الكون سير الكوكب السامي
في نعت فضلك حار الفكر من دهشٍ
…
وكل ظام روي من بحرك الطامي
لا يرتقي نحوك الساري على فلكٍ
…
فكيف من رام أن يسعى بأقدام
منك استفاد بنو الآداب مانظموا
…
وعنك ما حفظوا من رقم أقلام
أنت الشهاب الذي سامى السماك علاً
…
وفيض فضلك فينا فيض إلهام
لما رأيت كتاباً أنت كاتبه
…
وأضرم الشوق عندي أي إضرام
أنشدت قلبي هذا منتهى أربي
…
أغاد عهد حياتي بعد إعدام
يا ناظري خذا من خده قبلاً
…
فهو الجدير بتقبيلٍ وإكرام
ثم اسرحا في رياضٍ من حدائقه
…
وقد زها زهرها الزاهي بأكمام
من ذا يوفيه في در الجواب له
…
عذراً إليه ولو كنت ابن بسام
يا ساكناً بفؤادي وهو منزله
…
محل شخصك في سري وأوهامي
حقاً أراك بلا شك مشاهدةً
…
ما حال دونك إنجادي وإتهامي
(1) ص والزركشي: ضامي.
ولذ عتبك لي يا منتهى أربي
…
وفي العتاب حياة بين أقوام (1)
حوشيت من عرض يشكي ومن ألمٍ
…
لكن عبدك أضحى حلف آلام
ولو شكا سمحت منه شكايته
…
إن الثمانين تستبطي يد الرامي
وحيد دار فريد في الأنام له
…
جيران عهدٍ قديم بين آكام
طالت به شقة الأسفار ويحهم
…
أغفوا وما نطقوا من تحت أرجام
أبلى محاسنهم مر الجديد بهم
…
وأبعد العهد منهم بعد أيام
فلا عداهم من الرحمن رحمته
…
فهي الرجاء الذي قدمت قدامي
وكم رجوت إلهي وهو أرحم لي
…
وقل عند رجائي قبح آثامي
فطال عمرك يا مولاي في دعةٍ
…
ودام سعدك في عز وإنعام
ولا خلت مصر يوماً من سناك بها
…
ولا نأى نورك الضاحي عن الشام وقال أيضاً رحمه الله تعالى:
أسكان المعاهد من فؤادي
…
لكم في كل جارحةٍ سكون
أكرر فيكم أبداً حديثي
…
فيحلو والحديث بكم شجون
وأنظمه عقوداً من دموعي
…
فتنثره المحاجر والجفون
وأبتكر المعاني في هواكم
…
وفيكم كل قافيةٍ تهون
وأسأل عنكم النكباء سراً
…
وسر هواكم عندي المصون
وأعتنق (2) النسيم لأن فيه
…
شمائل من محاسنكم تبين
وكم لي في محبتكم غرام
…
وكم لي في الغرام بكم فنون وقال من أبيات:
بيض الوجوه إذا افترت مباسمهم
…
فاللؤلؤ الرطب حلو حين يتسق
تقسم الحسن عنهم في الأنام كما
…
تجمع الفضل فيهم وهو مفترق
(1) عجز بيت، وصدره:((أبلغ أبا مسمع مني مغلغلة)) .
(2)
لم تعجم النون في ص.
كم زرتهم وغصون الفضل دانية
…
أجني الثمار بها عفواً وارتزق
هم الأولى إن دعوني عبدهم صدقوا
…
لما استرقوا وكم منوا وما عتقوا
تحلو الأحاديث عنهم كلما ذكرت
…
فكيف إذا شافهوا يوماً بما نطقوا
إني لأشكر ما أولوه من نعمٍ
…
شكراً عليه قلوب الخلق تتفق وقال رحمه الله تعالى:
أما والهوى إن شط ربعكم عنا
…
فأنتم نزول بالقلوب إذن منا
وإن حجبت اشباحكم عن عيوننا
…
فلم يحجب البين المشت لكم معنى
ولا نظرت عيناي إلا جمالكم
…
ولطفكم الموصوف والحسن والحسنى
أحن إليكم في التداني وفي النوى
…
ولا عجب للصب إن أن أو حنا
ويشتاقكم طرف وأنتم سواده
…
فما أبعد المشتاق منكم وما أدنى
لحا الله دهراً راعني بفراقكم
…
وأفقرني فيمن احب وما استغنى وقال أيضاً:
يا ناق إن جئت الحمى سالمةً
…
فعفري خديك في تلك الربى
وبلغي أهيلها تحيتي
…
فإن في تبليغهم لي أربا
عساهم أن يبعثوا جوابها
…
في طي أنفاس نسيمات الصبا
فإنها أكتم للسر ولا
…
يخشى عليها من عيون الرقبا
فإن فعلت فهي عندي منة
…
من أجلها أحمل عنك التعبا
أحبابنا مذ غبتم عن حيكم
…
محبكم عن صبره قد غلبا
قد بلغ الشوق بكم غايته
…
وفي جواه (1) بلغ السيل الزبى
لا يستطيع باللسان شرح ما
…
لو شق عنه القلب أبدى العجبا
وكلما سمت فؤادي سلوةً
…
عنكم ينادي عنهم لا مذهبا
وكم أنادي في الديار بعدكم
…
واحربا من بعدهم واحربا
(1) ص: جوابه؛ الزركشي: جواب.
