الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يقول الإمام ابن تيمية: "ولم يشرع الله تعالى للمسلمين مكانًا يقصد للصلاة إلا المسجد، ولا مكانًا يقصد للعبادة إلا المشاعر، فمشاعر الحج كعرفة ومزدلفة ومنى تقصد بالذكر والدعاء والتكبير، لا الصلاة، بخلاف المساجد فإنَّها هي التي تقصد للصلاة، وما ثَمَّ مكان يقصد بعينه إلا المساجد والمشاعر، وفيها الصلاة والنسك، قال تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ} [الأنعام: 162 - 163]، وما سوى ذلك من البقاع فإنَّه لا يستحب قصد بقعة بعينها للصلاة ولا الدعاء، ولا الذكر إذ لم يأت في شرع الله ورسوله قصدها لذلك"
(1)
.
*
المسألة الثانية * أدلة القاعدة
فيما يأتي أذكر بعض ما ظهر لي من أدلة على صحة القاعدة وتقريرها:
أولًا: أن قصد مكان أو زمان لأداء العبادة فيه مما يحتاج إلى دليل شرعي يدل على مشروعية هذا القصد؛ وقد جاءت النصوص الشرعية بالوعيد الأكيد لمن عمل عملًا تعبديًا بدون مستند شرعي.
فقد روى الشيخان من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله -صلي الله عليه وسلم-: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد"، وفي رواية لمسلم:"من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد"
(2)
.
(1)
مجموع الفتاوى (27/ 503 - 504).
(2)
أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلح، باب: إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود (2/ 959)، رقم (2550)، ومسلم في صحيحه، كتاب الأقضية، باب: نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور (3/ 1343) رقم (1728).
وعليه يكون قصد مكان أو زمان لعبادة من العبادات بدون دليل شرعي من العمل المردود على صاحبه، وهو أيضًا من إحداث وتشريع دين لم يأذن به الله.
ثانيًا: وفي مقابل ذلك فقد جاءت النصوص الشرعية آمرة وحاثة على إقامة ذكر الله تعالى؛ من الصلاة والدعاء والاعتكاف، في المساجد التي هي بيوت الله تعالى، وعلى إقامة ذكره في مشاعر الحج، وهذا يدل على أن قصد مكان للعبادة غير ما حثَّ الله تعالى عباده عليه، وأمرهم بعمارته بالعبادة من الإحداث في الدين، ومن فعل ما يغضب رب العالمين؛ لأن في ذلك هجرًا لما أمر به ورغَّب فيه.
فمن ذلك قوله تعالى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (36)} [النور: 36]، قال ابن عباس رضي الله عنهما:"هي المساجد المخصوصة لله تعالى"
(1)
. فبيوت الله التي هي المساجد هي التي أذن وقضى وأمر أن ترفع فتبنى وتعظم، ويذكر فيها اسمه سبحانه بالتسبيح والتقديس والتهليل، ولم يأمر سبحانه برفع المشاهد، أو القبور، أو تعظم الآثار النبوية الأرضية، ولا أمر بذكر اسمه فيها، ولا أمر بعبادته سبحانه عندها، وإنما خص بيوته سبحانه التي هي المساجد بما يليق بها من الذكر والتسبيح والصلاة
(2)
.
وأما غير ذلك من البيوت والأمكنة؛ كبيوت الأوثان، وبيوت النيران، وبيت الكواكب، وبيت المقابر، فلم يمدح الله شيئًا منها، ولم يذكر ذلك إلا في قصة من لعنهم النبي -صلي الله عليه وسلم-، قال الله تعالى:{قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا (21)} [الكهف: 21] فهؤلاء الذين اتخذوا مسجدًا على أهل الكهف كانوا من النصارى الذين لعنهم
(1)
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (4/ 185).
(2)
انظر: التفسير الكبير (24/ 4).
النبي -صلي الله عليه وسلم-
(1)
.
فقصد تلك الأماكن بالعبادة من تعظيم ما لم يعظمه الرب تبارك وتعالى، وهذا خلاف دين الإسلام الذي بعث به محمد صلى الله عليه وسلم، والذي تضمن تعظيم بيوت الله وحده لا شريك له؛ وهي المساجد التي تشرع فيها الصلوات جماعة وغير جماعة، والاعتكاف، وسائر العبادات البدنية والقلبية؛ من القراءة، والذكر، والدعاء لله، قال الله تعالى:{وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (18)} [الجن: 18]
(2)
.
