الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ولأنَّه نِكاحٌ إلى مُدَّةٍ، أو فيه شَرْط يَمْنَعُ بَقَاءَه، فأشْبَهَ نِكاحَ المُتْعةِ.
فصل:
فإن شَرَطَ عليه التَّحْلِيلَ قبلَ العَقْدِ، ولم يَذكُرْه فى العقدِ [ونَوَاه فى العقدِ](10) أو نَوَى التَّحْليلَ من غير شَرْطٍ، فالنِّكاحُ باطِلٌ أيضًا. قال إسماعيلُ بن سعيدٍ: سَأَلْتُ أحمدَ عن الرَّجُلِ يتزوجُ المرأةَ، وفى نَفْسِه أن يُحَلِّلَها (11) لزَوْجِها الأَوَّل، ولم تَعْلَمِ المرأةُ بذلك. قال: هو مُحَلِّلٌ، إذا أراد بذلك الإِحْلالَ، فهو مَلْعُونٌ. وهذا ظاهرُ قولِ الصَّحابةِ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم. ورَوَى نافِعٌ، عن ابن عمرَ، أن رَجُلًا قال له: امرأةٌ تَزَوَّجْتُها، أُحِلُّها لزَوْجِها، لم يَأْمُرْنِى، ولم يَعْلَمْ. قال: لا، إلَّا نِكاحُ رَغْبةٍ (12)، إن أعْجَبَتْكَ أَمْسِكها، وإن كَرِهْتَها فارِقْها. قال: وإن كُنَّا نَعُدُّه على عَهدِ رسولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم سِفَاحًا. وقال: لا يَزَالانِ زانِيَيْنِ، وإن مَكَثَا عِشْرِينَ سنةً، إذا علِمَ أنَّه يُرِيدُ أن يُحِلَّها (13). وهذا قولُ عثمانَ [بن عفَّان](14)، رَضِىَ اللَّهُ عنه. وجاء رَجُلٌ إلى ابنِ عباسٍ، فقال له: إن عَمِّى طَلَّقَ امْرَأتَه ثلاثًا، أيُحِلُّها له رَجُلٌ؟ قال: مَنْ يُخادِعِ اللَّه يَخْدَعْهُ (15). وهذا قولُ الحَسَنِ، والنَّخَعِىِّ، والشَّعْبِىِّ، وقَتادةَ، وبكرٍ المُزَنِىِّ، واللَّيْثِ، ومالكٍ، والثَّوْرِىِّ، وإسْحاقَ. وقال أبو حنيفةَ، والشافعىُّ: العَقْدُ صحيحٌ. وذَكَر القاضى فى صِحَّتِه وَجْهًا مثلَ قَوْلِهما؛ لأنَّه خَلَا عن شَرْطٍ يُفْسِدُه، فأشْبَهَ ما لو نَوَى طَلَاقَها لغيرِ الإحْلالِ، [أو ما](16) لو نَوَتِ المرأةُ ذلك، ولأنَّ العَقْدَ إنَّما يَبْطلُ بما شُرِطَ لا بما قُصِدَ، بدليلِ ما لو اشْتَرَى عبدًا بشَرْط (17) أن يَبِيعَه، لم يَصِح، ولو نَوَى ذلك، لم يَبْطُلْ. ولأنَّه رُوِىَ عن عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، ما يَدُلُّ على إجَازَتِه (18).
(10) سقط من: الأصل.
(11)
فى م: "يحلها".
(12)
فى الأصل: "رهبة".
(13)
أخرجه الحاكم، فى: باب لعن اللَّه المحلل والمحلل له، من كتاب الطلاق. المستدرك 2/ 199. والبيهقى، فى: باب ما جاء فى نكاح المحلل، من كتاب النكاح. السنن الكبرى 7/ 208.
(14)
سقط من: م.
(15)
أخرجه البيهقى، فى: باب من جعل الثلاث واحدة وما ورد فى خلاف ذلك، من كتاب الخلع والطلاق. السنن الكبرى 7/ 337. وسعيد بن منصور، فى: باب التعدى فى الطلاق، من كتاب الطلاق. السنن 1/ 262.
