الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وكان خصومه -يعني شيخ الإسلام ابن تيميه- يعيبونه ويقولون: سأله السائل عن طريق مصر -مثلا- فيذكر له معها طريق مكة، والمدينة، وخراسان، والعراق، والهند، وأى حاجة بالسائل إلى ذلك؟
ولعمر الله ليس ذلك بعيب، وإنما العيب: الجهل والكبر" (1).
قلت: والبخل، وأيُ داءٍ أدوءُ من البخل، فمن جاد بعلمه نال ثلاث فضائل:
الأولى: الثواب.
والثانية: أتقان الحفظ، زيادة العلم.
والثالثة: نقل صورته ونظام علمه ليكون خلفا منه.
وقال بعضُ الحكماءِ: خَيرُ العلماءِ من لا يُقِل ولا يُمِل.
وقال بعضُ العلماءِ: كُل علمٍ كثُر على المُستمعِ ولم يُطَاوِعهُ الفهمُ ازداد القلبُ به عَمًى. وإِنمَا ينفعُ سمعُ الآذَانِ، إذا قَويَ فَهمُ القُلُوبِ فِي الأبدَانِ.
6 -
نزاهة النفس:
النزاهة لغة: التباعد (2).
أما في الاصطلاح: اكتِسَابُ المَالِ من غَيرِ مَهَانَةٍ ولا ظُلمٍ، وَإِنفَاقُهُ فِي المَصَارِفِ الحَمِيدَةِ (3).
ومن القوادح إهانة النفس توصلًا للأغراض الدنية، فالترفع عما في
(1)"مدارج السالكين"(2/ 279).
(2)
"المصباح المنير"(229).
(3)
"التوقيف على مهمات التعاريف"(695).
أيدي الناس نزاهة محمودة، فالصيانةِ العنايةُ بالنفسِ، من أن تشوبها شوائب القدح وخوارم المروءة، أو تتلوث بالعثرات، أو تتسامح بالزلات، فالريبة مذمة، فالاتكاءِ على فضيلة العلم لا يكفي، والاعتماد على ثقة الناس لا يفي.
قال ابن جماعة رحمه الله:
"أن يُنزَّه علمه عن جعله سُلمًا يتوصل به إلى الأغراض الدنيوية؛ من جاهٍ، أو مالٍ، أو سمعةٍ، أو شُهرةٍ، أو خدمة، أو تقدم على أقرانه .. ، وكذلك يُنزهُه عن الطمع في رفقٍ من طلبته بمالٍ أو خدمة، أو غيرهما بسببٍ انشغالهم عليه وتردُّدهم إليه"(1).
وقال الماوردي رحمه الله: "ومن آدابهم: نزاهةُ النفسِ عن شُبه المكاسب، والقناعةُ بالميسور عن كدِّ المطالب؛ فإن شُبهة المكسب إثم، وكد الطلب ذُل، والأجرُ أَجدرُ به من الإثم، والعزُّ أَليقُ به من الذُّل"(2).
قال الماوردي رحمه الله: "ولعمرِي إن صِيانةَ النفسِ أَصلُ الفضائل؛ لأَنَّ من أَهمل صِيانة نَفسهِ ثقةً بما منحهُ العلمُ من فضيلتهِ، وتوكلًا على ما يلزمُ الناسَ من صيانتهِ، سلبوهُ فضيلةَ علمه، ووسموهُ بقبيحِ تبذُّله، فلم يفِ ما أَعطَاهُ العلمُ بما سلبهُ التبَذْلُ؛ لأَن القبيحَ أَتم من الجميل، والرذيلةُ أَشهرُ من الفَضيلةِ؛ لأَن النَّاس لما في طبائعهم من البغضةِ والحسدِ ونزاع المُنافسةِ تنصرفُ عُيُونُهم عن المحاسن إلى المساوئ، فلا ينصفُون مُحسِنًا، ولا
(1)"تذكرة السامع والمتكلم"(36).
(2)
"أدب الدنيا والدين"(132).