الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) رحمه الله، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ3/ 5]
عناية الشيخ بالقضايا العقدية:
وابن عاشور أشعري المذهب، صرح هذا في تفسيره؛ ولذا فهو يرجح رأي الأشاعرة ويرد على خصومهم في أثناء تفسيره. ومن الأمثلة التي وردت في تفسيره عن ذلك قضية الإسلام والإيمان:
عرض الشيخ للفرق بين الإسلام والإيمان، وكون الإيمان يزيد وينقص في غير ما موضع من التفسير، ولعل أوسع هذه المواضع ما كان في الجزء الأول وذلك عند تفسيره قوله تعالى:{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8)} [البقرة: 8] حيث قال: "
…
ونفي الإيمان عنهم مع قولهم آمنا دليل صريح على أن مسمى الإيمان التصديقُ، وأن النطق بما يدل على الإيمان قد يكون كاذبًا فلا يكون ذلك النطق إيمانًا
…
وقد اختلف علماء الأمة في ماهية الإيمان ما هو؟ وتطرقوا أيضًا إلى حقيقة الإسلام، ونحن نجمع متناثر المنقول عنهم مع ما للمحققين من تحقيق مذاهبهم في جملة مختصرة. وقد أرجعنا متفرق أقوالهم في ذلك إلى خمسة أقوال:
القول الأول: قول جمهور المحققين من علماء الأمة قالوا: إن الإيمان هو التصديق لا مسمى له غير ذلك، وهو مسماه اللغوي فينبغي أن لا ينقل من معناه لأن الأصل عدم النقل إلا أنه أطلق على تصديق خاص بأشياء بيَّنها الدين
…
القول الثاني: أن الإيمان هو الاعتقاد بالقلب والنطق باللسان بالشهادتين للإقرار بذلك الاعتقاد، ونسبه إلى أبي حنيفة، ونقل عن النووي نسبته إلى جمهور الفقهاء والمحدثين والمتكلمين، ونقل عن الفخر نسبته إلى الأشعري وبشر المريسي (1) ونقل عن الخفاجي بنسبته إلى محققي الأشاعرة، وذكر أن ابن العربي اختاره.
(1) هو بشر بن غياث المريسي من فقهاء المعتزلة، وتنسب له الطائفة المريسية توفي عام 219 هـ.
والمَرِيْسِيّ بفتح الميم وكسر الراء وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها سين مهملة، نسبةٌ إلى مَرِيس قرية بمصر، وقيل: إلى درب المريس ببغداد، كما في الوفيات، 1/ 277 - 278.
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) رحمه الله، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ3/ 5]
ويرى ابن عاشور أنه لا فرق بين القولين؛ لأن أصحاب كل قول نظروا إلى جانب. فالأول نظر إلى جانب المفهوم والثاني نظر إلى جانب الاعتداد، ولم يعتنوا بضبط عباراتهم حتى يرتفع الخلاف بينهم، وإن كان قد وقع الخلاف بينهم في أن الاقتصار على الاعتقاد هل هو فيما بين المرء وبين ربه أو لابد من الإقرار؟ (1).
القول الثالث: قول جمهور السلف من الصحابة والتابعين أن الإيمان اعتقاد وقول وعمل، ذلك أنهم لكمال حالهم ومجيئهم في فاتحة انبثاق أنوار الدين لم يكونوا يفرضون في الإيمان أحوالًا تقصر في الامتثال. وعزاه لطائفة من السلف وابن حزم من الظاهرية. وقال: وتمسك به أهل الحديث لأخذهم بظاهر ألفاظ الأحاديث وبذلك أثبتوا الزيادة والنقص في الإيمان بزيادة الأعمال ونقصها.
القول الرابع: قول الخوارج والمعتزلة: إن الإيمان اعتقاد ونطق وعمل، وبيَّن أنهم نحوا فيه منحى غير ما عند السلف، أنهم أرادوا أن الإيمان يتركب من مجموع الثلاثة بحيث إذا اختل واحد منها بطل الإيمان وأخذ بعد ذلك في رد أقوالهم؟
القول الخامس: قول الكَرّامية الإيمان هو الإقرار باللسان إذا لم يخالف الاعتقادُ القولَ فلا يشترط في مسمى الإيمان شيء من المعرفة والتصديق، فأما إذا كان يعتقد خلافَ مقاله بطل إيمانه، وهذا يرجع إلى الاعتداد بإيمان مَنْ نطق الشهادتين، وإن لم يشغل عقلَه باعتقاد مدلولهما، بل يكتفي منه بأنه لا يضمر خلاف مدلولهما، وهذه أحوال نادرة لا ينبغي الخوض فيها.
هذه هي جوامع أقوال الفِرَق الإسلامية في مسمى الإيمان (2).
