المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ المسألة الخامسة * فوائد القاعدة وتطبيقاتها - القواعد في توحيد العبادة - جـ ١

[محمد بن عبد الله باجسير]

فهرس الكتاب

- ‌المُقَدِّمَة

- ‌أهمية الموضوع:

- ‌خطة البحث

- ‌المنهج المتبع في هذا البحث

- ‌مشاكل البحث وصعوباته:

- ‌شكر وتقدير:

- ‌التمهيد

- ‌المبحث الأول القاعدة لغة واصطلاحًا

- ‌المطلب الأول: القاعدة لغة

- ‌ المطلب الثاني * القاعدة اصطلاحًا

- ‌ المطلب الثالث * بيان العلاقة بين القاعدة والضابط والأصل

- ‌المبحث الثاني أهمية القواعد وأثرها في العلوم

- ‌المبحث الثالث التقعيد ومنهج العلماء فيه

- ‌المبحث الرابع توحيد العبادة ومنزلته الشرعية

- ‌المطلب الأول: معناه وحقيقته

- ‌ المطلب الثاني * أهميته ومنزلته من الدين

- ‌ المطلب الثالث* أدلته

- ‌ المطلب الرابع* أسماؤه وإطلاقاته

- ‌أ - توحيد الطلب والقصد:

- ‌ب - توحيد الارادة والطلب:

- ‌ج - توحيد الشرع والقدر:

- ‌د - التوحيد العملي الإرادي، أو العملي القصدي:

- ‌هـ - توحيد الإلهية أو الألوهية أو العبادة:

- ‌الباب الأول القواعد المتعلقة بتوحيد العبادة

- ‌الفصل الأول القواعد العامة في توحيد العبادة

- ‌المبحث الأول قاعدة دين الأنبياء واحد هو الإسلام

- ‌ المسألة الأولى * شرح ألفاظ القاعدة

- ‌ المسألة الثانية* بيان معنى القاعدة

- ‌ المسألة الثالثة* أدلة القاعدة

- ‌ المسألة الرابعة * أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة

- ‌ المسألة الخامسة * فوائد القاعدة وتطبيقاتها

- ‌المبحث الثانيقاعدة الشرع مبناه على تكميل أديان الخلق وعلى تكميل عقولهم

- ‌ المسألة الأولى * شرح ألفاظ القاعدة

- ‌أولًا: الشرع:

- ‌ثانيًا: العقل:

- ‌ المسألة الثانية * بيان معنى القاعدة

- ‌ المسألة الثالثة * أدلة القاعدة

- ‌ المسألة الرابعة * أقوال العلماء في تقرير معنى القاعدة

- ‌ المسألة الخامسة * فوائد القاعدة وتطبيقاتها

- ‌المبحث الثالثقاعدةالدين قد كَمُلَ بيانه في أصوله وفروعه باطنه وظاهره علمه وعمله

- ‌ المسألة الأولى * معنى القاعدة

- ‌ المسألة الثانية * أدلة القاعدة

- ‌ المسألة الثالثة * أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة

- ‌ المسألة الرابعة * فوائد القاعدة وتطبيقاتها

- ‌المبحث الرابعقاعدة العبادة هي الغاية التي خلق الله لها الخلق من جهة أمره ومحبته ورضاه

- ‌ المسألة الأولى* شرح ألفاظ القاعدة

- ‌ المسألة الثانية * معنى القاعدة

- ‌ المسألة الثالثة* أدلة القاعدة

- ‌ المسألة الرابعة* أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة

- ‌ المسألة الخامسة * فوائد القاعدة وتطبيقاتها

- ‌المبحث الخامسقاعدة ليس في الشريعة بقعة تقصد للعبادة لذاتها إلا المساجد ومشاعر الحج

- ‌ المسألة الأولى * معنى القاعدة

- ‌ المسألة الثانية * أدلة القاعدة

- ‌ المسألة الثالثة * أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة

- ‌ المسألة الرابعة * فوائد القاعدة وتطبيقاتها

- ‌المبحث السادسقاعدة النزاع بين الرسل وأقوامهم إنما كان في إفراد الله بالعبادة وترك عبادة ما سواه

