الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قيل لابن المبارك: "ما خير ما أُعطيَ الرجل؟
فقال: غريزة عقل، قيل: فإن لم يكن؟ قال: أدبٌ حسن، قيل: فإن لم يكن؟ قال: صمتٌ طويلٌ، قيل: فإن لم يكن؟ قال: موت عاجل" (1).
قال أبو حاتم: "فالواجب على العاقل: أن يكون بِمَا أحْيَا عقله من الحكمة أكلَفَ (أي أشد تعلقًا وانشغالاً) منه بما أحيا جسده من القوت؛ لأنَّ قوت الأجساد المطاعم، وقوت العقل الحكم، فكما أن الأجساد تموت عند فقد الطعام والشراب، وكذلك العقول إذا فَقَدت قُوتَها من الحِكْمة ماتت"(2).
قال الماوردي: "واعلم أنّ بالعقلِ تُعرفُ حقائقُ الأمورِ .. ، وبه يَمتَازُ الإنسانُ عن سائرِ الحيوانِ، فإذا تَمَّ في الإنسانِ سُميَ عاقلًا، وخرج به إلى حَدِّ الكمال"(3).
قال بعضهم:
إذ تم عقل المرء تمت أمُورُه
…
وتَمَّت أياديه وتم بناؤُهُ
فإن لم يكن عقل تَبيَّن نقْصُه
…
ولو كانَ ذا مال كثيرًا عَطاؤُهُ
*
ثمرة العقل:
قال العلامة ابن القيم رحمه الله:
"ثمرة العقل الذي به عُرف الله سبحانه وتعالى، وأسماؤهُ، وصفاتُ
(1)"روضة العقلاء"(17).
(2)
"روضة العقلاء"(18).
(3)
"أدب الدنيا والدين"(12).
كماله، ونعوتُ جلاله، وبه آمن المؤمنون بكتبه، ورسله، ولقائه، وملائكته، وبه عُرفت آياتُ ربوبيته، وأدلهُ وحدانيته، ومعجزاتُ رسله، وبه امتُثلتْ أوامره، واجتنبت نواهيه، وهو الذي يلمح العواقب فراقبها، وعمل بمقتضى مصالحها، وقاوم الهوى، فردَّ جيشه مفلولاً، وساعدَ الصبر حتى ظفر به بعد أن كان بسهامه مقتولًا، وحث على الفضائل، ونهى عن الرذائل، وفتق المعاني، وأدركَ الغوامض، وشدَّ أزر العزم، فاستوى على سُوقه، وقوّى أزر الحزم حتى حظي من الله بتوفيقه، فاستجلبَ ما يزينُ، ونفى ما يشينُ، فإذا ترك وسلطانه؛ أسر جنود الهوى، فحصرها في حبس "من ترك لله شيئًا عوضه الله خيرًا منه"، ونهض بصاحبه إلى منازل الملوك، إذا صير الهوى المَلِكَ بمنزلة العبد المملوك، فهي شجرةٌ عرقُها الفكر في العواقب، وساقها الصبر، وأغصانها العلم، وورقها حسن الخلق، وثمرها الحكمة، ومادتها توفيق من أزمة الأمور بيديه، وابتداؤها منه، وانتهاؤها إليه.
وإذا كان هذا وصفه، فقبيحٌ أن يُدال عليه عدوّه، فيعزله عن مملكته، ويحطه عن رتبته، ويستنزله عن درجته، فيصبح أسيرًا بعد أن كان أميرًا، ومحكومًا بعد أن كان حاكمًا، وتابعًا بعد أن كان متبوعًا، ومن صبر على حكمه أرتعه في رياض الأماني والمنى، ومن خرج عن حكمه؛ أورده حياض الهلاك والرَّدى.
قال علي بن أبي طالب رضى الله عنه: "لقد سبق إلى جنات عدنِ أقوامٌ ما كِانوا بأكثر الناس صلاةَ، ولا صيامًا، ولا حجًّا، ولا اعتمارًا، لكنهم عقلوا عن
الله مواعظه، فوجلت منه قلوبهم، واطمأنت إليه نفوسهم، وخشعت له جوارحهم، ففاقوا الناس بطيب المنزلة، وعلوّ الدرجة عند الناس في الدنيا، وعند الله في الآخرة".
