الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سَأَلْتَهُم مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اَللهُ} [الزخرف: 87]، {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [الزمر: 38]، {قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (84) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ} [المؤمنون: 84، 85]، ونظائر ذلك كثيرة يحتج عليهم بما فطروا عليه من الإقرار بربهم وفاطرهم"
(1)
.
ويقول الإمام ابن أبي العز الحنفي: "فإن توحيد الربوبية لا يحتاج إلى دليل، فإنه مركوز في الفطر"
(2)
.
ويقول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: "الأول: توحيده في ربوبيته وهذا النوع من التوحيد جبلت عليه فطر العقلاء"
(3)
.
*
المسألة الرابعة* أقوال العلماء في تقرير معنى القاعدة
تضافرت أقوال أهل العلم على تأييد هذه القاعدة، كما اعتبرها بعض العلماء من أهم قواعد الدين، إذ فيها التفريق بين أهل التوحيد والإيمان وأهل الشرك والكفران:
يقول الإمام ابن تيمية: "فإن المشركين كانوا يقرون بهذا التوحيد توحيد الربوبية"
(4)
.
ويقول -الإمام المجدد- الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "ونحن نُعَلِّمُه أكثر من سنة: أن هذا هو توحيد الربوبية الذي أقر به المشركون، فالله الله في التفطن لهذه المسألة، فإنها الفارقة بين الكفر والإسلام"
(5)
.
ويقول -الإمام المجدد- في بيان القواعد الأربع: "وذلك بمعرفة أربع قواعد ذَكرها اللهُ تعالى في كتابه: القاعدة الأولى: أن تَعْلَم أنَّ
(1)
أحكام أهل الذمة (2/ 949).
(2)
شرح العقيدة الطحاوية (ص 274).
(3)
أضواء البيان (3/ 17).
(4)
مجموع الفتاوى (14/ 377).
(5)
مؤلفات محمد بن عبد الوهاب في العقيدة (ص 21).
الكفار الذين قاتلهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم مُقِرُّون بأنَّ اللهَ تعالى هو الخالقُ المدَبِّر، وأنَّ ذلك لم يدخلهم في الإسلام، والدليل قوله تعالى:{قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (31)} [يونس: 31] "
(1)
.
وذكر هذه القاعدة الإمام المحدث محمد بن إسماعيل الصنعاني اليمني وجعلها من أصول التوحيد، فقال: الأصل الرابع: أن المشركين الذين بعث الله الرسل إليهم مقرون أن الله خالقهم. قال الله تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [الزخرف: 87]، وأنه الذي خلق السموات والأرض:{وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (9)} [الزخرف: 9].
وبأنه الرّازق الذي يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي وأنه الذي يدبر الأمر من السماء إلى الأرض وأنه الذي يملك السمع والأبصار والأفئدة. قال تعالى: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (31)} [يونس:31]، {قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (84) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (85) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (86) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (87) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (88) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (89)} [المؤمنون: 84 - 89].
وهذا فرعون مع غلوه في كفره ودعواه أقبح دعوى ونطقه بالكلمة الشنعاء، يقول الله في حقه حاكيًا عن موسى عليه السلام:{قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ} [الإسراء: 102]، وقال إبليس
(1)
القواعد الأربع ضمن مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب (6/ 144).
اللعين: {إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (16)} [الحشر: 16]، وقال:{رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي} [الحجر: 39]، وقال:{قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (36)} [الحجر: 36].
وكل مشرك مقر بأن الله خالقه وخالق السموات والأرض وربهن ورب ما فيهما ورازقهم، ولهذا تحتج عليهم الرسل بقولهم:{أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ} [النحل: 17]، وبقولهم:{إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ} [الحج: 73]، والمشركون مقرون بذلك لا ينكرونه"
(1)
.
ويقول الإمام ابن جرير الطبري عقب ذكره لتفسير مجاهد لقوله تعالى: {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22)} [البقرة: 22] وتقييده ذلك باليهود والنصارى: "وأحسب أن الذي دعا مجاهدًا إلى هذا التأويل، وإضافة ذلك إلى أنه خطاب لأهل التوراة والإنجيل دون غيرهم، الظن منه بالعرب أنها لم تكن تعلم أن الله خالقها ورازقها بجحودها وحدانية ربها، وإشراكها معه في العبادة غيره.
وإن ذلك لقول؛ ولكن الله جلَّ ثناؤه قد أخبر في كتابه عنها: أنها كانت تقر بوحدانيته، غير أنها كانت تشرك في عبادته ما كانت تشرك فيها، فقال جلَّ ثناؤه:{وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [الزخرف: 87]، وقال:{قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (31)} [يونس: 31].
فالذي هو أولى بتأويل قوله: {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22)} : إذ كان ما كان عند العرب من العلم بوحدانية الله، وأنه مبدع الخلق، وخالقهم، ورازقهم نظير الذي كان من ذلك عند أهل الكتابين، ولم يكن في الآية
(1)
تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد، بشرح الشيخ علي بن محمد آل سنان (ص 85 - 88).