- ‌ المسألة الأولى * معنى القاعدة

- ‌ المسألة الثانية * أدلة القاعدة

- ‌ المسألة الثالثة * أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة

- ‌ المسألة الرابعة * فوائد القاعدة وتطبيقاتها

- ‌المبحث السابعقاعدة البركة لله وصفًا وملكًا وفعلًا وكل بركة في الكون فمن آثار بركته سبحانه

- ‌ المسألة الأولى * شرح بعض ألفاظ القاعدة

- ‌ المسألة الثانية * معنى القاعدة

- ‌ المسألة الثالثة * أدلة القاعدة

- ‌ المسألة الرابعة * أقوال أهل العلم في اعتماد القاعدة

- ‌ المسألة الخامسة [*]: فوائد القاعدة وتطبيقاتها

- ‌المبحث الثامنقاعدة التوجه إلى شيء أو إلى جهة بقصد القربة وحصول الثواب عبادة

- ‌ توطئة

- ‌ المسألة الأولى * شرح ألفاظ القاعدة

- ‌معنى التوجه لغة وشرعًا:

- ‌تمهيد في أحوال التوجه والاستقبال:

- ‌ المسألة الثانية* معنى القاعدة

- ‌ المسألة الثالثة * أدلة القاعدة

- ‌ المسألة الرابعة* أقوال العلماء في تقرير معنى القاعدة

- ‌ المسألة الخامسة* فوائد القاعدة وتطبيقاتها

- ‌الفصل الثانيالقواعد المتعلقةبحقيقة العبادة وضابطها

- ‌المبحث الأولقاعدة العبادة لا تسمى عيادة في حكم الشرع إلا مع التوحيد

- ‌ المسألة الأولى* معنى القاعدة

- ‌ المسألة الثانية* أدلة القاعدة

- ‌ المسألة الثالثة * أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة

- ‌ المسألة الرابعة* فوائد القاعدة وتطبيقاتها

- ‌المبحث الثانيقاعدة مناط العبادة غاية الحب مع غاية الذل ولا تنفع عبادة بواحد دون الآخر

- ‌ المسألة الأولى* شرح معاني مفردات القاعدة

- ‌معنى العبادة:

- ‌ المسألة الثانية * بيان معنى القاعدة

- ‌ المسألة الثالثة* أدلة القاعدة

- ‌ المسألة الرابعة* أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة

- ‌ المسألة الخامسة* فوائد القاعدة وتطبيقاتها

- ‌المبحث الثالثقاعدة صلاح الأعمال بصلاح النيات وكل عمل تابع لنية عامله وقصده

- ‌ المسألة الأولى * شرح معاني مفردات القاعدة

- ‌معنى النية لغة وشرعًا:

- ‌ المسألة الثانية*بيان معنى القاعدة

- ‌ المسألة الثالثة * أدلة القاعدة

- ‌ المسألة الرابعة* أقوال العلماء في تقرير معنى القاعدة

- ‌ المسألة الخامسة* فوائد القاعدة وتطبيقاتها

- ‌الفصل الثالثالقواعد المتعلقة بأنواع التوحيد

- ‌المبحث الأولقاعدة أنواع التوحيد وأضدادها متلازمة لا ينفك أحدها عن الآخر

- ‌ المسألة الأولى * شرح معاني مفردات القاعدة

- ‌بيان معنى التلازم في القاعدة:

- ‌ المسألة الثانية* بيان معنى القاعدة

- ‌ المسألة الثالثة* أدلة القاعدة

- ‌ المسألة الرابعة* أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة

- ‌ المسألة الخامسة * فوائد القاعدة وتطبيقاتها

- ‌المبحث الثانيقاعدة توحيد الربوبية لا يصير الإنسان به مسلمًا حتى يأتي بأنواع التوحيد الأخرى