يقول ابن تيمية: "فقد علم بالنقل المتواتر، بل علم بالاضطرار من دين الإسلام أن الرسول -صلي الله عليه وسلم- شرع لأمته عمارة المساجد بالصلوات، والاجتماع للصلوات الخمس، ولصلاة الجمعة والعيدين، وغير ذلك، وأنه لم يشرع لأمته أن يبنوا على قبر نبي، ولا رجل صالح؛ لا من أهل البيت، ولا غيرهم، لا مسجدًا، ولا مشهدًا"
(3)
.
وقال رحمه الله: "وإنما البقاع التي يحبها الله، ويحب الصلاة والعبادة فيها هي المساجد التي قال الله فيها:{فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (36)} [النور: 36]
(4)
.
ومن ذلك قوله تعالى: {قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (29)} [الأعراف: 29].
قال الإمام ابن تيمية: "ولم يقل: (عند كل مشهد)؛ فإن أهل المشاهد ليس فيهم إخلاص الدين لله، بل فيهم نوع من الشرك"
(5)
.
ويقول ابن كثير في الآية: "أي: أمركم بالاستقامة في عبادته
(1)
انظر: تلخيص كتاب الاستغاثة (2/ 567).
(2)
انظر: مجموع الفتاوى (27/ 449).
(3)
منهاج السُّنَّة النبوية (1/ 479).
(4)
مجموع الفتاوى (27/ 62).
(5)
مجموع الفتاوى (17/ 498).
في محالها"
(1)
.
ومن ذلك ما جاء من الترغيب في الاجتماع في المساجد؛ من أجل قراءة القرآن، ومدارسته كقوله صلى الله عليه وسلم:":وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه"
(2)
.
ولم يرغب في الاجتماع في غير المساجد لأداء العبادة.
ولذا جاء الترغيب بقصد المساجد دون غيرها، كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله -صلي الله عليه وسلم-: "إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى المسجد لا ينهزه إلا الصلاة، لا يريد إلا الصلاة، فلم يخط خطوة إلا رفع له بها درجة وحط عنه بها خطيئة حتى يدخل المسجد، فإذا دخل المسجد كان في الصلاة ما كانت الصلاة هي تحبسه، والملائكة يصلون على أحدكم ما دام في مجلسه الذي صلى فيه يقولون: اللَّهُمَّ ارحمه اللَّهُمَّ اغفر له اللَّهُمَّ تب عليه ما لم يؤذ فيه ما لم يحدث فيه"
(3)
فذكر صلى الله عليه وسلم إتيان المساجد ولم يقل ثم أتى القبر الفلاني أو المشهد الفلاني، أو جاء إلى قبر نبي أو صالح.
كما جاء في السُّنَّة فضل واستحباب تعلق القلوب بالمساجد، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي -صلي الله عليه وسلم- قال: "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل
(1)
تفسير ابن كثير (2/ 209).
(2)
أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب: فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر (4/ 2074)، رقم (2699)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(3)
رواه البخاري في صحيحه، كتاب البيوع، باب: ما ذكر في الأسواق (2/ 746)، رقم (2013)، ومسلم في صحيحه، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: فضل صلاة الجماعة وانتظار الصلاة (1/ 459)، حديث رقم (649).
إلا ظله؛ الإمام العادل، وشاب نشأ في عبادة ربه، ورجل قلبه معلق في المساجد"
(1)
.
ولم يستحب -سبحانة وتعالي- تعلق القلوب بمقامات الأنبياء والصالحين، أو قبورهم كما هو المشاهد من كثير من الجهال.
ومن ذلك تخصيصه -سبحانه وتعالي- عكوف العبادة بكونه في المساجد لا في غيرها فقال رحمه الله: {وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} [البقرة: 187].
ومن ذلك ما أمر الله به من قصد المشاعر للذكر والدعاء: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (198)} [البقرة: 198].
فلم يأذن بقصد القبور ولا المشاهد ولا مكانًا بعينه إلا المساجد والمشاعر.
