المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ المسألة الثانية* أدلة القاعدة - القواعد في توحيد العبادة - جـ ١

[محمد بن عبد الله باجسير]

فهرس الكتاب

- ‌المُقَدِّمَة

- ‌أهمية الموضوع:

- ‌خطة البحث

- ‌المنهج المتبع في هذا البحث

- ‌مشاكل البحث وصعوباته:

- ‌شكر وتقدير:

- ‌التمهيد

- ‌المبحث الأول القاعدة لغة واصطلاحًا

- ‌المطلب الأول: القاعدة لغة

- ‌ المطلب الثاني * القاعدة اصطلاحًا

- ‌ المطلب الثالث * بيان العلاقة بين القاعدة والضابط والأصل

- ‌المبحث الثاني أهمية القواعد وأثرها في العلوم

- ‌المبحث الثالث التقعيد ومنهج العلماء فيه

- ‌المبحث الرابع توحيد العبادة ومنزلته الشرعية

- ‌المطلب الأول: معناه وحقيقته

- ‌ المطلب الثاني * أهميته ومنزلته من الدين

- ‌ المطلب الثالث* أدلته

- ‌ المطلب الرابع* أسماؤه وإطلاقاته

- ‌أ - توحيد الطلب والقصد:

- ‌ب - توحيد الارادة والطلب:

- ‌ج - توحيد الشرع والقدر:

- ‌د - التوحيد العملي الإرادي، أو العملي القصدي:

- ‌هـ - توحيد الإلهية أو الألوهية أو العبادة:

- ‌الباب الأول القواعد المتعلقة بتوحيد العبادة

- ‌الفصل الأول القواعد العامة في توحيد العبادة

- ‌المبحث الأول قاعدة دين الأنبياء واحد هو الإسلام

- ‌ المسألة الأولى * شرح ألفاظ القاعدة

- ‌ المسألة الثانية* بيان معنى القاعدة

- ‌ المسألة الثالثة* أدلة القاعدة

- ‌ المسألة الرابعة * أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة

- ‌ المسألة الخامسة * فوائد القاعدة وتطبيقاتها

- ‌المبحث الثانيقاعدة الشرع مبناه على تكميل أديان الخلق وعلى تكميل عقولهم

- ‌ المسألة الأولى * شرح ألفاظ القاعدة

- ‌أولًا: الشرع:

- ‌ثانيًا: العقل:

- ‌ المسألة الثانية * بيان معنى القاعدة

- ‌ المسألة الثالثة * أدلة القاعدة

- ‌ المسألة الرابعة * أقوال العلماء في تقرير معنى القاعدة

- ‌ المسألة الخامسة * فوائد القاعدة وتطبيقاتها

- ‌المبحث الثالثقاعدةالدين قد كَمُلَ بيانه في أصوله وفروعه باطنه وظاهره علمه وعمله

- ‌ المسألة الأولى * معنى القاعدة

- ‌ المسألة الثانية * أدلة القاعدة

- ‌ المسألة الثالثة * أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة

- ‌ المسألة الرابعة * فوائد القاعدة وتطبيقاتها

- ‌المبحث الرابعقاعدة العبادة هي الغاية التي خلق الله لها الخلق من جهة أمره ومحبته ورضاه

- ‌ المسألة الأولى* شرح ألفاظ القاعدة

- ‌ المسألة الثانية * معنى القاعدة

- ‌ المسألة الثالثة* أدلة القاعدة

- ‌ المسألة الرابعة* أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة

- ‌ المسألة الخامسة * فوائد القاعدة وتطبيقاتها

- ‌المبحث الخامسقاعدة ليس في الشريعة بقعة تقصد للعبادة لذاتها إلا المساجد ومشاعر الحج

- ‌ المسألة الأولى * معنى القاعدة

- ‌ المسألة الثانية * أدلة القاعدة

- ‌ المسألة الثالثة * أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة

- ‌ المسألة الرابعة * فوائد القاعدة وتطبيقاتها

- ‌المبحث السادسقاعدة النزاع بين الرسل وأقوامهم إنما كان في إفراد الله بالعبادة وترك عبادة ما سواه

- ‌ المسألة الأولى * معنى القاعدة

- ‌ المسألة الثانية * أدلة القاعدة

- ‌ المسألة الثالثة * أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة

- ‌ المسألة الرابعة * فوائد القاعدة وتطبيقاتها

- ‌المبحث السابعقاعدة البركة لله وصفًا وملكًا وفعلًا وكل بركة في الكون فمن آثار بركته سبحانه

