الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (6) وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (7) وَقَال مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (8)} [إبراهيم: 6 - 8].
قال الشيخ: قول موسى عليه السلام لقومه في هذه الآيات الأربع نجدها في الإصحاحات التاسع والعشرين، والثلاثين من سفر التثنية، مع سطر من نهاية الإصحاح الثامن والعشرين، ننقلها هنا لنرى كيف أن هذا القرآن إعجازاته لا تنتهي، فما تحويه آيات ثلاث منه تحتاج إلى الصفحات من غيره، كما ننقله استئناسًا لنرى كيف خاطب موسى عليه السلام قومه، فنرى تفصيل ما أجمله القرآن (1).
وبعد هذا نقل ما جاء في الإصحاحات التي ذكرها بالنص، واستغرق هذا منه ثلاث صفحات مع أنه كان بإمكانه أن يكتفي بما جاء في القرآن الكريم، دون الرجوع إلى التفاصيل الواردة عند أهل الكتاب، ذلك لو أن في هذه التفاصيل خيرًا لذكرها القرآن، والأوْلى بنا أن نُعرض عما أعرض عنه القرآن.
أثر ثقافته وتجاربه على تفسيره:
علمنا من خلال الاطلاع على حياة الشيخ رحمه الله أنه قد مرّ بمراحل مختلفة في حياته، وأنه قد تعرض لتجارب عديدة، واطّلع على ثقافات متنوعة مما كان له أثر كبير في بلوغه أوج نضجه العقلي، وذروة استعداده الفكري. ونلمس في تفسير الأساس آثارًا واضحة للثقافات المتنوعة والتجارب العديدة التي مرّ بها الشيخ سعيد.
ومن أهم الأمور التي كان له أثر في تفكيره تتلمذه على أيدي بعض مشايخ الصوفية، فقد أفاد الشيخ من هذا، واستعان ببعض أقوال الصوفية من ذلك ما قاله
(1) انظر: 5/ 2781 - 2784.
عند تفسير قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (19) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (20)} [إبراهيم: 19 - 20]، قال:"ذكر الشيخ أحمد زروق في كتابه "قواعد التصوف" أن مما يذهب بالشك أن يكرر الإنسان هذه الآية، وكنت أتساءل عن دليل هذا القول حتى اشتغلت بتفسير سورة إبراهيم، فلاحظت أن مجيء هاتين الآيتين آتٍ في سياق دعوة الرسل، وشك أقوامهم فيما يدعونهم إليه، ومن ثم فالآيتان دواء للشك، ودواء من الوسوسة، ثم هما آيتان في الوسط بين مشهدين من مشاهد يوم القيامة، يصفان مآل الكافرين الشاكين المستجيبين للشيطان"(1).
وهذا القول اجتهاد يحتمل الخطأ والصواب، فلا دليل عليه من الأدلة المعتبرة، وإنما هو مجرد قول لا يستند إلى دليل.
ولم يقع الشيخ في شطحات الصوفية خلال تفسيره، فلم يفسر الآيات بالتفسير الإشاري مثلًا، وإنما كان تفسيره مما يحتمله ظاهر النص، فظهر أن تصوفه معتدل مقبول.
ومن الأمور كذلك التي كان لها أثر في فكر الشيخ اطلاعه على الثقافات المختلفة، وقراءته الواسعة، وقد أفاد من هذا أنه كان يورد شبهًا تدور في الفكر العالمي، ثم يردها، ومن أمثلة ذلك ما قاله عند تفسيره لفاتحة سورة يونس:{أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ} [يونس: 2]، إلى آخر الآية، قال: "رأينا أن السورة بعد مقدمتها عرضت لشبهة وردّتها، ولنتساءل الآن عن مظنة وجود هذه الشبهة في الفكر العالمي؟ نقول - الكلام للشيخ سعيد -: إن من درس تاريخ الفلسفة يجد أن هذه الشبهة تكاد تكون أحد أركان الفكر الفلسفي في العالم، فمنذ أرسطو - بل من قبله حتى الآن - تجد الفكر الفلسفي - بما في ذلك الفكر الذي يثبت وجود الله -
(1) الأساس، 5/ 2798.