ومن ذلك أمره سبحانه بقصد مسجده الحرام، وبيته العتيق، والمشاعر لأداء مناسك الحج فقال سبحانه:{وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (97)} [آل عمران: 97]، وقال عز وجل:{جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ} [المائدة: 97]، ولم يأمرنا -سبحانه وتعالي- بقصد الحج إلى قبر أو إلى مشهد.
ثالثًا: أن قصد مكان من الأمكنة من أجل العبادة، لم تأت الشريعة باستحباب قصده، لا يكون إلا عن اعتقاد خصوصية هذا المكان دون غيره، بأن يعتقد بأن العبادة فيه أفضل من المساجد، أو أنها أحب إلى الله تعالى لتعلقها بأحد أوليائه، ولا شك أن هذه الخصوصية لا تثبت إلا
(1)
أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجماعة والإمامة، باب: من جلس في المسجد ينتظر الصلاة وفضل المساجد (1/ 234)، رقم (628)، ومسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب: فضل إخفاء الصدقة (2/ 715)، رقم (1031).
بدليل صحيح وإلا كان شرع دين لم يأذن به الله كما قال تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} [الشورى: 21].
يقول الإمام ابن تيمية: "وإن لم يكن الدعاء عندها أفضل كان قصد الدعاء عندها ضلالة ومعصية، كما لو تحرى الدعاء وقصده عند سائر البقاع التي لا فضيلة للدعاء عندها؛ من شطوط الأنهار، ومغارس الأشجار، وحوانيت الأسواق، وجوانب الطرقات، وما لا يحصي عدده إلا الله، وهذا قد دل عليه كتاب الله في مواضع مثل قوله تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ}، فإذا لم يشرع الله استحباب الدعاء عند المقابر، ولا وجوبه، فمن شرعه فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله"
(1)
.
رابعًا: أن تقديس الأمكنة والبقاع التي لم يأت الشرع بتقديسها، أو قصدها بالعبادة، وخاصة إذا كانت قبرًا لنبي، أو صالح، أو مقامًا لهما، فيه تشبه بأهل الكتاب الذين كانوا يقدسون ويعظمون أماكن دفن أنبيائهم وصالحيهم فيتخذونها مساجد، وقد نهينا عن التشبه بهم، وأمرنا بمخالفتهم، ولذا لعنهم النبي -صلي الله عليه وسلم- بسبب فعلهم هذا، كما في قوله صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس:"إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله تعالى قد اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا، ولو كنت متخذًا من أمتي خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك"
(2)
.
(1)
اقتضاء الصراط المستقيم (ص 340).
(2)
رواه مسلم في صحيحه، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: النهي عن بناء المساجد على القبور واتخاذ الصور فيها والنهي عن اتخاذ القبور مساجد (1/ 377)، رقم (532).
خامسًا: أن قصد مكان أو بقعة بالعبادة -دون مساجد المسلمين ومشاعر الحج- فيه فتح باب لمفسدة عظيمة تؤدي إلى تعلق قلوب العامة بهذه الأمكنة، وخاصة إذا صدر هذا ممن يحسنون به الظن؛ فإن قلوبهم ضعيفة وسرعان ما يضلهم الشيطان ويسول لهم بأن هذا المكان مبارك، أو أنه قبر لنبي، أو مقام لصالح، إما بخبر لا يعرف قائله، أو بمنام لا تعرف حقيقته، ثم يترتب على هذا اتخاذ هذا المكان وتلك البقعة مسجد يتحرون الصلاة فيه ويقصدونه ولو من بعيد، أضف إلى ذلك صرفها للقلوب عن الأماكن الشرعية التي أمرنا بالتعلق بها.
يقول الإمام ابن تيمية رحمه الله: "ثم ذلك يفضي إلى ما أفضت إليه مفاسد القبور، فإنَّه يقال: إن هذا مقام نبي، أو قبر نبي، أو ولي، بخبر لا يعرف قائله، أو بمنام لا تعرف حقيقته، ثم يترتب على ذلك اتخاذه مسجدًا، فيصير وثنًا يعبد من دون الله تعالى. شرك مبني على إفك! والله سبحانه يقرن في كتابه بين الشرك والكذب، كما يقرن بين الصدق والإخلاص"
(1)
.
