الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وغيرهما، والتوبة منها واجب على الفور وتحقيق شروطها، وكلامنا في هذا الفصل كيف نكتسب الأخلاق الحسنة ونجتهد في تغييرها للأحسن.
4 - المحاسبة:
وذلك بتصفح أفعاله، ونقد النفس إذا ارتكبت خلقًا ذميمًا، وحملها على ألا تعود إليه مرة أخرى، مع أخذها بمبدأ الثواب، فإذا أحسنت أراحها، وأرسلها على سجيتها بعض الوقت في المباح، وإذا أساءت وقصرت، أخذها بالحزم والجد، وحرمها من بعض ما تريد، ولا ينبغي للمرء إذا رأى من نفسه تقصيرًا أن يهملها؛ لأن ذلك يجعله يستسهل ذلك، ويشق عليه بعد ذلك فطامها، بل ينبغي أن يعاقبها عقوبة مباحة، كما يعاقب ولده وأهله.
"فالمحاسبة تكميل لمقام التوبة، والمراد بالمحاسبة الاستمرار على حفظ التوبة، حتى لا يخرج عنها، وكأنه وفاء بعقد التوبة"(1).
*ما المقصود بعقوبة النفس هنا؟
المقصود بها العقوبة المشروعة، وهي إلزام النفس بشيء يشق عليها فعله، بشرط ألا يؤدي ذلك إلى ضرر بالجسم كما يفعل الصوفية المنحرفون من عقوبة النفس بعدم النوم، أو تحريم اللحم على النفس، أو الدخول في القاذورات، أو عدم الاغتسال.
ومن ذلك قول أبي المواهب عبد الوهاب بن أحمد الشعراني الصوفي صاحب "طبقات الصوفية" في حديثه عن بعض شيوخ الصوفية المخالفين لهدي النبي صلى الله عليه وسلم وما كانوا يلزمون به أنفسهم من مجاهدات مرفوضة شرعًا
(1)"مدارج السالكين"(1/ 152).
وعقلًا يقول أبو صالح عبد القادر الجيلي:
"قاسيت الأهوال في بدايتي، وما تركت هولًا إلا ركبته، وكان لباسي جبة صوف، وعلى رأسي خريقة، وكنت أمشي حافياً في الشوك وغيره، وكنت أقتات بخرنوب الشوك وقمامة البقل وورق الخس من شاطي النهر، ولم أزل آخذ نفسي بالمجاهدة حتى طرقني من الله تعالى الحال، فإذا طرقني صرخت وهممت على وجهي، سواء كنت في صحراء أو بين الناس، وكنت أتظاهر بالتخارس والجنون، وحملت مراراً إلى البيمارستان (المشفى) ".
وكان يقول: "أقمت في صحراء العراق وخرائبه خمسًا وعشرين سنة مجرداً سائحاً، لا أعرف الخلق ولا يعرفونني .. ، ومكثت سنة في خرائب المدائن آخذ نفسي بطريق المجاهدات .. "!! (1).
وفي ترجمه أخرى لمحمد السروري رحمه الله المشهور بأبي الحمائل .. كان يغلب عليه الحال، فيتكلم بالألسن العبرانية والسريانية والعجمية، وتارة يزغرت في الأفراح والأعراس كما تزغرت النساء، وجاءه الشيخ علي الحديدي يطلب منه الطريق، فرآه ملتفاً لنظافة ثيابه، فقال:"إن كنت تطلب الطريق فاجعل ثيابك ممسحة لأيدي الفقراء"، فكان كل من أكل سمكاً أو زفراً يمسح في ثوبه يده مدة سنة وسبعة شهور، حتى صار ثيابه كثياب الزيَّاتين أو السماكين، فلما رأى ثيابه لقّنه الذِكر، وجاء منه في الطريق،
(1)"الطبقات الكبرى"(188) المسمى بـ "لواقح الأنوار في طبقات الأخيار"، وهو كتاب طافح بالبدع والخرافات والكرامات المزعومة، والرياضات المذمومة، والأحاديث المكذوبة.
وأخذ عنه تلامذة كثيرة" (1).
قلت:
وهذا التصرف يدل على جهل في الدين، وفساد في العقل وانتكاسة في القيم، ودليل على ضعف العلم الشرعي الصحيح، وانحراف عن عقيدة أهل السنة والجماعة في التزكية والتربية، وليس هذا فحسب، بل أورد الإمام الغزالي في الإحياء صورًا كثيرة من معاقبة النفس وتعذيبها بحجة إصلاحها، وتزكيتها بما يدل على انحراف في العقيدة، وميل عن الأخلاق الكريمة، ومن هذه الصور أن رجلًا كلم امرأة، فلم يزل حتى وضع يده على فخذها، ثم ندم فوضع يده على النار حتى يبست، وآخر نظر إلى محاسن امرأة، فرفع يده فلطم عينه حتى بقرت.
تأمل -أحسن الله إليك التوفيق- هذه الانتكاسة في تهذيب النفس، وردها إلى الطريق القويم، فالعقوبة المشروعة التي يجوز للعبد أن يأخذ بها في مجاهدة نفسه أن يلزمها الطاعة بقدر لا يخل بالواجبات الأخرى، لا أن يوردها موارد الهلاك من إتلاف عضو من جسمه، أو تقليل مطعم، أو تبذل في لباس، أو إرهاق النفس وحرمانها مما أباح الله، وغير ذلك مما يتنافى عن آداب الإسلام.
فأنفع العقوبات ما كان عملًا صالحًا من الأعمال كالصدقة، وصيام عدة أيام، وقيام ساعات من الليل، وذلك يختلف باختلاف النفوس وقوة صبرها.
وقد أَلمحَ الإمام ابن القيم إلى ذلك فقال: "من الناس من تكون قوة صبره على فعل ما ينتفع به وثباته عليه أقوى من صبره عما يضره، فيصبر
(1)"الطبقات الكبرى"(188) للشعراني.