يعتقد أن الله لا يتدخل في شؤون خلقه، بل كان أرسطو يتصور أن الله منصرف عن خلقه أصلًا، ولا يعنيه من أمورهم شيئًا، فهو مشغول بكونه سعيدًا - تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا - ومن درس وضع العالم المعاصر يجد أن أكثر الخلق هذا شأنهم، فأكثر المجتمعات، وأكثر المفكرين لا ينكرون وجود الله، ولكن إيمانهم بوجوده يرافقه عدم استعداد للتلقي عنه، أو على الأصح استغراب أن ينزل وحيه، وأن يكون وحيه ملزِمًا وموجّهًا" (1).
ومن هنا نرى ضرورة اطلاع المسلم على الثقافات المختلفة، حتى يستطيع أن يردّ ما يجده معارضًا لدينه وعقيدته.
ولعل من أبرز الثمرات في فكر الشيخ، التي ظهرت بصماتها بوضوح في تفسيره انتماءه لحركة "الإخوان المسلمين" التي تشبع فكره من تعاليمها، فيرى أن الأصل في المسلم أن يكون جزءًا في جماعة، ويقول في هذا الشأن عند تفسير سورة الفاتحة:"رأينا من خلال سورة الفاتحة أن الأصل في المسلم أن يكون جزءًا من كل هو الجماعة، وأن الأصل في التربية الإسلامية أنها تقوم على التربية الجماعية"(2).
والشيخ سعيد يحاول أن يعالج القضايا المعاصرة التي يمرّ بها المسلمون من خلال منهج الحركة الإسلامية، قال:"وإني لأرجو أن أكون بهذه السلاسل قد أجبت على كل شبهة، وأعطيت جواب الحركة الإسلامية على كل المسائل المعاصرة، ومن ثم فإني أرجو أن تكون نقاط أعلام مضيئة على طريق طويل، وضع النقاط الأولى فيه حسن البنا، ووضع النقاط التالية فيه حسن الهضيبي، ووضع نقاطًا مضيئة كثيرة فيه سيد قطب، وغيره من أبناء الحركة في الشرق الإسلامي، وعلى امتداد هذا العالم، فإن الكثيرين قد وضعوا من هذه النقاط على هذا الطريق"(3).
(1) الأساس، 5/ 2425.
(2)
الأساس، 1/ 39.
(3)
الأساس، 1/ 19.
وقال في موضع آخر: "من مميزات هذا التفسير أنه كتاب علم ودعوة وتربية وجهاد في آنٍ واحد، فهو كتاب تبصير للمسلم في هذه الدوائر كلها، وكيف ينبغي أن يتصرف في كل دائرة منها على بصيرة، بما لا يطغى فيه حق العلم على حق المعركة، أو حق المعركة على حق العلم، أو حق العلم والمعركة على حقوق الدعوة وطرائق التربية"(1).
ونراه التزم بما ألزم به نفسَه إلى حدّ بعيد، من ذلك ما قاله عند تفسيره قوله تعالى:{وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا} [البقرة: 190]: "وههنا أسئلة: إذ كان الراهب، أو المرأة، أو الشيخ يشارك في المعركة برأيه، أو بفعله، فما حكم قتله؟ الفتوى على جواز القتل.
بعض العمليات الفدائية المعاصرة قد يقتل فيها النساء والشيوخ والأطفال تبعًا بسبب أنها تكون عن طريق التسلل والخفاء، لعدم التكافؤ بين المسلمين وعدوّهم، فما حكم ذلك؟ الفتوى على الجواز إذا تعيّن ذلك طريقًا للصراع مع الكفر وأهله.
في الحرب الحديثة نرمي العدو من بُعد، فنرمي مدنه، ومستعمراته وقراه، فما حكم ذلك؟ الفتوى على الجواز إنْ كان هو يفعل بنا ذلك أو يستحلّه ويعمل له" (2).
هذه أهم المعالم التي تحدد منهج الشيخ سعيد حوى في تفسير "الأساس في التفسير" وطريقته في تناوله الآيات، نرجو أن نكون قد وفقنا في بيانها ودراستها، والله الموفق.
(1) الأساس، 1/ 30.
(2)
الأساس، 1/ 443.