الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
14 -
شهادة الحق.
15 -
نظرية الإسلام السياسية.
16 -
منهاج الانقلاب الإسلامي.
17 -
معضلات الاقتصاد الإسلامي وحلها في الإسلام.
رحم الله العالِم المجاهد أبا الأعلى المودودي، وأسكنه فسيح جناته.
مقدمة:
لم يضع المؤلف في حسابه وهو يكتب هذا الكتاب: "تفهيم القرآن" أنه يكتبه للعلماء والباحثين، ولا من درسوا العلوم العربية والدينية ويريدون دراسة القرآن دراسة عميقة، إنما أراد أن يقدّمه للمثقفين غير المتخصصين الذين لا يستطيعون الإفادة من كنوز العلوم القرآنية الضخمة، كذلك أراد للقارئ العادي أن يفهم معاني الآيات الكريمة فهما جيدًا.
هذا ما أشار إليه المؤلف في تعريفه للكتاب.
وقد استمرت محاولاته في التأليف بتفسير القرآن على هذا النحو مدة خمس سنوات، وصل فيها إلى نهاية سورة يوسف، ثم سُجن بعدها، فكانت فترة سجنه فرصة استطاع فيها إعداد هذا الكتاب.
افتتح المؤلف كتابه هذا بمقدمة من ثلاثين صفحة، بيّن فيها أن هذا الكتاب ليس تفسيرًا تقليديًا، وإنما هو تعريف للقارئ ببعض الأشياء التي تعينه على فهم الآيات الكريمة، وهذا ما يفهم من عنوان الكتاب، كما أنه أجاب على بعض الأسئلة التي تثور في ذهن الدارس لكتاب الله.
وتحدث عن طبيعة القرآن الكريم، وأنه كتاب مغاير لترتيب الكتب الأخرى، فهو كتاب فريد، وهذه الحقيقة يجب على القارئ أن يضعها في ذهنه حين يبدأ دراسة القرآن، حتى لا يصاب بالحيرة من أسلوب القرآن الذي يختلف عن التقسيم
المألوف، فليس مقسمًا إلى أبواب وفصول، بل يمزج بين الموضوعات على اختلافها دون عنوان لباب أو علامة لفصل، وهذا يثير خصوم القرآن فيثيرون شكوكًا حوله، لذلك فإن القارئ للقرآن الكريم عليه أن يقرأ بعد أن يحرر عقله من التصورات السابقة، ويعرف أنه يقرأ كتابًا فريدًا وحيدًا من نوعه.
ثم بيّن أن القرآن يحوي دعوة الناس إلى اتباع الصراط المستقيم، وأن موضوعه هو الإنسان، حيث يناقش أنماط حياته التي تقوده إلى النجاح أو إلى دار البوار، وبين أن بحث القرآن الرئيس هو توضيح الحقيقة، وهي بعينها التي أوحاها الله إلى آدم عند تنصيبه خليفة، وأن كل النظريات التي تخالف هذه الحقيقة إنما هي نظريات فاسدة، ومعرفة هذه الأشياء -كما يقول أبو الأعلى- واستحضارها في ذهن القارئ للقرآن تبعده عن نظرة التنافر والانفصام في الأسلوب، أو النقص في ارتباط موضوعات القرآن العديدة، فأي موضوع فيه سيجده مرتبطًا ببحثه الأساس وهدفه.
ثم تحدث عن نزول القرآن على مدى ثلاث وعشرين سنة، وأن لكل مرحلة ما يناسبها من الموضوعات، وأسلوب القرآن فيها يختلف عن أسلوبه في مراحل أخرى، فكان من المُحال أن يحوي تشاكلًا واتساقًا على نحو يناظر ما هو متبوع في كتب الديانات المماثلة له، ومرور الحركة الإسلامية بمراحل مختلفة يفسر لنا تكرار الأشياء مرارًا في القرآن، فأيّ مهمة وحركة يلزم لها بسط ما تتطلبه في مرحلة من مراحلها مع ضرورة التزام الصمت إزاء ما تحتاجه في المرحلة المقبلة، لهذا فإن احتياجات الحركة ما تفتأ تتكرر ما دامت الحركة لم تدخل في مرحلة أخرى سواء استمرت شهورًا أم أعوامًا، وطبيعي أن تكرار هذه الأمور يتخذ ألفاظًا وأساليب متنوعة لتجنب الرتابة، كما أنها تصاغ في لغة جميلة جليلة لتكون ذات تأثير فعال، كما أن القرآن يكرر عقيدته ومبادئه الأساسية في مواضع مناسبة ليحفظ الحركة قوية في كل مرحلة ودور.
ثم أجاب على من يسأل: لماذا لم تُرتَّب سور القرآن حسب ترتيب نزولها؟ وأن هذا الأمر قد يستغله أعداء الإسلام للطعن في القرآن، فهم يرون أن أتباع سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم رتبوا القرآن دون أي ترتيب يسهل إدراكه وأنهم راعوا حجم السور، فقدموا السور الكبيرة على الصغيرة.
قال: هذه الشكوك مبنية على جهل الحكمة الكامنة في ترتيب القرآن الحالي، فبالرغم من حتمية أن يكون القرآن كتابًا لكل عصر وأوان كان تنزيله لا بد وأن يكون تدرَّج على فترة ظلت ثلاثًا وعشرين سنة، ووفق مستلزمات الأدوار المختلفة التي كانت تمر بها الجماعة المسلمة، ومن الواضح أن تسلسل الوحي الذي كان يناسب التطور التدريجي للحركة الإسلامية لم يعد له وجه مناسب بعد اكتمال القرآن، وهذا استلزام الأمر ترتيبًا آخر يتفق مع الظروف التي تبدلت ويناسبها، فلقد كان القرآن في دور المرحلة الأولى للحركة يخاطب من كانوا على جهل تام بالإسلام، فكان عليه بالطبع أن يعلمهم أسس الإيمان، أما بعد نضوجها واكتمالها اهتم القرآن في المقام الأول بمن أقبلوا على الإسلام، وكونوا جماعة لتنفيذ المهمة التي كلّفهم بها الرسول صلى الله عليه وسلم، وواضح من هذا أن ترتيب الكتاب الكامل كان لا بد من اختلافه عن ترتيب نزول آياته الزمني حتى يناسب مستلزمات الأمة الإسلامية في كل العصور والدهور، فكان على القرآن أولًا أن يقف المسلمين على واجباتهم بشأن تنظيم حياتهم، وعلى هذا كان لزامًا أن تكون سورة البقرة ونظيراتها الدنية وليست سورة العلق ومثيلاتها في مستهل القرآن وبدايته.
وثَمَّة أمر آخر ينبغي أن يؤخذ بعين الاعتبار، وهو أن ليس مما يناسب هدف القرآن وغرضه أن تجمع كافة السور التي تعالج موضوعات متجانسة، ويُصنف بعضها مع بعضها الآخر، ولتفادي النزعة الواحدية في دراسته، كان لا بد -كأمر أساس وجوهري- أن تتخلل السور المكية أخواتها المدنيات، وأن تتبع السورة المدنية قريناتها المكيات، وحتى تظل صورة الإسلام كاملة منشورة أمام القارئ عبر