الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
2 - المفسر والآيات الكونية:
يشرح لنا السيد دروزة نهجه في تفسير الآيات الكونية، مبينًا أن الإسهاب فيما أوجز فيه القرآن، لا يدخل في غرض التفسير، فواجبنا أن نقف عند ما وقف عنده القرآن، أو الآثار النبوية الثابتة، بدون توسع وتزيد، لا طائل من ورائهما ويرى أن موضوعات بعض هذه الآيات، من المغيبات التي لا تصح إلا بأحاديث قطعية، متواترة تفيد العلم واليقين، ويعيب على الذين يميلون إلى استنباط الأسرار والفنون من القرآن، والتوفيق بينه وبين النظريات العلمية والفنية، ويرى في مذهبهم إغراقًا في التكلف والتزيد، بل والغلو، أكثر منه في نطاق الحقيقة، ويرى في مثل هذه المحاولات إخراجًا للقرآن الكريم، عن هدفه الوعظي والتذكيري، وتعريضًا له للتعديل والجرح، اللذين يرافقان عادة الأبحاث العلمية، على غير طائل ولا ضرورة، ويبين أن كتب التفسير احتوت بيانات وأقوالًا، حول ماهية بعض المغيبات وأن هذه البيانات والأقوال ترجع إلى أسفار غير وثيقة، أو أخبار مقطوعة، لم تصل في سندها إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم، فيستأنس بها.
نماذج من هذا التفسير:
والشاهد على تفصيل هذا المنهج من تفسيره، يبدو جليًّا عند تناوله لسورة اللَّيل حيث يقول: "أما ماهية الطير والحجارة، فقد ذكر المفسرون القدماء في صددها أقوالًا، تجعل الحادث في نطاق الخوارق والمعجزات، ورووا فيما رووه أن مرضي الحصبة والجدري، ظهرا لأول مرة في الحجاز عقب الحادث، كأنما يريدون أن يقولوا بأن الطير رماهم بحجارة أصيبوا منها بأحد المرضين
…
وقد أوَّل الإمام محمد عبده، بأن الحجارة كانت ملقحة بجرثومة الجدري، ولسنا نرى كبير طائل في تحقيق ماهية الحادث لذاته، لأنه خارج عن نطاق الهدف القرآني، ولكنا نقول: إن حرفية آيات السورة وظاهرها على كل حال، في جانب كون الحادث بلاءً ربانيًا خارقًا".
وعند تناوله لآيات سورة النور، يعلق على قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ
(41)
وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (42) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ (43)} [النور: 41 - 43]، فيقول (1):"والمتبادر كذلك، أن ما احتوته الآيات من نواميس كونية وتكوينية، هو ما يقع تحت مشاهدات الناس ومداركهم، وأن القصد من ذلك هو إثارة الاعتبار فيهم وجعلهم يعترفون بعظمة الله وقدرته ويخضعون له، وليس بسبيل شرح تلك النواميس شرحًا فنيًا إن صح التعبير. ومن الواجب أن يبقى هدف الآيات في هذا النطاق، على ما نبهنا عليه في المناسبات المماثلة الكثيرة" اهـ.
ويعيب ما اعتاده بعضهم، من محاولة استنباط النظريات العلمية من آيات القرآن، في معرض حديثه عن آية (2) {وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (33)} [يس: 33] والآيات التالية لها، فيقول: "ولقد جرى بعض المفسرين والباحثين قديمًا وحديثًا، على الوقوف عند هذه الآيات وأمثالها، لاستنباط قواعد فنية كونية منها، أو تطبيق نظريات علمية عليها، وبخاصة في صدد حركات الشمس والقمر، وتعاقب الليل والنهار، والإدلاء بآراء متنوعة، هي أدخل في نطاق التكلف والتزيد بل والغلو أكثر منها في نطاق الحقيقة، في حين أن الآيات في مجموعها وأسلوبها وروحها، تحمل الدليل على أن القصد منها هو لفت نظر الناس جميعًا، بأسلوب يفهمونه، على ما يشاهدونه من مظاهر قدرة الله، وكونه كما هو الشأن في جميع الآيات المماثلة، بقطع النظر عما أقام الله سبحانه الكون عليه من نواميس ونسب، وقواعد دقيقة محكمة النظام مطردة السير والجريان، ونحن نرى في مثل هذه الحاولات إخراجًا للقرآن الكريم عن هدفه الوعظي والتذكيري،
(1) التفسير الحديث، ج 10، ص 63.
(2)
التفسير الحديث، ج 2، ص 222.
وتعريضًا له للتعديل والجرح، اللذين يرافقان عادة الأبحاث العلمية على غير طائل ولا ضرورة".
وفي معرض تعليقه في قوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالةٍ مِنْ طِينٍ (12)} [المؤمنون: 12]، وما بعده من سورة المؤمنون (1)، على ما أورده المفسرون من بيانات، نسبوها إلى بعض الصحابة والتابعين، عن كيفية استلال قطعة الطين، وإرسال جبريل ثم ميكائيل ثم عزرائيل إلى الأرض لهذه المهمة يقول:"فيها الغريب والعجيب وليس لما أوردوه سند وثيق، الموضوع من المغيبات التي لا تصح إلا بمثل ذلك".
ويعود بعدها للتعليق على الذين يميلون إلى استنباط الأسرار والفنون من القرآن، والتوفيق بينه وبين النظريات العلمية والفنية والذين يحاولون أن يستدلوا من هذه الآيات، على كون الإنسان إنما صار إنسانًا، بعد سلسلة طويلة جدًّا من التحولات، بدأت من نشوء الحياة من الماء والطين فيقول:"ونرى في هذا تكلفًا وتحميلًا للعبارة غير ما تحتمل"(2) ثم يؤكد أولوية الوقوف عند ما وقف عنده القرآن، فيقول:"وإن الأولى الوقوف منها عند ما وقف عنده القرآن مع ملاحظة هذا الهدف البارز فيها، وأنه لا طائل من التزيد والتخمين وتحميل العبارة غير ما تحتمل، ونرى ذلك إخراجًا للقرآن من نطاق قدسيته وأهدافه كما رأينا في كل الشؤون المماثلة".
وفي معرض تعليقه على موضوع خلق السموات والأرض يقول (3): "هذا ولقد احتوت كتب التفسير بيانات، في سياق تفسير هذه السورة والسور الأخرى التي ورد فيها موضوع خلق السموات والأرض، في صدد ماهية الأرض والسموات، وصلة بعضهن ببعض، والمسافات التي تفصل بين كل سماء وأخرى،
(1) التفسير الحديث، ج 6، ص 193.
(2)
التفسير الحديث، ج 6، ص 193.
(3)
التفسير الحديث، ج 2، ص 45.