الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وبهذا يتبين لنا معنى التلازم وأنواعه.
*
المسألة الثانية* بيان معنى القاعدة
أشارت القاعدة إلى العلاقة بين أنواع التوحيد الثلاثة، توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات، وأضدادها من أنواع الشرك، وأنها علاقة تلازم، فلا ينفك نوع منها عن الآخر، بل ثبوت بعضها وصحته يستلزم ثبوت البقية، ونفي بعضها يستلزم نفي الباقي.
فهي متكافلة متلازمة يكمل بعضها بعضًا، ولا يمكن الاستغناء ببعضها عن الآخر، فلا ينفع توحيد الربوبية بدون توحيد الألوهية، وكذلك لا يصح، ولا يقوم توحيد الألوهية بدون توحيد الربوبية، وكذلك توحيد الله في ربوبيته وألوهيته لا يستقيم بدون توحيد الله في أسمائه وصفاته، فالخلل والانحراف في أي نوع منها هو خلل في التوحيد كله
(1)
.
ومما ينبغي التنبيه عليه قبل الدخول في تقرير معنى القاعدة، أن التلازم الحاصل بين أنواع التوحيد الذي أشارت إليه القاعدة هو بالنظر إلى ذات أنواع التوحيد، مع قطع النظر عن تعلق هذه الأنواع بالعباد؛ إذ إن تعلقها بهم مما يختلفون فيه اختلافًا عظيمًا، ويتباينون فيه تباينًا كبيرًا فلا يمكن ضبطه، كما أن غالب مسائل التوحيد -بأنواعه الثلاثة- يكون تعلقها بالمخلوقين مختصًا بأعمال وأقوال القلوب، وهذه مرجعها إلى الله تبارك وتعالى، كما قال عزَّ من قائل: {وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ
(1)
انظر: الكواشف الجلية عن معاني الواسطية (ص 422)، ومعتقد أهل السُّنَّة والجماعة في توحيد الأسماء والصفات، للأستاذ الدكتور محمد بن خليفة التميمي (ص 47).
وَأَخْفَى} [طه: 7]، وقال سبحانه:{وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (19)} [النحل: 19]، وقال تعالى:{وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (13)} [الملك: 13]، وعليه فيكون تطبيق القاعدة وطردها على جميع العباد جملة وتفصيلًا من العسر بمكان؛ إذ لا يمكننا الوقوف على حقيقة ما تضمنته القلوب، وانعقدت عليه الضمائر.
والحاصل في معنى القاعدة: أن توحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية والأسماء والصفات؛ فإن علة اختصاصه تبارك وتعالى بالألوهية هي كونه ربًّا خالقًا عالمًا محيطًا بكل شيء، وأنه على كل شيء قدير، كما أن خلقه تعالى متضمن لكمال قدرته، وإرادته، وعلمه، وحكمته، وحياته، وذلك مسلتزم لسائر صفات كماله، ونعوت جلاله، فتضمن ذلك إثبات صفاته، وأفعاله، ووحدانيته في صفاته
(1)
.
وتوحيد الأسماء والصفات يستلزم توحيد الربوبية والألوهية ويشملهما؛ فإن من أعظم صفاته تبارك وتعالى، صفتي الألوهية والربوبية، فتوحيد الأسماء والصفات يتضمن ويشمل إفراد الله تعالى في أعظم صفاته التي اتصف بها وهما الألوهية والربوبية.
يقول الشيخ عبد العزيز السلمان: "وأما توحيد الأسماء والصفات وأنه شامل للنوعين فهو يقوم على إفراد الله سبحانه بكل ما له من الأسماء الحسنى والصفات العليا التي لا تنبغي إلا له، ومن جملتها كونه ربًّا واحدًا لا شريك له في ربوبيته، وكونه إلهًا واحدًا لا شريك له في إلهيته، فاسم (الرب) لا ينصرف إلا إليه عند الإطلاق، فله وحده الربوبية المطلقة الشاملة لجميع خلقه، وكذلك اسم الجلالة (الله) لا يطلق إلا عليه وحده، فهو ذو الألوهية على جميع خلقه ليس لهم إله غيره"
(2)
..
(1)
بدائع الفوائد (4/ 943).
(2)
الكواشف الجلية عن معاني الواسطية للسلمان (ص 422).