وقال عمر بن الخطاب رضى الله عنه: "ليس العاقلُ الذي يعرف الخيرَ من الشر، ولكنه الذي يعرف خير الشرين".
وقالت عائشة رضى الله عنها: " قد أفلح من جعل الله له عقلًا" اهـ (1).
قلت: هذه ثمرة العقل، وفضل العقلاء، أما من طَالَع أحوالَ الجَهلة يَرى عَجَبًا لسُوء أخْلاقهم مع ما عندهم من نِعَمة العقل.
قال بعضُ الحكماء: الأدب صورة العقل، فصور عقلك كيف شئت.
وقال آخر: العقلُ بلا أدب كالشجر العاقر، ومع الأدب كالشجر المثمر.
وقال بعضُ البلغاء: الفضل بالعقل والأدب، لا بالأصل والحسب؛ لأن من ساد أدبه ضاع نسبه، ومن قلَّ عقلُه، ضلَّ أصلُه.
وقال بعضُ العلماء: الأدب وسيلة إلى كُلِّ فضيلة، وذريعة إلى كل شريعة.
"والواجب على العاقل: أن يكون حسن السَّمْت (أي الهيئة)، طويلَ الصَّمْتِ، فإنَّ ذلك في أخْلاق الأنبياء، كما أن سُوء السَّمت وترك الصَّمت من شِيم الأَشقِيَاء".
قلت: فكل من منعه عقله عما لا ينبغي، فهو من جمله العقلاء، ثم بِأيّ شيء يفخر المرءُ إذا كانت أخلاقُه سيئة، وطِباَعُه قبيحةٌ؟! وعلى ماذا
(1)"روضة المحبين"(38).
يتكبَّر، وبم يفرح إذا كان مسلوب الفضيلة؟!
"فالعاقلُ لا يَغْتبطُ بصفة يَفُوقه فيها سَبُعٌ أو بهيمةٌ أو جمادٌ، وإنَّما يغتبط بتقدُّمه في الفضيلة التي أبانه الله -تعالى- بها عن السِّباع والبهائم والجمادات، وهي التميِيز الذي يُشارك فيه الملائكةَ، فمَنْ سُرَّ بشجاعته التي يضعها في غير حقها لله عز وجل، فليعلم أنَّ النمر أَجرأُ منه، وأن الأسدَ والذِّئب والفيل أَشْجعُ منه، ومَنْ سُرَّ بقوة جسمه، فليعلم أن البغل والثَّور والفيل أقوى منه جِسْمًا، ومن سر بحمله الأثقال، فليعلم أنَّ الحمار أحمل منه، ومَنْ سُرَّ بسرعة عَدْوِه فليعلم أن الكلب والأرنب أَسْرعُ عَدوًا منه، ومَنْ سرَّ بحُسنِ صوته فليعلم أن كثيرًا من الطيرِ أحسنُ صوتًا منه، وأنَّ أصوات المزامير ألذّ وأطرب من صوته، فأي فخر وأي سرور فيما تكون فيه هذه البهائمُ متقدِّمةَ له؟! لكن من قويَ تمييزه، واتَّسع علمُه، وحَسُنَ عمله، فلْيَغْتبط بذلك، فإِنه لا يتقدمه في هذه الوجوه إلا الملائكةُ، وخيارُ النَّاسِ"(1).
وأهلُ السنة والجماعة هم الذين أنزلوا العقل منزلته اللائقة به، فهم وسط بين طرفين:
الطرف الأول: من جعل العقل أصلاً كليًا أوليًا، مستقلًا بنفسه عن الشرع، مستغنيًا عنه.
الطرف الثاني: من أعرض عن العقل، وذمه وعابه، وقدح في الدلائل العقلية مطلقاً.
(1)"روضة العقلاء"(ص 18)، "الأخلاق والسير"(83) لابن حزم.
والوسط في ذلك -وهم أهل السنة والجماعة- قالوا:
1 -
إن العقل شرط في معرفة العلوم، وكمال الأعمال وصلاحها؛ لهذا كانت سلامة العقل شرطًا في التكليف، فالأحوال الحاصلة مع عدم العقل ناقصة، والأقوال المخالفة للعقل باطلة، وتدبر القرآن يكون بالعقول؛ قال تعالى:{أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ} [النساء: 82]، فالعقل هو المدرك لحجة الله على خلقه.