دلالة على أن اللّه جلَّ ثناؤه عنى بقوله: {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22)} أحد الحزبين بل مخرج الخطاب بذلك عام للناس كافة لهم"
(1)
.
ويقول الرازي في تفسيره: "دلائل وجود الله تعالى ظاهرة، وهي دلائل الآفاق والأنفس، وقلما توجد في الدنيا طائفة ينكرون وجود الإله تعالى؛ ولذلك قال تعالى في صفة الكفار:{وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [لقمان: 25].
قال مصنف هذا الكتاب محمد بن عمر الرازي رحمه الله وختم له بالحسن-: دخلت بلاد الهند فرأيت أولئك الكفار مطبقين على الاعتراف بوجود الإله، وأكثر بلاد الترك أيضًا كذلك، وإنما الشأن في عبادة الأوثان؛ فإنها آفة عمت أكثر أطراف الأرض، وهكذا الأمر كان في الزمان القديم؛ أعني: زمان نوح وهود وصالح عليهم السلام فهؤلاء الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم كانوا يمنعونهم من عبادة الأصنام، فكان قوله:{اعْبُدُواْ اَللَّهَ} [المائدة: 117]؛ معناه: لا تعبدوا غير الله
(2)
، والدليل عليه أنه قال عقيبه:{مَا لَكُم مِّن إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف: 59]، وذلك يدل على أن المقصود من هذا الكلام منعهم عن الاشتغال بعبادة الأصنام"
(3)
.
ويؤيد الإمام المقريزي هذه القاعدة بقوله: "ولا ريب أن توحيد الربوبية لم ينكره المشركون، بل أقروا بأنه سبحانه وحده خالقهم وخالق السموات والأرض والقائم بمصالح العالم كله، وإنما أنكروا توحيد الإلهية والمحبة، كما حكى الله تعالى عنهم في قوله: {وَمِنَ النَّاسِ مَن
(1)
تفسير الطبري (1/ 164).
(2)
سبق تقرير وبيان أن عبادة الله تعالى لا تتحقق إلا بترك الشرك وعبادة غيره، بل لا تسمى العبادة عبادة مع فعل الشرك. انظر:(ص 319) من هذه الرسالة.
(3)
تفسير الرازي (18/ 9).
يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} [البقرة: 165]
…
فتوحيد الربوبية هو الذي اجتمعت فيه الخلائق مؤمنها وكافرها، وتوحيد الإلهية مفرق الطرق بين المؤمنين والمشركين"
(1)
.
ويقول رحمه الله أيضًا: "فالعبادة هي التي ما وجدت الخلائق كلها إلّا لأجلها"
(2)
.
ويقول الشيخ النعمي
(3)
: "وتتبعنا في كتاب الله فصول تراكيبه، وأصول أساليبه، فلم نجده تعالى حكى عن المشركين أن آلهتهم وشركاءهم التي عبدوها من دونه: تخلق، ترزق، تحيي، تميت، تنزل من السماء ماء، تخرج الحي من الميت، والميت من الحي، تأتي بالضياء والظلمة، تنبت حدائق ذات بهجة، أو أنها جعلت الأرض قرارًا، وخلالها أنهارًا، ولها رواسي، وبين البحرين حاجزًا، أو تجيب المضطر إذا دعا، وتكشف السوء والبلوى، أو تؤتي الملك من تشاء، وتنزعه ممن تشاء، وتعز وتذل وتهدي في ظلمات البر والبحر، وترسل الرياح بشرًا بين يدي المطر.
بل إذا سئلوا دانوا وأذعنوا له تعالى بالاختصاص والانفراد فيما حكى عنهم بقوله: {قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (84) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (85) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ
(1)
تجريد التوحيد المفيد (ص 7 - 8).
(2)
المصدر نفسه (ص 60).
(3)
هو: العلامة الحسين بن مهدي بن عز الدين بن علي بن الحسن النُّعْمِي، اليمني، كنيته أبو محمد، ولد بمدينة صبيا في سنة 1139 هـ، ونشأ بها، ثم رحل إلى مدينة صنعاء، ونهل عن علمائها، وقد برع في العلوم العقلية والنقلية الفرعية، والأصولية حتى فاق الأقران، من مصنفاته: الجواب على الطليعة في فضل الشيعة، ومدارج العبور على مفاسد القبور، ومعارج الألباب في مناهج الحق والصواب، والنجم الزاهر في تحقيق الانتساب إلى طريق الآل والأطاهر، وغيرها، توفي سنة 1187 هـ. [ترجمته في: الأعلام (2/ 260)، ومقدمة كتاب: معارج الألباب، تحقيق: الشيخ محمد عبد الله مختار (1/ 41 - 55)].