سادسًا: ما جاء من الآثار عن الصحابة رضي الله عنهم من إنكار تتبع آثار النبي -صلي الله عليه وسلم- وتحري مواضعه التي وجد فيها، أو عبد الله عندها، فمن ذلك ما ثبت عن عمر بن الخطاب
(2)
رضي الله عنه من النهي والتشديد على من تتبع آثار النبي -صلي الله عليه وسلم-، وقصدها للعبادة، كما جاء عن المعرور بن سويد
(3)
قال:
(1)
اقتضاء الصراط المستقيم (ص 390).
(2)
هو: عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزي بن رباح بن عبد الله بن قرط بن رزاح القرشي، العدوي، أبو حفص أمير المؤمنين، وخليفة خليفة رسول الله -صلي الله عليه وسلم-، أسلم بعد أربعين رجلًا وإحدى عشر امرأة، وأظهر الله به الإسلام، وهاجر إلى المدينة، وشهد بدرًا، وبيعة الرضوان، وكل مشهد شهده رسول الله -صلي الله عليه وسلم-، وقبض رسول الله -صلي الله عليه وسلم- وهو عنه راضٍ، قتله أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة سنة 23 هـ. [انظر: الاستيعاب (2/ 450)، والإصابة:(2/ 511)].
(3)
هو: المعرور بن سويد، أبو أمية الأسدي الكوفي، من الثقات المعمرين، عاش مائة =
(خرجنا مع عمر في حجة حجها، فقرأ بنا في الفجر: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (1)} [الفيل: 1]، {لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (1)} هو [قريش]، فلما قضى حجه ورجع والناس يبتدرون فقال: ما هذا؟ فقالوا: مسجد صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: هكذا هلك أهل الكتاب، اتخذوا آثار أنبيائهم بيعًا، من عرضت له منكم فيه الصلاة فليصل، ومن لم تعرض له منكم فيه الصلاة فلا يصل)
(1)
.
وروي عن عمر رضي الله عنه أنه لما أُخبر عن شأن الشجرة التي كان يقصدها بعض الناس متوهمين أنها شجرة البيعة رجاء بركتها أمر رضي الله عنه بقطعها:
فعن نافع
(2)
قال: (بلغ عمر بن الخطاب أن أناسًا يأتون الشجرة التي بويع تحتها، قال: فأمر بها فقطعت)
(3)
.
= وعشرين سنة، حدث عن عمر، وأبي ذر، وابن مسعود رضي الله عنهم، وعنه: عاصم بن بهدلة، وأعمش، وواصل الأحدب، والمغيرة اليشكري، وثقه يحيى بن معين، وأبو حاتم الرازي. [نظر ترجمته في: تذكرة الحفاظ (1/ 67)، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم (8/ 415)].
(1)
رواه ابن أبي شيبة في المصنف (2/ 151)، رقم (7550)، وعبد الرزاق في مصنفه (2/ 118)، رقم (2734)، وقال الشيخ الألباني:"وسنده صحيح على شرط الشيخين". انظر: تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد (ص 97)، ورواه الحافظ الطبري في التفسير من طريق أخرى عن الشعبي قال:(نزل عمر الروحاء فرأى رجالًا يبتدرون أحجارًا يصلون إليها، فقال: ما هؤلاء، قالوا: يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى هاهنا، فكره ذلك وقال: إنما رسول الله أدركته الصلاة بواد فصلى ثم ارتحل فتركه). [نظر: تفسير الطبري (1/ 433)، وتاريخ المدينة المنورة (2/ 49)، حديث رقم (1468)].
(2)
هو: نافع مولى ابن عمر أبو عبد الله المدني، كثير الحديث، قال البخاري: أصح الأسانيد مالك عن نافع، عن ابن عمر، بعثه عمر بن عبد العزيز إلى مصر يعلمهم السنن، مات نافع سنة ست عشرة ومائة، أو سبع، أو تسع، أو عشرين. [انظر: طبقات الحفاظ (1/ 47)].