- ‌ المسألة الأولى * شرح بعض ألفاظ القاعدة

- ‌ المسألة الثانية * معنى القاعدة

- ‌ المسألة الثالثة * أدلة القاعدة

- ‌ المسألة الرابعة * أقوال أهل العلم في اعتماد القاعدة

- ‌ المسألة الخامسة [*]: فوائد القاعدة وتطبيقاتها

- ‌المبحث الثامنقاعدة التوجه إلى شيء أو إلى جهة بقصد القربة وحصول الثواب عبادة

- ‌ توطئة

- ‌ المسألة الأولى * شرح ألفاظ القاعدة

- ‌معنى التوجه لغة وشرعًا:

- ‌تمهيد في أحوال التوجه والاستقبال:

- ‌ المسألة الثانية* معنى القاعدة

- ‌ المسألة الثالثة * أدلة القاعدة

- ‌ المسألة الرابعة* أقوال العلماء في تقرير معنى القاعدة

- ‌ المسألة الخامسة* فوائد القاعدة وتطبيقاتها

- ‌الفصل الثانيالقواعد المتعلقةبحقيقة العبادة وضابطها

- ‌المبحث الأولقاعدة العبادة لا تسمى عيادة في حكم الشرع إلا مع التوحيد

- ‌ المسألة الأولى* معنى القاعدة

- ‌ المسألة الثانية* أدلة القاعدة

- ‌ المسألة الثالثة * أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة

- ‌ المسألة الرابعة* فوائد القاعدة وتطبيقاتها

- ‌المبحث الثانيقاعدة مناط العبادة غاية الحب مع غاية الذل ولا تنفع عبادة بواحد دون الآخر

- ‌ المسألة الأولى* شرح معاني مفردات القاعدة

- ‌معنى العبادة:

- ‌ المسألة الثانية * بيان معنى القاعدة

- ‌ المسألة الثالثة* أدلة القاعدة

- ‌ المسألة الرابعة* أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة

- ‌ المسألة الخامسة* فوائد القاعدة وتطبيقاتها

- ‌المبحث الثالثقاعدة صلاح الأعمال بصلاح النيات وكل عمل تابع لنية عامله وقصده

- ‌ المسألة الأولى * شرح معاني مفردات القاعدة

- ‌معنى النية لغة وشرعًا:

- ‌ المسألة الثانية*بيان معنى القاعدة

- ‌ المسألة الثالثة * أدلة القاعدة

- ‌ المسألة الرابعة* أقوال العلماء في تقرير معنى القاعدة

- ‌ المسألة الخامسة* فوائد القاعدة وتطبيقاتها

- ‌الفصل الثالثالقواعد المتعلقة بأنواع التوحيد

- ‌المبحث الأولقاعدة أنواع التوحيد وأضدادها متلازمة لا ينفك أحدها عن الآخر

- ‌ المسألة الأولى * شرح معاني مفردات القاعدة

- ‌بيان معنى التلازم في القاعدة:

- ‌ المسألة الثانية* بيان معنى القاعدة

- ‌ المسألة الثالثة* أدلة القاعدة

- ‌ المسألة الرابعة* أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة

- ‌ المسألة الخامسة * فوائد القاعدة وتطبيقاتها

- ‌المبحث الثانيقاعدة توحيد الربوبية لا يصير الإنسان به مسلمًا حتى يأتي بأنواع التوحيد الأخرى

- ‌ المسألة الأولى* معنى القاعدة

- ‌ المسألة الثانية * أدلة القاعدة

- ‌ المسألة الثالثة* أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة

- ‌ المسألة الرابعة * فوائد القاعدة وتطبيقاتها

- ‌المبحث الثالثقاعدة توحيد الربوبية أقرت به الخلائق مؤمنها وكافرها ولم ينكره إلا الشذاذ من العالم

- ‌ المسألة الأولى* بيان بعض ألفاظ القاعدة

- ‌معنى توحيد الربوبية:

- ‌ المسألة الثانية* معنى القاعدة

- ‌ المسألة الثالثة* أدلة القاعدة

- ‌ المسألة الرابعة* أقوال العلماء في تقرير معنى القاعدة

- ‌ المسألة الخامسة* فوائد القاعدة وتطبيقاتها

- ‌المبحث الرابعقاعدة الربوبية والألوهية مفهومان متغايران فإذا اقترنا افترقا وإذا افترقا اقترنا