وهكذا إلهية الله تعالى تستلزم النوعين الآخرين وتتضمنهما؛ فإنهما الأصل والأساس الذي ينبني عليه
(1)
إذ لا يتصور وجوده بدونهما؛ فإن عبادة المعبود مبنية على وجوده وثباته، فإذا لم يثبت فكيف تصرف له العبادة، ولا يثبت الشيء إلا بثبوت ذاته وصفاته، إضافة إلى أن صفة الألوهية مستتبعة لسائر صفات الكمال، ونعوت الجمال والجلال، نافية لسمات النقصان
(2)
، وعليه فكل نوع منها لازم وملزوم للنوعين الآخرين، لا ينفك أحدهما عن الآخر أبدًا.
يقول الإمام ابن أبي العز: "فلما كان هذا الشرك في الربوبية موجودًا في الناس بيّن القرآن بطلانه كما في قوله تعالى: {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ} [المؤمنون: 91] فتأمل هذا البرهان الباهر بهذا اللفظ الوجيز الظاهر؛ فإن الإله الحق لا بد أن يكون خالقًا فاعلًا يوصل إلى عابده النفع ويدفع عنه الضر"
(3)
.
وهكذا أضداد هذه الأنواع من الشرك فإنها أيضًا متلازمة، فالإشراك في الربوبية يستلزم الإشراك في الإلهية إذ هو أصله وأساسه ومقدمته، ولا شك أن الخلل والانحراف في الأساس يدل على الانحراف في الفرع القائم عليه، وهكذا فالشرك في الإلهية يستلزم الشرك في الربوبية والأسماء والصفات، وكذلك الأمر في حال الشرك في الأسماء والصفات، فجميع أنواع الشرك متلازمة، فكل واحد منها لازم وملزوم للنوعين الآخرين لا ينفك أحدهما عن الآخر، فالخلل والانحراف في أي نوع من أنواع التوحيد إنما هو دليل ومؤشر إلى خلل ولا بد في النوعين الآخرين؛ فإن هذه الأنواع يصحح بعضها البعض ويقوي بعضها البعض فإذا ثبت وصح
(1)
انظر: قاعدة توحيد الربوبية هو الأصل توحيد الألوهية ودليله الأكبر (ص 660).
(2)
انظر: تفسير أبي السعود (7/ 242).
(3)
شرح العقيدة الطحاوية (ص 85).
منها نوع صحح الباقي وأثبته، وهكذا إذا حصل ضعف في نوع دلَّ على أن هناك ضعفًا في النوعين الآخرين ولا بد.
يبيّن الإمام ابن القيم استلزام أنواع التوحيد بعضها لبعض: "فعلم أن اسمه (الله) مستلزم لجميع معاني الأسماء الحسنى، دال عليها بالإجمال، والأسماء الحسنى تفصيل وتبيين لصفات الإلهية التي اشتق منها اسم الله، واسم الله دال على كونه مألوهًا معبودًا تألهه الخلائق؛ محبة، وتعظيمًا، وخضوعًا، وفزعًا إليه في الحوائج والنوائب، وذلك مستلزم لكمال ربوبيته، ورحمته، المتضمنين لكمال الملك، والحمد.
وإلهيته، وربوبيته ورحمانيته وملكه مستلزم لجميع صفات كماله، إذ يستحيل ثبوت ذلك لمن ليس بحي، ولا سميع، ولا بصير، ولا قادر، ولا متكلم، ولا فعال لما يريد، ولا حكيم في أفعاله"
(1)
.
وهكذا من نفى صفات الرب تبارك وتعالى وعطلها وأشرك فيها فإن ذلك يستلزم إشراكه في ربوبية الله تعالى، ونفي ذاته، يقول الإمام ابن تيمية:"وفي خصوم إبراهيم ومحمد صلى الله عليه وسلم معطلة ومشركة، لكن التعطيل المحض للذات قليل، وأما الكثير فهو تعطيل صفات الكمال، وهو مستلزم لتعطيل الذات، فإنهم يصفون واجب الوجود بما يوجب أن يكون ممتنع الوجود"
(2)
.
