الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
2 - البيئة النبوية:
وعندما يتحدث المؤلف رحمه الله عن البند الثاني من خطته، البيئة النبوية، يقرر أن في القرآن آيات تظهر ما كان في تلك البيئة من عبادة للأوثان، واعتقاد بشفاعتها مع إبطالها، وهذا أمر مسلَّم به.
ولكنه ينتقل بعد ذلك ليقرر أن طقوس الحج - كما يقول - جاء القرآن ليبين صراحة أو ضمنًا بأنها كلها أو جُلّها، كانت معروفة عند العرب فأقرها القرآن بعد تنقيتها من شوائب الشرك، مع أنَّها غير واضحة الحكمة، وإنما أقرها القرآن محافظة على وحدة العرب، وتأنيسًا لهم بالدعوة الإسلامية. وهذه عبارته:
"إن آيات القرآن الواردة في طقوس الحج (1)، تفيد صراحةً حينًا وضمنًا حينًا آخر، أنَّها كلها أو جُلّها كانت ممارَسة قبل البعثة النبوية، فأُقِرَّت في الإسلام بعد تنقيتها من شوائب الشرك والوثنية، مع أن فيها ما لا يمكن فهم حكمة إقراره الآن مثل الطواف حول الكعبة، والسعي بين الصفا والمروة، ورمي الجمار واستلام الحجر الأسود وتقبيله
…
إلخ. وفيها مظهر ما لوحدة العرب على اختلاف منازلهم ونِحَلهم، حيث كانوا جميعهم يشتركون في الحج ومواسمه وتقاليده، وحرماته وأشهره الحرم، وحكمة إقرارها في الإسلام منطوية على ذلك الرسوخ من جهة، وما كان له من فائدة وأثر في الوحدة المذكورة، التي كان القرآن يدعو إليها من جهة ثانية، ولعل قصد تأنيس العرب بالدعوة الإسلامية مما ينطوي في تلك الحكمة أيضًا" (2).
وليت شعري ما هي تلك الآيات التي تفيد صراحة بأن أعمال الحج كانت كلها أو جُلّها، ممارَسة قبل البعثة النبوية؟ ألم يكن الحج شريعة الله لإبراهيم عليه السلام؟
(1) هذا اللفظ غريب على حس الإسلام فلسنا نوافق المؤلف على استعمال هذا اللفظ وخير لنا أن نلتزم بالألفاظ القرآنية والنبوية مثل شعائر ومناسك.
(2)
القرآن المجيد، ص 146.
ألم يتحرّج المسلمون من السعي بين الصفا والمروة لأنه كان من أعمال الجاهلية، فينزل القرآن الكريم مبينًا أن ذلك من شعائر الله؟ وهل كانت كذلك لأن العرب قد تعوَّدوها؟ وإذا أردنا أن نسلِّم أن أعمال الحج أمور لا تعقل حكمتها، أفليس هناك أمور كثيرة غير أعمال الحج، مما لم يعرفها العرب، كذلك وهي التي يسميها العلماء أمورًا تعبدية؟ وليت شعري هل كان إقرار الإسلام لأعمال الحج محافظةً على الوحدة العربية، وذلك لرسوخ هذه الأعمال فيهم؟ وهل كان يقصد من ذلك تأنيسهم بالدعوة الإسلامية؟
الحق أن الحج شريعة الله التي شوّهها العرب وحرّفوها قبل الإسلام، وجاء الإسلام ليرجع لها قدسيتها وحقيقتها، وما كان ليقرها لو لم تكن كذلك، نعم إن القرآن أراد وحدة هذه الأمة، ولكن لا يمكن أن تكون على حساب تشريعاته ومبادئه، ولهذا نراه يقوض أركانًا ويهدم بنيانًا، ليثبت تشريعاته ومبادئه وأحكامه، ألم ينكر القرآن الكريم على قريش حينما كانوا يخالفون قبائل العرب جميعها، فلا يفيضون من عرفات، ويسمون أنفسهم (الحُمس) فقال تعالى:{ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (199)} [البقرة: 199] فجعل إفاضتهم من غير عرفات ذنبًا يستحق الغفران. ولو أن القرآن أراد تأنيسهم من هذا الباب الذي ذكره المؤلف - أعني كما كان راسخًا فيهم من أمور تعوَّدوها - ما كان لينعى عليهم تقليد الآباء، ووأد البنات، وقتل الأولاد، وظلم النساء، ونخوة الجاهلية، والاستسقام بالأزلام، إلى ما هنالك من أمور كثيرة لا محل لذكرها الآن. الحق أن القرآن شرع ما شرع، دون نظر إلى ما تعوَّده القوم وألفوه أو أبغضوه وكرهوه، فلقد كرهوا مثلًا أن تُعطى المرأة نصيبًا من التركة، وإنما شرع ما شرع لتكون العدالة والأمن والعبودية لله وحده. ولقد كانت تشريعاته للناس جميعًا وليست للعرب خاصة، فإذا كان العرب قد تعودوا أعمال الحج، في بالنا نلزم غيرهم من المسلمين بها، ثم لا أدري ما صلة هذا كله بفهم القرآن وتفسيره؟