(16)
فى أ، ب:"وكما".
(17)
فى م: "فشرط".
(18)
فى أ: "إباحته وإجازته".
فروَى (19) أبو حَفْصٍ، بإسْنادِه عن محمدِ بن سِيرِينَ، قال: قَدِمَ مَكَّةَ رَجُلٌ، ومعه إخْوَةٌ له صِغَارٌ، وعليه إزَارٌ، من بين يَدَيْه رُقْعةٌ، ومن خَلْفِه رقعةٌ، فسألَ عمرَ، فلم يُعْطِه شيئًا، فبينما هو كذلك إذ نَزَغَ الشَّيطانُ بين رَجُلٍ من قريش وبين امْرَأتِه فطَلَّقَها، فقال لها: هل لكِ أن تُعْطِى ذا الرُّقْعَتَينِ شيئًا، ويُحِلَّكِ لى؟ قالت: نعم. إن شِئْتَ فأخبِرْهُ (20) بذلك. قال: نعم، فتَزَوَّجَها (21)، ودَخَلَ بها (22). فلما أصْبَحَتْ أدْخَلَتْ إخْوَتَه الدارَ. فجاء القُرَشِىُّ يَحُومُ حَوْلَ الدارِ، ويقول: يا وَيْلَه، غُلِبَ على امْرَأتِه، فأتَى عُمَرَ، فقال: يا أمِيرَ المؤمنينَ، غُلِبْتُ على امْرَأتِى. قال: مَنْ غَلَبَكَ؟ قال: ذو الرُّقْعَتَينِ. قال: أَرْسِلُوا إليه. فلما جاء الرسولُ، قالت له المرأةُ: كيف مَوْضِعُكَ من قَوْمِكَ؟ قال: ليس بمَوضِعِى بَأسٌ. قالتْ: إنَّ أمِيرَ المؤمنينَ يقولُ لك: طَلِّق امرَأتَكَ. فقُلْ: لا، واللَّه لا أطَلِّقُها. فإنَّه لا يُكْرِهُك. وأَلْبَسَتْهُ حُلّةً، فلمَّا رآه عمرُ من بعيدٍ. قال: الحمدُ للَّه الذى رَزَقَ ذا الرُّقْعَتَينِ. فدَخَلَ عليه، فقال: أَتُطَلِّقُ امْرَأتكَ؟ قال: لا، واللَّه لا أُطَلِّقُها. قال عمرُ: لو طَلَّقْتَها لأَوْجَعْتُ رَأسَكَ بالسَّوْطِ. وروَاه (23) سعيدٌ (24)، عن هُشَيْمٍ، عن يُونُسَ بن عُبَيْدٍ، عن ابنِ سِيرِينَ نحوًا من هذا، وقال: من أهلِ المَدِينةِ. [وهذا قدْ](25) تَقَدَّم فيه الشَّرطُ على العَقْدِ، ولم يَرَ به عمرُ بَأْسًا. ولَنا، قولُ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم:"لَعَنَ اللَّه المُحَلِّلَ والمُحَلَّلَ لَهُ". وقولُ مَن سَمَّيْنا من الصَّحابةِ، ولا مُخالِفَ لهم، فيكونُ إجْماعًا، ولأنَّه قَصَدَ به التَّحْلِيلَ، فلم يَصِحَّ،
(19) فى الأصل، م:"وروى".
(20)
فى أ، ب، م:"فأخبروه".
(21)
فى م: "وتزوجها".
(22)
فى الأصل: "فدخل".
(23)
فى أ، ب، م:"رواه".
(24)
فى: باب ما جاء فى المحلل والمحلل له. سنن سعيد بن منصور 2/ 50، 51.
كما أخرجه عبد الرزاق، فى: باب التحليل، من كتاب النكاح. المصنف 6/ 267.
(25)
فى الأصل: "وقد".