(1) قلت: قد فصل الباجوري هذا الأمر في شرحه على الجوهرة ولعل الشيخ لم ينظره. انظر: ص 42 من شرح الجوهرة.
(2)
1/ 266 - 270 بتصرف شديد.
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) رحمه الله، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ3/ 5]
وبعد ذلك قال الشيخ: وأنا أقول كلمة أربأ بها عن الانحياز إلى نصرة: وهي أن اختلاف المسلمين في أول خطوات مسيرهم وأول موقف من مواقف أنظارهم، وقد مضت عليه الأيام بعد الأيام، وتعاقبت الأقوام بعد الأقوام، يعد نقصًا علميًّا لا ينبغي البقاء عليه، ولا أعرفني بعد هذا اليوم ملتفتًا إليه
…
ثم ذكر رأيه وحاول أن يجمع بين الأقوال الخمسة ليجعلها ثلاثة وكلها مطولة وحاصلها:
أ- الإيمان والإسلام هما الأصلان اللذان تنبعث عنهما الخيرات، وهما الحد الفاصل بين أهل الشقاء وأهل الخير حدًّا لا يقبل تفاوتًا ولا تشككًا
…
ولا يدّعي أحد أن مفهوم الإيمان هو مفهوم الإسلام فيكابر لغةً تتلى عليه، كيف وقد فسّره الرسول صلى الله عليه وسلم لذلك الجالس عند ركبتيه (1).
فما الذين ادعوه إلا قوم قد ضاقت عليهم العبارة فأرادوا أن الاعتداد في هذا الذي لا يكون إلا بالأمرين، وبذلك يتضح وجه الاكتفاء في كثير من مواد الكتاب والسنّة بأحد اللفظين. انتهى. وبهذا يجمع بين القول الأول والثاني.
2 -
إن حاصل معنى الإيمان حصول الاعتقاد بما يجب اعتقاده، وحاصل معنى الإسلام إظهار المرء أنه أسلم لاتباع الدين ودعوة الرسول. انتهى -وبيَّن بعد ذلك موقع الأعمال فخلص إلى أن لها المرتبة الثانية بعد الإيمان والإسلام لأنها مكملة المقصد لا ينازع في هذين- أعني كونها في الدرجة الثانية وكونها مقصودة إلا مكابر. انتهى. وهذا يصير مع الأول قولان.
3 -
وعرض إلا استحقاق الثواب العقاب وأن المسلمين لا يخلو جلّهم من معصية لانعدام العصمة، وذكر أنه ينبغي التفريق بين مؤمن وقع بزلة المعصية وبين الكافر الذي لم يؤمن أصلًا، وبذلك يُجمع بين القول الرابع والخامس. انتهى (2).
(1) إشارة إلى حديث جبريل المشهور في الإيمان والإسلام والإحسان الذي رواه البخاري في الإيمان حديث رقم 50 باب 37.انظر: الفتح، 1/ 114.
(2)
1/ 270 - 273 بتصرف.
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) رحمه الله، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ3/ 5]
هذا هو حاصل ما ذكره الشيخ في تعريف الإيمان والإسلام والفرق بينهما وهو لا يخلو من الجمع بين الأقوال المتخالفة، ولكني أرى أن لابن حجر قولًا ألخص من هذا وأغوص فقد قال عند حديث جبريل: والذي يظهر أن لكل منهما -الإيمان والإسلام- حقيقة شرعية، كما أن لكل منهما حقيقة لغوية، لكن كل منهما مستلزم للآخر بمعنى التكميل له، فكما أن العامل لا يكون مسلمًا كاملًا إلا إذا اعتقد، فكذلك المعتقد لا يكون مؤمنًا كاملًا إلا إذا عمل، حيث يطلق الإيمان في موضع الإسلام أو العكس، أو يطلق أحدهما على إرادتهما معًا فهو على سبيل المجاز، ويتبين المراد بالسياق، فإن وردا معًا في مقام السؤال حملا على الحقيقة، وإن لم يردا معًا أو لم يكن في مقام سؤال أمكن الحمل على الحقيقة أو المجاز بحسب ما يظهر من القرائن (1).
وأما مسألة زيادة الإيمان ونقصانه فيتحصل من مجموع ما ذكره الشيخ من تأويل قول السلف بأن الإيمان يزيد وينقص أن ذلك هو في عوارض الإيمان لا في أصله وحقيقته (2).
وهذا مبني على أن الإيمان هو التصديق وأنه لا يتفاوت وعليه طائفة كبيرة من أهل العلم (3).
وذهب النووي رحمه الله إلى أن التصديق يتفاوت فقال:
(1) الفتح، 1/ 115.
(2)
انظر: مثلًا: 4/ 169، 9/ 258، 8/ 192، 21/ 306، 22/ 193، 29/ 306.