(3)
أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (2/ 150)، رقم (7545)، وابن سعد في الطبقات (2/ 100)، لكنها منقطعة بين نافع وعمر، وانظر: تحذير الساجد (ص 84)، وجاء =
يقول الإمام ابن تيمية: "فلما كان النبي صلى الله عليه وسلم لم يقصد تخصيصه بالصلاة فيه، بل صلى فيه لأنَّه موضع نزوله، رأى عمر أن مشاركته في صورة الفعل من غير موافقة له في قصده ليس متابعة، بل تخصيص ذلك المكان بالصلاة من بدع أهل الكتاب التي هلكوا بها، ونهى المسلمين عن التشبه بهم في ذلك، ففاعل ذلك متشبه بالنبي صلى الله عليه وسلم في الصورة، ومتشبه باليهود والنصارى في القصد الذي هو عمل القلب، وهذا هو الأصل؛ فإن المتابعة في السُّنَّة أبلغ من المتابعة في صورة العمل"
(1)
.
وهذه الشجرة ليست هي شجرة البيعة التي بايع النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه تحتها بيعة الرضوان، وإنما تلك خفيت عليهم في زمان النبي صلى الله عليه وسلم، فقد جاء عن نافع قال: قال ابن عمر رضي الله عنهما: (رجعنا من العام المقبل فما اجتمع اثنان على الشجرة التي بايعنا تحتها، كانت رحمة من الله)
(2)
.
ولذا جاء في البخاري
(3)
عن طارق بن عبد الرحمن
(4)
قال:
= عن ابن جريج في قوله تعالى: {يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} قال: (
…
فكانت هذه الشجرة يعرف موضعها، ويؤتى هذا المسجد، حتى كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ فبلغه أن الناس يأتونها، ويصلون عندها فيما هنالك، ويعظمونها؛ فرأى أنَّ ذلك من فعلهم حدث) وحسن إسناده الفاكهي. [انظر: أخبار مكة للفاكهى (5/ 77)].
(1)
مجموع الفتاوى (1/ 281).
(2)
أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب: البيعة في الحرب أن لا يفروا (3/ 1080)، رقم (2798).
(3)
هو: شيخ الإسلام، وإمام الحفاظ أبو عبد الله، محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبه الجعفي مولاهم، البخاري صاحب الصحيح كان رأسًا في الذكاء، رأسًا في العلم، رأسًا في الورع والعبادة توفي سنة 256 هـ. [انظر: تذكرة الحفاظ للذهبي (2/ 555)].
(4)
هو: طارق بن عبد الرحمن البجلي الكوفي، روى عن سعيد بن المسيب، ثقة مشهور إلا أن أحمد بن حنبل قال: ليس حديثه بذاك، وقال يحيى بن سعيد القطان: هو عندي كإبراهيم بن مهاجر، قال الذهبي: قلت قد روى عنه شعبة، وأبو عوانة، ووكيع، ووثقه ابن معين، وقال أبو حاتم: لا بأس به يكتب حديثه، وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به. [انظر ترجمته في: ميزان الاعتدال (3/ 454 - 455)، ورجال =
(انطلقت حاجًا فمررت بقوم يصلون قلت: ما هذا المسجد؟ قالوا: هذه الشجرة حيث بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة الرضوان، فأتيت سعيد بن المسيب فأخبرته، فقال سعيد: حدَّثني أبي أنه كان فيمن بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة، قال فلما خرجنا من العام المقبل أُنسيناها فلم نقدر عليها. فقال سعيد: إن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لم يعلموها وعلمتموها أنتم فأنتم أعلم)
(1)
.
قال الإمام ابن عبد البر
(2)
: "وقد كره مالك
(3)
وغيره من أهل العلم طلب موضع الشجرة التي بويع تحتها بيعة الرضوان؛ وذلك -والله أعلم- مخالفة لما سلكه اليهود والنصارى في مثل ذلك"
(4)
.
هذا ما حصل في زمان النبي صلى الله عليه وسلم من تعمية الشجرة على الصحابة، ونسيانهم لموضعها، ثم في زمان عمر رضي الله عنه توهموا في شجرة أخرى أنها شجرة البيعة، وصاروا يقصدونها للعبادة رجاء بركتها، فقطعها عمر سدًا لذريعة تعظيمها والافتتان بها
(5)
.