ويقول أيضًا مبينًا ارتباط الشرك في التوحيد العلمي بالشرك في التوحيد العملي: "لكن المقصود هنا هو التوحيد العملي، وهو إخلاص الدين لله، وإن كان أحد النوعين مرتبطًا بالآخر، فلا يوجد أحد من أهل التعطيل الجهمية وأهل التمثيل المشبهة إلا وفيه نوع من الشرك العملي، إذ أصل قولهم فيه شرك وتسوية بين الله وبين خلقه، أو بينه وبين المعدومات في الصفات السلبية التي لا تستلزم مدحًا ولا ثبوت كمال، أو يسوون بينه وبين
(1)
مدارج السالكين (1/ 32 - 33).
(2)
منهاج السُّنَّة النبوية (3/ 292).
الناقص من الموجودات في صفات النقص، وكما يسوون إذا أثبتوا هم ومن ضاهاهم من الممثلة بينه وبين المخلوقات في حقائقها، حتى قد يعبدونها فيعدلون بربهم ويجعلون له أندادًا، ويسوون المخلوقات برب العالمين"
(1)
.
ويقول الإمام ابن القيم مبينًا علاقة التلازم بين الإلحاد في الأسماء والصفات وبين الشرك الأكبر المخرج عن الملة سواء كان في الربوبية أم في الألوهية: "إن التوحيد الذي دعا إليه هؤلاء الملاحدة وذكروا أنه التوحيد الحق هو من أعظم الإلحاد في أسماء الرب وصفاته وأفعاله، وهو حقيقة الكفر به، وتعطيل العالم عن صانعه، وتعطيل الصانع الذي أثبتوه عن صفات كماله، فشرك عباد الأصنام، والأوثان، والكواكب، والشمس، والقمر، خير من توحيد هؤلاء بكثير، فإنه شرك في الإلهية مع إثبات صانع العالم، وصفاته، وأفعاله، وقدرته، ومشيئته، وعلمه بالكليات والجزئيات، وتوحيد هؤلاء تعطيل الربوبية، والإلهية، وسائر صفاته، وهذا التوحيد ملازم لأعظم أنواع الشرك ولهذا كلما كان الرجل أعظم تعطيلًا كان أعظم شركًا ولا تجد معطلًا نافيًا إلا وفيه من الشرك بقدر ما فيه من التعطيل"
(2)
.
ولذا صرح رحمه الله في نونيته بتلازم الشرك والتعطيل فقال:
"واعلم بأن الشرك والتعطيل مذ كانا هما لا شك مصطحبان أبدًا فكل معطل هو مشرك حتمًا وهذا واضح التبيان"
(3)
.
ولذا يبين الإمام ابن تيمية تلازم التعطيل لأسماء الله وصفاته مع الشرك في الربوبية فيقول: "وهذان المحذوران التعطيل والإشراك في الربوبية لازمان لكل من أثبت فاعلًا مستقلًّا غير الله؛ كالفلاسفة الذين
(1)
مجمع الفتاوى (10/ 54 - 55).
(2)
الصواعق المرسلة (3/ 1111).
(3)
انظر: توضيح المقاصد وتصحيح القواعد في شرح قصيدة الإمام ابن القيم، تأليف: أحمد بن إبراهيم بن عيسى (2/ 448).
يقولون: إن الفلك يتحرك حركة اختيارية بسببها تحدث الحوادث من غير أن يكون قد حدث من جهة الله ما يوجب حركته"
(1)
.
ويقول الإمام ابن القيم مبينًا تلازم التعطيل والشرك، وأن الأول أصل للثاني وأساسه ومبدأه: "بل كل شرك في العالم فأصله التعطيل؛ فإنه لولا تعطيل كماله، أو بعضه، وظن السوء به لما أشرك به
…
والمقصود: أن التعطيل مبدأ الشرك، وأساسه، فلا تجد معطلًا إلا وشركه على حسب تعطيله فمستقل ومستكثر"
(2)
.
ويقول رحمه الله أيضًا: "فالشرك والتعطيل متلازمان، فكل مشرك معطل، وكل معطل مشرك، لكن -أي: الشرك- لا يستلزم أصل التعطيل، بل قد يكون المشرك مقرًا بالخالق سبحانه وصفاته ولكن عطل حق التوحيد"
(3)
.