- ‌ المسألة الأولى* شرح ألفاظ القاعدة

- ‌بيان معنى الرب والاله في القاعدة:

- ‌أما الألوهية:

- ‌ المسألة الثانية* بيان معنى القاعدة

- ‌ المسألة الثالثة* أدلة القاعدة

- ‌ المسألة الرابعة* أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة

- ‌ المسألة الخامسة* فوائد القاعدة وتطبيقاتها

- ‌الفصل الرابعالقواعد المتعلقة بأصل التوحيد

- ‌المبحث الأولقاعدةأصل الإيمان وقاعدته التي عليها مدار أعمال العباد هو تحقيق معنى الشهادتين قولًا وعملًا وعقيدة

- ‌ المسألة الأولى * معنى القاعدة

- ‌ المسألة الثانية * أدلة القاعدة

- ‌القسم الأول:

- ‌القسم الثاني:

- ‌القسم الثالث:

- ‌القسم الرابع:

- ‌ المسألة الثالثة * أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة

- ‌ المسألة الرابعة * فوائد القاعدة وتطبيقاتها

- ‌المبحث الثانيقاعدة شهادة أن لا إله إلا الله مشتملة على النفي والإثبات

- ‌ المسألة الأولى * شرح مفردات القاعدة

- ‌ المسألة الثانية * معنى القاعدة

- ‌ المسألة الثالثة * أدلة القاعدة

- ‌ المسألة الرابعة * أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة

- ‌ المسألة الخامسة * فوائد القاعدة وتطبيقاتها

- ‌المبحث الثالثقاعدة الكفر بالطاغوت ركن التوحيد

- ‌ المسألة الأولى * شرح ألفاظ القاعدة

- ‌معنى الطاغوت:

- ‌ المسألة الثانية * معنى القاعدة

- ‌ المسألة الثالثة * أدلة القاعدة

- ‌ المسألة الرابعة * أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة

- ‌ المسألة الخامسة * فوائد القاعدة وتطبيقاتها

- ‌المبحث الرابعقاعدة محبة الله هي أصل الدين والمحبة فيه أو له تبع لمحبته والمحبة معه تضاده وتناقضه

- ‌ المسألة الأولى * شرح معاني مفردات القاعدة

- ‌معنى المحبة:

- ‌ المسألة الثانية * معنى القاعدة

- ‌ المسألة الثالثة * أدلة القاعدة

- ‌ المسألة الرابعة * أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة

- ‌ المسألة الخامسة * فوائد القاعدة وتطبيقاتها

- ‌المبحث الخامسقاعدة الحنيفية من موجبات الفطرة ومقتضياتها

- ‌ المسألة الأولى * شرح ألفاظ القاعدة

- ‌أولًا: معنى الحنيفية:

- ‌ثانيًا: معنى الفطرة:

- ‌ثالثًا: معنى المُوْجَبِ والمُقْتَضى:

- ‌ المسألة الثانية * معنى القاعدة

- ‌ المسألة الثالثة * أدلة القاعدة

- ‌ المسألة الرابعة * أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة

- ‌ المسألة الخامسة * فوائد القاعدة وتطبيقاتها

الفصل: ‌ المسألة الثانية* أدلة القاعدة

والقاعدة نصت على أن العبادة -التي أمر الله بها- لا تسمى عبادةً إلا مع توحيده تعالى، فلا تصح عبادة مع الشرك، ولا يوصف أحد بأنه عَبَدَ الله تعالى إلا من حقق التوحيد، وأفرد الله تعالى بالعبادة، فمن عَبَده وأشرك معه غَيْرَه فليس عبدًا لله

(1)

.

وبذلك يتضح لنا تفسير -من فسر من السلف- العبادة بالتوحيد، إذ هو أعظم المقصود، وأجلُّ الغايات، كما أنه ركن في جميع العبادات لا تنفك عبادة شرعية عنه بحال من الأحوال مهما كان.

فالتجرد من الشرك لا بد منه في العبادة، وإلا فلا يكون العبد آتيًا بعبادة الله، بل مشرك، حتى يفرد الله بالعبادة ويتجرد من الشرك، ويعبده سبحانه وحده دون من سواه

(2)

.