- ‌ المسألة الأولى* معنى القاعدة

- ‌ المسألة الثانية * أدلة القاعدة

- ‌ المسألة الثالثة* أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة

- ‌ المسألة الرابعة * فوائد القاعدة وتطبيقاتها

- ‌المبحث الثالثقاعدة توحيد الربوبية أقرت به الخلائق مؤمنها وكافرها ولم ينكره إلا الشذاذ من العالم

- ‌ المسألة الأولى* بيان بعض ألفاظ القاعدة

- ‌معنى توحيد الربوبية:

- ‌ المسألة الثانية* معنى القاعدة

- ‌ المسألة الثالثة* أدلة القاعدة

- ‌ المسألة الرابعة* أقوال العلماء في تقرير معنى القاعدة

- ‌ المسألة الخامسة* فوائد القاعدة وتطبيقاتها

- ‌المبحث الرابعقاعدة الربوبية والألوهية مفهومان متغايران فإذا اقترنا افترقا وإذا افترقا اقترنا

- ‌ المسألة الأولى* شرح ألفاظ القاعدة

- ‌بيان معنى الرب والاله في القاعدة:

- ‌أما الألوهية:

- ‌ المسألة الثانية* بيان معنى القاعدة

- ‌ المسألة الثالثة* أدلة القاعدة

- ‌ المسألة الرابعة* أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة

- ‌ المسألة الخامسة* فوائد القاعدة وتطبيقاتها

- ‌الفصل الرابعالقواعد المتعلقة بأصل التوحيد

- ‌المبحث الأولقاعدةأصل الإيمان وقاعدته التي عليها مدار أعمال العباد هو تحقيق معنى الشهادتين قولًا وعملًا وعقيدة

- ‌ المسألة الأولى * معنى القاعدة

- ‌ المسألة الثانية * أدلة القاعدة

- ‌القسم الأول:

- ‌القسم الثاني:

- ‌القسم الثالث:

- ‌القسم الرابع:

- ‌ المسألة الثالثة * أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة

- ‌ المسألة الرابعة * فوائد القاعدة وتطبيقاتها

- ‌المبحث الثانيقاعدة شهادة أن لا إله إلا الله مشتملة على النفي والإثبات

- ‌ المسألة الأولى * شرح مفردات القاعدة

- ‌ المسألة الثانية * معنى القاعدة

- ‌ المسألة الثالثة * أدلة القاعدة

- ‌ المسألة الرابعة * أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة

- ‌ المسألة الخامسة * فوائد القاعدة وتطبيقاتها

- ‌المبحث الثالثقاعدة الكفر بالطاغوت ركن التوحيد

- ‌ المسألة الأولى * شرح ألفاظ القاعدة

- ‌معنى الطاغوت:

- ‌ المسألة الثانية * معنى القاعدة

- ‌ المسألة الثالثة * أدلة القاعدة

- ‌ المسألة الرابعة * أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة

- ‌ المسألة الخامسة * فوائد القاعدة وتطبيقاتها

- ‌المبحث الرابعقاعدة محبة الله هي أصل الدين والمحبة فيه أو له تبع لمحبته والمحبة معه تضاده وتناقضه

- ‌ المسألة الأولى * شرح معاني مفردات القاعدة

- ‌معنى المحبة:

- ‌ المسألة الثانية * معنى القاعدة

- ‌ المسألة الثالثة * أدلة القاعدة

- ‌ المسألة الرابعة * أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة

- ‌ المسألة الخامسة * فوائد القاعدة وتطبيقاتها

- ‌المبحث الخامسقاعدة الحنيفية من موجبات الفطرة ومقتضياتها

- ‌ المسألة الأولى * شرح ألفاظ القاعدة

- ‌أولًا: معنى الحنيفية:

- ‌ثانيًا: معنى الفطرة:

- ‌ثالثًا: معنى المُوْجَبِ والمُقْتَضى:

- ‌ المسألة الثانية * معنى القاعدة

- ‌ المسألة الثالثة * أدلة القاعدة

- ‌ المسألة الرابعة * أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة

- ‌ المسألة الخامسة * فوائد القاعدة وتطبيقاتها

الفصل: ‌ المسألة الخامسة * فوائد القاعدة وتطبيقاتها

ما يقتضي أن يقوم بأمر الله بإصلاح هذا الولد صارت عبادة.