(3)
انظر: الإنصاف للباقلاني، ص 22/ 55 وما بعدها في تفصيل حَسَن، وانظر: شرح الطحاوية للغنيمي الميداني، ص 119. وانظر: غاية المرام، ص 309 وما بعدها. وانظر: الإرشاد للجويني، ص 396 وما بعدها. والعقيدة النظامية، ص 85 وما بعدها، وانظر: النبراس في شرح النسفية، ص 249. وانظر: أصول الدين للرازي، ص 127 وما بعدها.
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) رحمه الله، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ3/ 5]
وقال المحققون من أصحابنا المتكلمين: نفس التصديق لا يزيد ولا ينقص والإيمان الشرعي يزيد وينقص بزيادة ثمراته وهي الأعمال ونقصانها، قالوا وفي هذا توفيق بين ظواهر النصوص التي جاءت بالزيادة وأقاويل السلف، وبين أصل وضعه في اللغة وما عليه المتكلمون.
وهذا الذي قاله هؤلاء وإن كان ظاهرًا حسنًا فالأظهر والله أعلم أن نفس التصديق يزيد بكثرة النظر وتظاهر الأدلة، ولهذا يكون إيمان الصديقين أقوى من إيمان غيرهم بحيث لا تعتريهم الشبه ولا يتزلزل إيمانهم بعارض، بل لا تزال قلوبهم منشرحة نيرة وإن اختلفت عليهم الأحوال، وأما غيرهم من المؤلفة قلوبهم ومن قاربهم ونحوهم فليسوا كذلك فهذا مما لا يمكن إنكاره، ولا يتشكك عاقل في أن نفس تصديق أبي بكر الصديق رضي الله عنه لا يساويه تصديق آحاد الناس
…
(1).
ومن ذلك ما ذكره في إضافة الوجه إلى الله تعالى، فقد تعددت إضافة هذه اللفظة في غير ما موضع في القرآن الكريم وبعض هذه المواضع إنما المراد منها ما أريد به وجه الله تعالى، وإنما نريد الوقوف القليل عند قوله تعالى في موضعين:
الأول: {لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص: 88].
الثاني: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (27)} [الرحمن: 27].
قال الشيخ ابن عاشور في تفسير الآية الأولى: "والوجه مستعمل في معنى الذات والمعنى كل موجود هالك إلا الله تعالى"(2).
(1) المنهاج، 1/ 148، 149.
(2)
20/ 197.
[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) رحمه الله، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ3/ 5]
وقال الشيخ عند تفسير الموضع الثاني: {وَجْهُ رَبِّكَ} : ذاته، فذكر الوجه هنا جاء على عرف كلام العرب، قال في الكشاف: والوجه يعبر به عن الجملة والذات انتهى.
وقد أضيف إلى اسمه تعالى لفظ الوجه بمعانٍ مختلفة منها ما هنا ومنها قوله: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة: 115]، وقوله:{إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ} [الإنسان: 9].
وقد علم السامعون أن الله تعالى يستحيل أن يكون له وجه بالمعنى الحقيقي، وهو الجزء الذي في الرأس. وقد اصطلح علماء العقائد على تسمية مثل هذا بالمتشابه، وكان السلف يحجمون عن الخوض في ذلك مع اليقين باستحالة ظاهره على الله تعالى، ثم تناوله علماء التابعين ومن بعدهم بالتأويل تدريجًا إلى أن اتضح وجه التأويل بالجري على قواعد علم المعاني فزال الخفاء، واندفع الجفاء وكلا الفريقين خيرة الحنفاء
…
ولما كان الوجه هنا بمعنى الذات وصف بـ (ذو الجلال) أي العظمة. و (الإكرام) أي المنعم على عباده، وإلا فإن الوجه الحقيقي لا يضاف للإكرام في عُرف اللغة، وإنما يضاف للإكرام اليد، أي فهو لا يفقد عبيده جلاله وإكرامه. وقد دخل في الجلال جميع الصفات الراجعة إلى التنزيه عن النقص، وفي الإكرام جميع صفات الكمال الوجودية، وصفات الجمال كالإحسان (1).
قلت: وهذا الكلام لا أعلم له مخالفًا عند متكلمي الأشاعرة إلا من نحا إلى عدم التأويل كالباقلاني والبيهقي (2) وقد جاء في المواقف أن الأشعري والباقلاني نحيا به إلى المذهب الآخر، أي: فسراه بأنه الوجود (3). ونكتفي هنا بإيراد ما ذكره الطبري وابن كثير.
(1) 27/ 253 - 254.
(2)
راجع: المصادر المذكورة في الحديث عن اليد.
(3)
انظر: حاشية السيد على المواقف، ص 501.