ولا يعني ذلك أن من عَبَدَ مع الله غيره وأشرك في عبادته ليس فاعلًا للعبادة اللغوية، بل هي واقعة منه لغة؛ لأنَّها في اللغة من الذل والتطامن والخضوع، والمقصود من القاعدة العبادة الشرعية؛ أي: أن فعله لا يسمى عبادة شرعًا.

*‌

‌ المسألة الثانية* أدلة القاعدة

من أدلة القاعدة ما يأتي:

1 -

من المعلوم أن النصوص الشرعية قد دلت على أنه لا اعتبار للأعمال والعبادات في ميزان الشرع بدون توحيده سبحانه وتعالى، وأن من عبد الله وكان متلبسًا بالشرك فإن عبادته هباء منثور، ذاهبة أدراج الرياح، وهدر لا خير فيها، وما دام الأمر كذلك فهي خارجة عن كونها عبادة لله تعالى لفقدها لأعظم أركانها، وأكبر شروطها ألا وهو توحيد الله تعالى وإفراده

(1)

انظر: تفسير النسفي (4/ 91).

(2)

انظر: تيسير العزيز الحميد (ص 51).

ص: 320

سبحانه بها، فهي صورة بلا مضمون، ومظهر لا حقيقة له.

يقول الله تعالى: {ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (88)} [الأنعام: 88]، وقوله:{مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (17)} [التوبة: 17]، وقال عز وجل:{وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (65)} [الزمر: 65].

قال أهل العلم في معنى ذلك: أي: بطلت أعمالهم الصالحة في الدنيا والآخرة فلا اعتداد بها ولا ثواب عليها

(1)

.

يقول الإمام ابن تيمية رحمه الله في بيان استحالة عمارة المشركين للمساجد: "فبيَّن الله تعالى أن المشركين ما كان لهم عمارة مساجد الله مع شهادتهم على أنفسهم بالكفر، وبيَّن إنما يعمرها من آمن بالله، واليوم الآخر، وأقام الصلاة، وآتى الزكاة، ولم يخش إلا الله، وهذه صفة أهل التوحيد وإخلاص الدين لله، الذين لا يخشون إلا الله، ولا يرجون سواه، ولا يستعينون إلا به، ولا يدعون إلا إياه"

(2)

.

أما أهل الشرك والتنديد فلا إخلاص لهم ولا توحيد، فلا يعتبرون من عمارها أبدًا وإن أقاموا فيها الليل والنهار.

ويقول الشيخ سليمان آل الشيخ رحمه الله: "لا تصح الأعمال إلا به -يقصد التوحيد-، فهو أصلها الذي تبنى عليه، ومتى لم يوجد لم ينفع العمل، بل هو حابط؛ إذ لا تصح العبادة مع الشرك"

(3)

.

وإذا لم تكن العبادة صحيحة -لفقدها لأعظم أركانها- خرجت عن حقيقتها الشرعية، فلا تسمى عبادة شرعًا.

(1)

تفسير الجلالين (ص 46).

(2)

مجموع الفتاوى (17/ 499).

(3)

تيسير العزيز الحميد (ص 96).

ص: 321

2 -

أن الله تعالى نفى عن المشركين العبادة، ونفى أن يكونوا من العابدين لله سبحانه وتعالى، فقال عز وجل:{وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (3)} [الكافرون: 3] مع عبادتم لله تعالى، وربما أخلصوا الدعاء في أوقات الشدة، ولكن لما كانت تلك العبادة مشوبة بالشرك بالله العظيم، وكانت فاقدة لأعظم أركانها -وهو توحيده سبحانه- نفيت عنهم العبادة، ونفي وصفهم بأنهم من العابدين لله تعالى.

يقول الإمام ابن تيمية في بيان معنى الآية: "قوله: {وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (5)} نفى عنهم عبادة معبوده، فهم إذا عبدوا الله مشركين به لم يكونوا عابدين معبوده، وكذلك هو إذا عبده مخلصًا له الدين لم يكن عابدًا معبودهم"

(1)

.

ويقول الإمام عبد العزيز بن باز رحمه الله في بيان الفروق بين الطاعة والعبادة: "ومما يزيد الأمر وضوحًا أن من أطاع الله في بعض الأمور وهو متلبس بالشرك يستحق أن تنفى عنه العبادة، كما قال الله سبحانه في حق المشركين: {وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (3)} [الكافرون: 3]، فنفى عنهم العبادة من أجل شركهم، ومعلوم أنهم يعبدون الله في الشدة بالتوحيد، وبالحج والعمرة، وبالصدقات في بعض الأحيان، ونحو ذلك، ولكن لما كانت هذه العبادة مشوبة بالشرك في الرخاء، وعدم الإيمان بالآخرة، إلى غير ذلك من أنواع الكفر جاز أن تنفى عن أصحابها"

(2)

.