وقال أيضاً:
وقالوا صبا بعد المشيب تعللاً
…
وفي الشيب ما ينهى عن اللهو والصبا
نعم قد صبا لما رأى الظبي آنساً
…
يميل كغصن البان مالت به الصبا
أدار التفاتاً حالي الجيد عاطلاً
…
وفي لحظه معنى به الصب قد صبا
ومزق أثواب الدجى وهو طالع
…
واطلع بدراً بالجمال محجبا
جرى حبه في كل قلبٍ كأنما
…
تصور من ارواحنا وتركبا وقال أيضاً:
أكاتبكم وأعلم أن قلبي
…
يذوب إذا ذكرتكم حريقا
وأجفاني تسح الدمع سيلاً
…
به أمسيت في دمعي غريقا
أشاهد من محاسنكم محياً
…
يكاد البدر يشبهه شقيقا
وأصحب من جمالكم خيالاً
…
فأنى سرت يرشدني الطريقا
ومن سلك السبيل إلى حماكم
…
بكم بلغ المنى وقضى الحقوقا وقال أيضاً:
تبدى فهو أحسن من رأينا
…
وألطف من تهيم به العقول
وأسفر وهو في فلك المعاني
…
وعنه لطرف ناظره كليل
له قد يميل إذا تثنى
…
كذاك الغصن من هيف يميل
وخد ورده الجوري غض
…
وطرف لحظه سيف صقيل
وخال قد طفا في ماء حسنٍ
…
فراق بحسنه الخد الأسيل
تخال الخد من ماء وخمرٍ
…
وفيه الخال نشوان يجول
وكم لام العذول عليه جهلاً
…
وآخر ماجرى عشق العذول وقال أيضاً رحمه الله تعالى:
يا عاذلي حكم الهوى
…
وكلفت بالرشإ الكحيل
ريان من ماء الصبا
…
جذلان يلعب بالعقول
راقت محاسنه التي
…
جليت على الوجه الجميل
وعلى مثقفٍ قده
…
بدر يجل عن الأفول
والخال عم جماله
…
في سالف الخد الأسيل
زعم العذول بأنه
…
يلهي الخليل عن الخليل
يا طالما نصح العذو
…
ل وما قبلت من العذول
ولبست ثوب خلاعتي
…
وخلعت أثواب الخمول وقال أيضاً رحمه الله تعالى:
لله ليلتنا التي نظمت لنا
…
شمل المسرة والوشاة رقود
جادت بأهيف كالغزال لحاظه
…
يسطو بها بين الجفون أسود
ريان يعتنق النسيم لطافةً
…
ويميل من مر الصبا ويميد
لم أنسه إذ زار يخترق الدجى
…
وعليه من درر النجوم عقود
في صورة القمر المنير وحسنه
…
لكنه حسناً عليه يزيد
يا ناظري تمتعا بجماله
…
فالحسن حيث ترى العيون ترود
واستقصيا نظراً إليه فإنه
…
كالطيف يدنو والمزار بعيد
وإذا رنا بلحاظه فتعرضا
…
فاللحظ يقتل والقتيل شهيد
كم بت من سهري عليه مسهداً
…
وعليه يحلو في الهوى التسهيد
يا من أعار البدر نوراً باهراً
…
قسماً لقد راقت عليك سعود
أنا في هواك إذا دعيت صبابةً
…
يا واحد الحسن البديع وحيد وقال أيضاً:
راق المدام وثغر الكأس يلتهب
…
وللكؤوس ثغور حليها الحبب
فقل لكاسك في الندمان حي على
…
شمس المدام وروح الراح تستلب
أما ترى الشمس تجلى في سنا قمر
…
كأنه بالنجوم الزهر ينتقب
والطير تسجع بالألحان صادحةً
…
كأن ألحانها الأوتار تصطخب
والروض يضحك في أكمامه خجلاً
…
من الغمام ودمع الغيث ينسكب
وللزجاجة معنى رقة وسناً
…
كأنها الزهر الغراء ترتقب
لله ندمان ذاك الحي من نفرٍ
…
قوم دعاهم إلى حاناتها الطرب
فلا تقل حجبوا عني محاسنهم
…
فليس تمنعها الأستار والحجب
بالله يا مهجتي لا تبتغي بدلاً
…
منهم وإن سلبوا قلبي وقد سلبوا
ويا غرامي لي في صبوتي حرق
…
أودى وحقك بي من حرها اللهب
حسبي وقد علموا حالي بحبهم
…
وعندهم (1) زفرات الشوق تحتسب
إن بلغ الله آمالي مآربها
…
وقد قضيت هوىً لم يبق لي أرب
وأين مني ديار القوم إذ وقفت
…
بي الركاب وحثت تحتهم نجب
ولا تقل شقة الأسفار تبعدني
…
إذا عزمت فذاك البعد يقترب
لا اشتكي أبداً بعداً لدارهم
…
ولا أرى غيرهم في الكون لا حجبوا
يحلو لي الصد منهم حيث يعذب لي
…
مر العتاب فلا صدوا ولا عتبوا
وأرتضي كل ما فيه رضىً لهم
…
وقد ألفت الرضى منهم فلا غضبوا
فاستجل لمحة برق من محاسنهم
…
ولا تقل عندها الأرواح تنتهب
لا تنح في الدهر يوماً غيرهم أبداً
…
فنحوهم وإليهم ينتهي الطلب
تحلو الأحاديث عنهم كلما ذكروا
…
وفيهم تعذب الأشعار والخطب
لا تعجبن لوصفي في محاسنهم
…
فكل معنى لهم في وصفه عجب
(1) ص: وعندي.