الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تفاوت الهفوات
والهفوات إما أن تكون في حقك، أو في دينه بارتكاب معصية، فإن كان في حقك فاصبر وتجاوز واحتمل، وإن كان في دينه، فالهفوات إما كبائر أو صغائر، فالصغائر مغفورة والنفوس بها معذورة، أما الكبائر، فإما أن يتلبس بها خاطئًا، أو متعمدًا مصرًا لا يريد الانفكاك عنها، والأخ النابه ينصح ولا يفضح، ويتلطف ولا يهجر إلا إذا أصر على المعصية وخاف على نفسه أن يتأثر فيتعامل معه بالضوابط الشرعية.
قال ابن قدامة المقدسي رحمه الله:
"اعلم أن من يحب في الله يبغض في الله، فإنك إذا أحببت إنسانًا لكونه مطيعًا لله، فإذا عصى الله أبغضته في الله، لأن من أحب لسبب أبغض لوجود ضده، ومن اجتمعت فيه خصال محمودة ومكروهة، فإنك تحبه من وجه وتبغضه من وجه، فينبغي أن تحب المسلم لإسلامه، وتبغضه لمعصيته، فتكون معه على حالة متوسطة بين الانقباض والاسترسال، فأما ما يجري منه مجرى الهفوة التي يعلم أنه نادم عليها، فالأولى حينئذ الإغماض والستر، فإذا أصر على المعصية، فلا بد من إظهار أثر البغض بالإعراض عنه والتباعد، وتغليظ القول له على حسب غلظ المعصية وخفتها"(1).
12 -
اصطناع المعروف بالتودد إلى الأصحاب
.
عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رجلًا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا
(1)"منهاج القاصدين"(93).
رسول الله، أي الناس أحب إلى الله؟ وأي الأعمال أحب إلى الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أحبُّ الناس إلى الله تعالى أنفعُهُم للناس، وأحب الأعمالِ إلى الله عز وجل سرور تدخلُهُ على مسلمٍ أو يكشفُ عنه كِربةً، أو يقضي عنه دينًا، أو يطرُدُ عنه جُوعًا، ولأن أمشي مع أخٍ في حاجةٍ أحب إليَّ من أن أعتكفَ في هذا (يعني مسجد المدينة) شهرًا" .. ومن مشى مع أخيه في حاجةٍ حتى تتهيأ له أثبتَ الله قدمهُ يوم تزول الأقدامُ" (1).
قلت: صاحبك -أيها الودود- أقرب الناس إليك، وهو أهل الوفاء عندك، فلا تتردد من اصطناع المعروف إليه بقضاء حاجاته وإعانته بما تملك، ومشاركته في الأفراح والأتراح، فإنك تعظم في عينه وتنل أجرًا.
قال عبد الله بن الزبير: قُتل أبي وترك دينًا كبيرًا، فأتيت حكيم بن حزام أستعين برأيه وأستشيره
…
، فقال: يا ابن أخي ذكرت دين أبيك فإن كان ترك مئة ألف فعليَّ نصفها (2).
* الصاحب أدرى بنفع خليله:
كان الإمام محمد بن الحسن الشَّيْبَاني المولود سنة 131 هـ، والمتوفى سنة 189هـ قد بلغ عند الرشيد مبلغًا جليلًا، وكان إمام الحنفيّة في زمانه، فكتب إليه الإمام الشافعيّ:
لستُ أدري ماذا أقولُ ولكن
…
أبتغي من عريضِ جاهكَ نفعا
(1) حسن. أخرجه ابن أبي الدنيا في "قضاء الحوائج"، والطبراني (13646)، وحسنه الألباني في "الصحيحة"(906).
(2)
"تهذيب الكمال"(7/ 187، 188).