2 -
إن العقل لا يستقيم بنفسه، بل هو محتاج للشرع.
3 -
إن العقل مصدق للشرع في كل ما أخبر به.
4 -
إن الشرع دلّ على الأدلة العقلية، وبينها، ونبَّه عليها (1).
قال الإمام الشاطبي:
"إذا تعاضد النقلُ والعقل على المسائل الشرعية؛ فعلى شرط أن يتقدَّم النقلُ فيكون مَتْبُوعًا، ويتأخر العقلُ فيكون تابعًا؛ فلا يَسرح العقلُ في مجال النظر إلا بقَدَر ما يُسرِّحه النقل"(2).
قلت:
وهذا كتاب جمعت فيه من الأخلاق والآداب ما يحسن للعاقل فعله، وما يقبح به إتيانه من الخصال المذمومة، وسَميته (موسوعة الأخلاق)، وجعلتهُ على أربعة أبواب كما يأتي مفصلًا في الكتاب -إن شاء الله-.
وأصل هذا الكتاب سلسلة دروس ألقيتها على بعض طالبات الجامعة من
(1) ينظر " المختصر الحثيث"(75) للأخ الأستاذ عيسى مال الله فرج، سدده الله.
(2)
"الموافقات"(1/ 125) بتحقيق العلامة الشيخ مشهور بن حسن آل سلمان، سدده الله.
كلية الشريعة وغيرهنَّ من عصر كل يوم أربعاء لعام 1425هـ، ثم أذيعت على حلقات في إذاعة القرآن الكريم في دولة الكويت لشهر رمضان المبارك من نفس العام، وبعدها سلسلة دروس في مسجد عبد الجليل من كل أحد في منطقة الفيحاء العامرة من عام 1428 للهجرة النبوية، ضمن برنامج ثقافي تابع لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية.
وها هو اليوم كتاب يقرأ أسال الله تعالى أن يبارك فيه، وقد أضفت إليه بعض الزيادات المهمة، ووضعت في كتابي هذا على قدر ما بلغه علمي، وحواه فكري، وشريطتي على قارئ كتابي "عدم التقصي في البحث عن أخطائي، والصفح عما يقف عليه من إغفالي، والتجاوز عما أهملته، وإن أداه التصفح إلى صواب نشره، أو إلى خطإٍ ستره؛ لأنه قد تقدمنا بالإقرار بالتقصير إذا رأى القارئ أي شيء يُنسب إلى الإغفال والإهمال، وقلما نجا مؤلف لكتاب من راصد بمكيدة، أو باحث عن خطيئة.
وقد كان يقال: من ألف كتابًا فقد استشرف، وإذا أصاب فقد استهدف، وإذا ما أخطأ فقد استقذف، وكان يقال: لا يزال الرجل في فُسحة من عقلهِ ما لم يقل شعرًا أو يضع كتابًا" (1).
ويحضرني قول أبي القاسم الحريري:
وَإِنْ تجدْ عيبًا فَسُدَّ الخَلَلا
…
فَجَلَّ مَنْ لا عيبَ فيهِ وَعَلَا
وأسألُ الله سبحانه بأسمائه الحسنى وصفاته العليا، أن يجعل عملي
(1) ينظر "الظرف والظرفاء" لمحمد بن إسحاق الوشاء (ص 1)، و"أدب الدنيا والدين" للماوردي (548).
خالصًا لوجهه الكريم، وأن يغفر لي ولوالدي، وأهلي ومشايخي وجميع إخواني، ومن كان سببًا في هذه الدروس، ولجميع المسلمين، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
والحمد لله رب العالمين.
وكتبه
خالد بن جمعة بن عثمان الخراز
الكويت - الفيحاء
1428 هـ-2007 م
قال مخلد بن الحسين لابن المبارك:
"نحنُ إلى كثيرٍ من الأدب، أحوجُ منَّا إلى كثيرٍ من الحديث".
[تدكرة السامع والمتكلم (14) لابن جماعة].