الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المُقَدِّمَة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله:
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102)} [آل عمران: 102].
أما بعد:
فَمِمَّا لا يَخْفَى على كلّ مسلمٍ بَصِيرٍ في دِينِهِ أن اللهَ تعالى أرسلَ جميعَ رسلِه بالدعوةِ إلى التوحيدِ وإفرادِه بالعبادةِ دونَ غيرِه؛ والغايةُ من خلق الخلقِ هو إفراد الله بالعبادة وهو مقصودِ الرسالاتِ؛ لأنَّ ابتلاء العباد بإرسالِ الرسلِ إنما وقع في معاني الألوهيةِ، أما معانِي الربوبيةِ فقد كانت مستقرةً عندَ المشركين في الجملةِ، والله عز وجل لا يقبلُ من عبادِه صَرْفًا ولا عَدْلًا بدونِ التوحيدِ الذي هو إفرادِه سبحانه وتعالى بالعبادةِ، والناظرُ في كلامِ اللهِ يَجِدُ الله قد أكثرَ من ذكر توحيد العبادةِ؛ لأنَّه المقصودُ من دعوةِ
المشركين، فَقَدْ ذكره اللهُ تعالى في غالبِ سورِ القرآنِ وبيَّنَ أدِلَّتَه بطرق عديدة، وحاجَّ المشركين في تركِ عبادتِه وحدَه واتخاذِ الأندادِ والأصنامِ من دونه، وهكذا كان شأن رسولِنا صلى الله عليه وسلم وصحابتِه الكرامِ رضي الله عنهم في دعوتِهم إلى اللهِ عز وجل، ظَهرَ ذلك في حِرْصِه صلى الله عليه وسلم وسدِّه لأبوابِ الشركِ بكلِّ الطرقِ والوسائِل، وكذا صحابته من بعده فقويَتِ الأُمّةُ في عَقِيدَتِها، وصارَت صلتُها عظيمةً بربِّها عز وجل، وَرَسَخَتْ عَقِيدَةُ التوحيدِ في القلوبِ، وسارَتِ الأمّةُ على هذا التوحيدِ رَدْحًا من الزمن ثم بدأ الشركُ في هذا الباب وغيره يَدُبُّ إليهم من جديدٍ، ويَسْرِي فِي كثيرٍ منهم سَرَيَان الرُّوحِ في البدنِ، وإلى اليوم تعاني الأمة من الانحرافِ العظيم، والضلالِ الواضحِ في أصلِ دعوةِ الأنبياءِ والمرسلين، فانتشرَ بَيْنَهم الشِّرْكُ بكل أشْكَالِهِ وصوَرِهِ، وتَعَلَّقَ كثير من الأمّةِ بغيرِ اللهِ تعالى، وصرفوا صنوفًا من العباداتِ والتَّقَرُّباتِ إلى البشرِ دونَ اللهِ تعالى، فأُصِيبَتِ الأُمّةُ بسببِ ذلك بالضعفِ والذلةِ، وَتَكَالُبِ الأَعْداءِ عليها، وأخذوا منها كُلَّ مأخَذٍ.
ولذا كان الاهتمامُ بهذا النوعِ العظيمِ من التوحيد
(1)
في كلام أهل العلم في مُقَدِّمَةِ المَهَام؛ تقريرًا واستدلالًا، وتأصيلًا وتقعيدًا، وإبطالًا لما يُضادُه، ويُناقِضُه ويُعارضُه من شُبَهِ أَهْلِ الضَّلالِ والانحرافِ في هذا الباب.
ولقد قُمْتُ بتوفيقٍ مِنَ اللهِ عز وجل في مرحلةِ الماجستير بجمع المصطلحات والألفاظِ المُتَعَلِّقَةِ بتوحيدِ الألوهيةِ وَمِنْ ثَمَّ دِرَاسَتُها وذِكْرُ أقْوَالِ العلماءِ في بيانِها، فَظَهَرَ لي من خلاله أهمِّيَةُ التَرْكِيزِ على القواعدِ والضوابطِ التي تَضبِطُ هذا البابَ وَتُبِيِّنُ الأُسُسَ التي يُبْنَى عليها فَقَاعِدَةُ الشيءِ هي أصلُهُ وأَسَاسُهُ.