ويبيّن الإمام ابن القيم السبب الذي قاد أهل التعطيل لأسماء الله وصفاته إلى الوقوع في الشرك الأكبر فيقول: "ولهذا كان مرض التعطيل ومرض الشرك أخوين متصاحبين، لا ينفك أحدهما عن صاحبه، فإن المعطل قد جعل آراء الرجال، وعقولهم ندًا لكتاب الله، والمشرك قد جعل ما يعبده من الأوثان ندًا له، ومما يبين تلازم التعطيل والشرك: أن القلوب خلقت متحركة، طالبة للتأله، والمحبة، فهي لا تسكن إلا لمحبوب تطمئن إليه، وتسكن عنده، يكون هو غاية محبوبها، ومطلوبها، ولا قرار لها، ولا طمأنينة، ولا سكون بدون هذا المطلوب، والظفر به، والوصول إليه، ولو ظفرت بما ظفرت به سواه لم يزدها ذلك إلا فاقة، وفقرًا، وحاجة، وقلقًا، واضطرابًا.
فطلب هذا المراد المطلوب كامن مستقر فيها وإن أعرضت عنه، واشتغلت بغيره، ولم تشعر به، فوجود الشيء لا يستلزم الشعور به، بل
(1)
منهاج السُّنَّة النبوية (3/ 279).
(2)
مدارج السالكين (3/ 347 - 348).
(3)
الجواب الكافي (ص 90).
وجوده شيء، والشعور به شيء، وهذا الطلب والإرادة هو بحسب الشعور، والمعرفة بالمطلوب المراد، وصفات كماله، ونعوت جلاله وجماله
…
فالرسل جاؤوا بكمال الأمرين على أتم الوجوه، فإنهم ذكروا من فات هذا الرب الذي تألهه القلوب وتطمئن إليه الأرواح ما يكون داعيًا إلى محبته، وأمروا الناس من توحيده وعبادته وحده لا شريك له بما إذا فعلوه أحبهم عليه، فجاءت النفاة المعارضون للوحي بعقولهم، وآرائهم، فوقفوا في طريق الرسل، وأتوا بما يضاد دعوتهم، فنفوا صفاته التي تعرَّف بها إلى عباده، وجعلوا إثباتها تجسيمًا وتشبيهًا، ووصفوه من السلوب والنفي بما حال بين القلوب وبين معرفته، وأكدوا ذلك بأنه لا يُحِب ولا يُحَب، ولا له وجه يراه العابدون المحبون له يوم القيامة فضلًا عن أن يحصل لهم لذة هناك بالنظر إليه، ولا يكلمهم، ولا يخاطبهم، ولا يسلم عليهم من فوقهم، فلما استقر هذا النفي في قلوبهم تعلقت بغيره من أصناف المحبوبات، فأشركت به في المحبة، ولا بد، وكان أعظم الأسباب الحاملة لها على الشرك هو التعطيل، فانظر إلى تلازم الشرك والتعطيل وتصادقهما وكونهما:
رضيعَي لِبانٍ ثَدْيَ أمٍّ تقاسما
…
بأسْحَمَ داجٍ عَوْضَ لا نتفرّقُ
(1)
"
(2)
(1)
البيت للأعشى، وانظر: جمهرة اللغة (2/ 905)، وقوله: رضيعي لبان: هو مثنى رضيع، ورضيع الإنسان مراضعه، فإنه إذا كانت المفاعلة بين اثنين جاء كل واحدٍ منهما على فعيل، كقعيد وجليس بمعنى مقاعد ومجالس، والفعيل بمعنى الفاعل كالجليس فليس للمبالغة فلا يعمل اتفاقًا، والمعنى: أن (المحلق الكلابي) الممدوح والندى ارتضعا ثدي أم تحالفا على أنهما لا يتفرقان أبدًا؛ لأن (عَوْضَ) من أسماء الدهر، وهو مما يبنى على الضم والفتح، وعنى بالأسحم الداجي ظلمة الرحم، وقيل: بل عنى به الليل، ومعنى تقاسما فيهما؛ أي: تحالفا وقد قيل: إن المراد بلفظة تقاسما اقتسما، وأن المراد بالأسحم الداجي: الدم وقيل: بل المراد بالأسحم: اللبن لاعتراض السمرة فيه، وبالداجي: الدائم. [نظر: خزانة الأدب (7/ 144)، ودرة الغواص في أوهام الخواص (193)].
(2)
الصواعق المرسلة (4/ 1353 - 1356).