= صحيح البخاري (الهداية والإرشاد)(2/ 376)].
(1)
أخرجه البخاري في صحيحه، المغازي، باب: غزوة الحديبية (4/ 1528)، رقم (3930)، والطبراني في المعجم الكبير (2/ 3470)، رقم (816)، وابن سعد في الطبقات (2/ 99).
(2)
هو: يوسف بن عمر بن عبد البر بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري الحافظ شيخ علماء الأندلس، وكبير محدثيها في وقته، وأحفظ من كان فيها لسنة مأثورة له مؤلفات كثيرة نافعة منها: التمهيد، والاستذكار، والاستيعاب، توفي رحمه الله سنة 463 هـ. [انظر ترجمته في: الديباج المذهب ص 357، وشجرة النور الزكية (ص 119)].
(3)
هو: إمام دار الهجرة، الإمام مالك بن أنس الأصبحي المدني، ولد سنة 93 هـ، وهو أحد الأئمة الأربعة، جمع بين الفقه والحديث والرأي، جلس للفتيا وله إحدى وعشرون سنة، وقصده طلبة العلم من الآفاق، من أشهر مصنفاته الموطأ، توفي سنة 179 هـ. [تذكرة الحفاظ (1/ 207 - 213)، وسير أعلام النبلا (8/ 48 - 135)].
(4)
الاستذكار (2/ 360).
(5)
انظر: فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ (1/ 151 - 152).
ولذا قال الإمام ابن تيمية: "وأمر عمر رضي الله عنه بقطع الشجرة التي توهموا أنها الشجرة التي بايع الصحابة النبي صلى الله عليه وسلم تحتها بيعة الرضوان، لما رأى الناس ينتابونها، ويصلون عندها، كأنها المسجد الحرام، أو مسجد المدينة"
(1)
.
أما الشجرة الحقيقية فقد عميت عليهم في زمان النبي صلى الله عليه وسلم فلم يهتدوا لمعرفتها، وكان إخفاؤها رحمة من الله كما قال ابن عمر رضي الله عنهما
(2)
.
يقول الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ
(3)
بعد أن ذكر قصة خفاء الشجزة على الصحابة رضي الله عنهم: "هذا ما صار إليه شأن شجرة البيعة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ثم صار في خلافة عمر بن الخطاب ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم: وهو توهم من توهم في شجرة بالحديبية أنها هي الشجرة التي بايع الصحابة النبي صلى الله عليه وسلم تحتها (بيعة الرضوان)، فكان من توهم ذلك ينتابها ويصلي عندها، فأمر عمر بن
(1)
اقتضاء الصراط المستقيم (ص 306).
(2)
وبهذا التوفيق ينتفي التعارض بين روايات القصة.
(3)
هو: صاحب السماحة الشيخ الجليل أبو عبد العزيز محمد بن إبراهيم ابن الشيخ عبد اللطيف ابن الشيخ عبد الرحمن بن حسن، ابن شيخ الإسلام الإمام مجدد القرن الثاني عشر محمد بن عبد الوهاب، ولد في: 7/ محرم/ 1311 هـ، في مدينة الرياض، وأخذ العلم عن والده الشيخ إبراهيم وعن عمه الشيخ عبد اللطيف وعن الشيخ سعد بن عتيق وعن الشيخ حمد بن فارس وغيرهم، من أبرز تلامذته: فضيلة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، وفضيلة الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد وفضيلة الشيخ عبد المحسن العباد، وغيرهم، كان مفتيًا للديار السعودية، ورئيسًا للجامعة الإسلامية، ورئيسًا للقضاء في جميع المملكة، ورئيسًا لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة، له فتاوى جمعها الشيخ عبد الرحمن بن قاسم في 13 مجلد، وله رسائل مفيدة أخرى، توفي إثر مرض ألم به في الرابع والعشرين من شهر رمضان من عام 1389 هـ. [انظر ترجمته في: مقال للشيخ عبد المحسن العباد ضمن مجلة الجامعة الإسلامية، العدد 6 (15)، و (العالم العابد الشيخ عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله حياته وسيرته ومؤلفاته، تأليف عبد الملك القاسم)(ص 97)، من مطبوعات دار القاسم].