(1)
لا يعني هذا إهمال بقية أنواع التوحيد؛ فإنها هي أصله وأساسه، ولا يستقيم عمود توحيد العبادة بدون توحيد الربوبية أو الأسماء والصفات، كما سيأتي مفصلًا تقرير ذلك في قاعدة مستقلة. [انظر:(ص 440، 660)، من هذه الرسالة].
يقول الإمام ابن تيمية: "فإنَّ هذهِ القَوَاعِدَ المُتَعَلِّقَةَ بِتَقْرِيرِ التَّوْحِيدِ وَحَسْمِ مادةِ الشِّرْكِ، والغُلُوِّ، كُلَّما تَنَوَّعَ بيانُها، وَوَضَحَتْ عِباراتُها، كان ذلك نورًا على نورٍ، واللهُ المستعانُ"
(1)
.
ويقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ: "وَكَذَلِكَ القَوَاعِدُ؛ فإنَّ كُلَّ مسألةٍ يَنْبَنِي عليها مَسائلُ، يُسَمِّيها العُلَماءُ قاعِدةً، وَقَدْ صَنَّفَ العُلَماءُ كُتُبًا كِبارًا، وسَمُّوها بالقَواعِد؛ فَمِنْها ما هُوَ في أُصُولِ الفِقْهِ؛ كالقَوَاعِدِ لابنِ عَبْدِ السَّلامِ الشافعيّ، وابنِ اللَّحامِ الحَنْبَلِي، ومِنْها ما هو في الفِقْهِ، كالقَواعِدِ لابنِ رَجَبٍ، وهو كِتابٌ ضَخْمٌ كَبِيرُ الحَجْمِ.
وهذهِ القَواعِدُ التي وَضَعَها شَيْخُنا رحمه الله، أَحَقُ بهذا الاسمِ من غَيْرِها، لما يَنْبَنِي عليْها مِنْ أُصُولِ الدِّينِ، فإنَّ مَعْرَفَةَ تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيةِ مِنْ تَوْحِيدِ الإلهيةِ، لا يَسَعُ أحدًا جَهْلُهُ. فَمَنْ أَنْكَر هَذهِ القَواعِدَ التي وَضَعَها شَيْخُ الإسلامِ محمد بن عبد الوهاب قَدَّسَ اللهُ روحَه، فَقَدْ كَفَرَ بما تَضمَّنَتْهُ مِنْ أَدْلَّةِ أُصُول الدِّينِ، التي تَضَمَّنَتْها آياتُ القرآنِ المُحْكَماتِ، وَصَحِيح الأحاديثِ؛ وذلك هو الدينُ القيمُ، كما قال تعالى:{فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (30)} [الروم: 30]
…
وبهذا البيانِ، يَعْلَمُ المُنْصفُ أنَّهُ لا يُنْكِرُ تِلْكَ القَواعِدَ إلا مَنْ أَقْعَدَهُ جَهْلُه، وَعَمِيَتْ بَصِيرَتُه، وَضَلَّ فَهْمُهُ، وَتَغَيَّرَتْ فِطْرَتُهُ، وَضَاعَ عَقْلُهُ؛ نَعُوذُ باللهِ مِنَ الخُذْلانِ، وَنَسْأَلُهُ مَعْرفَةَ الحَقِّ وَقَبُولَهُ، وَمَحَبَّتَهُ والعَمَلُ بِهِ، والثَّباتَ عَلَيْهِ، والاستقامةَ في الدنيا والآخرةِ؛ ولا حول ولا قوة إلا باللهِ العليِّ العظيمِ، وهو حسبنا ونعم الوكيل"
(2)
.
(1)
مجموع الفتاوى (1/ 313).
(2)
الدرر السنية في الأجوبة النجدية (11/ 365 - 368).