3 -

يبيّن ذلك وصفه سبحانه لـ "عبادة المشركين" بأنها عبادة من دونه وعبادة لغيره مع تلبسهم بعبادته عز وجل، وتقربهم بشركهم وشركائهم إليه سبحانه رجاء القربة والشفاعة، ولكن لما كانت عبادتهم لله مختلطة

(1)

مجموع الفتاوى (16/ 600).

(2)

فتاوى ومقالات متنوعة لابن باز (5/ 18).

ص: 322

بالشرك به سبحانه وصفها الله بأنها عبادة من دونه وعبادة لغيره، ومن تلك الأدلة ما يأتي: يقول سبحانه: {قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (76)} [المائدة: 76]، وقال عز وجل:{وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (18)} [يونس: 18]، وقال تعالى:{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (165)} [البقرة: 165]، ولذلك استنكر عليهم النبي صلى الله عليه وسلم طلبهم منه أن يعبد آلهتهم، كما حكى الله ذلك بقوله:{قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (64)} [الزمر: 64]، مع أنهم لم يطلبوا منه أن يترك عبادة الله سبحانه وتعالى، ولكن لما كانت عبادته عز وجل المطلقة لا تتحقق إلا بترك الشرك مطلقًا، كان من عَبَدَ الله بهذه الحالة الشركية عابدًا لغيره.

4 -

ومما يزيد الأمر بيانًا ووضوحًا أيضًا أن الله تعالى أمر المشركين بعبادته سبحانه وحده دون من سواه، وأرسل جميع رسله بدعوتهم إلى عبادته هافراده بالتوحيد، بل عاب وتوعَّد من ترك عبادته وعَبَدَ غيره، كل ذلك مع أن المشركين كانوا يعبدون الله تعالى، بل ربما أخلصوا له العبادة وقت الشدة، فلو كان ما قاموا به عبادة شرعية لما أمرهم الله بها، وتوعدهم على تركها، ولما أرسل رسله بالأمر بها والجهاد في سبيلها.

ومن ذلك قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21)} [البقرة: 21]، وقوله عز وجل:{وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ} [المائدة: 72]، وقوله سبحانه: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى

ص: 323

قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (59)} [الأعراف: 59]، وقوله:{وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36]، وقوله:{فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (3)} [قريش: 3]، والآيات في هذا الباب يصعب حصرها إلا بجهد الأنفس.

5 -

ومما يدل على معنى القاعدة قوله تعالى: {أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (133)} [البقرة: 133]، فهنا قالوا:(نعبد إلهك وإله آبائك)، ثم قالوا:(إلهًا واحدًا) فهذا بدل من الأول في أظهر الوجهين؛ فإن النكرة تبدل من المعرفة، فقالوا:(نعبد إلهك)، فعرفوه ثم قا لوا:(إلهًا واحدًا) فوصفوه، والبدل في الحكم تكرير العامل أحيانًا، فالتقدير: نعبد إلهك نعبد إلهًا واحدًا ونحن له مسلمون، فجمعوا بين الخبرين بأمرين؛ بأنهم يعبدون إلهه، وأنهم إنما يعبدون إلهًا واحدًا، فمن عَبَدَ إلهين لم يكن عابدًا لإلهه وإله آبائه، وإنما يعبد إلهه من عبد إلهًا واحدًا، ولو كان من عبد الله وعبد معه غيره عابدًا له لكانت عبادته نوعين؛ عبادة إشراك، وعبادة إخلاص

(1)

.

6 -

أن العبادة من الألفاظ الشرعية التي جاء الشرع بتخصيصها عن مدلولها اللغوي إلى حقيقتها الشرعية، مشتملة على أركان وشروط شرعية، ومن المقرر أن الْحَقِيقَةَ الشَّرْعِيَّةَ تَنْتَفِي بِانْتِفاءِ رُكْنِهَا أَوْ شَرْطِهَا

(2)

، ولا شك أن التوحيد وإفراد الله بالعبادة هو ركنها الأعظم، وأساسها الذي لا قوام لها بدونه.

(1)

انظر: مجموع الفتاوى (16/ 574).

(2)

انظر: البحر المحيط في أصول الفقه (1/ 526).

ص: 324