وكذلك المحبة الطبيعية، كالأكل والشرب والملبس والمسكن إذا قصد بها الاستعانة على عبادة صارت عبادة، ولهذا (حبب للنبي صلى الله عليه وسلم النساء والطيب) من هذه الدنيا، فحبب إليه النساء، لأن ذلك مقتضى الطبيعية، ولما يترتب عليه من المصالح العظيمة، وحبب إليه الطيب؛ لأنه ينشط النفس ويريحها ويشرح الصدر، ولأن الطيبات للطيبين والله طيب لا يقبل إلا طيبًا.

فهذه الأشياء إذا اتخذها الإنسان بقصد العبادة صارت عبادة، قال النبي صلى الله عليه وسلم:"إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى"

(1)

، وقال العلماء: إن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وقالوا: الوسائل لها أحكام المقاصد، وهذا أمر متفق عليه"

(2)

.

*‌

‌ المسألة الخامسة * فوائد القاعدة وتطبيقاتها

لا يخفى بما سبق ذكره من مسائل: أهمية هذه القاعدة العظيمة التي بيَّنت أصل الدين، وأساس الملة الحنيفية، وفرَّقت بين أصول التوحيد وأصول الشرك، وبعد تأمّل أقوال أهل العلم في هذا الباب يمكننا استخراج العديد من الفوائد والتطبيقات من خلال القاعدة، ومن ذلك ما يلي:

أولًا: دلت القاعدة على إثبات المحبة الحقيقية للرب تعالى، وهذا هو اعتقاد أهل السُّنَّة والجماعة، وهو الذي دلت عليه نصوص القرآن الكريم والسُّنَّة المطهرة؛ أي: كون الله يُحِب ويُحَب حقيقة، فهو يُحِب

(1)

انظر: تخريج الحديث (ص 368).

(2)

القول المفيد شرح كتاب التوحيد (2/ 44 - 46).

ص: 592

نفسه تبارك وتعالى، ويحب عباده المؤمنين، ويحب جميع ما أمر به عباده المخلصين، كما أن أهل الإيمان يحبونه سبحانه وتعالى، فالقاعدة أثبتت المحبة في قلوب المؤمنين لربهم عز وجل، وأنها أصل جميع الأعمال الإيمانية، وفي ذلك إبطال لأقوال أهل البدعة والفرقة الذين تجرؤوا على الله تعالى، وتجاسروا على نصوص الشريعة فأنكروا حقيقة المحبة وأوَّلوها بتأويلات باطلة خالفوا بها نصوص القرآن الصريحة والسُّنَّة النبوية الشريفة

(1)

.

يقول الإمام ابن تيمية في بيان أقوال الطوائف في مسألة المحبة: "وقد بسطنا في غير هذا الموضع الكلام في محبة الله، وذكرنا أن للناس في هذا الأصل العظيم ثلاثة أقوال؛ أحدها: أن الله تعالى يُحِب ويُحَب كما قال تعالى: {فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [المائدة: 54] فهو المستحق أن يكون له كمال المحبة دون ما سواه، وهو سبحانه يُحِب ما أمر به ويُحِب عباده المؤمنين، وهذا قول سلف الأمة وأئمتها، وهذا قول أئمة شيوخ المعرفة.

والقول الثاني: أنه يستحق أن يُحَب لكنه لا يُحِب إلا بمعنى أن

(1)

وأول من أظهر ذلك في الإسلام في أوائل المائة الثانية فأنكر المحبة الحقيقية لله تعالى هو الجعد بن درهم شيخ الجهم بن صفوان، فضحى به خالد بن عبد الله القسري بواسط على عهد علماء التابعين وغيرهم من علماء المسلمين مثل الحسن البصري وغيره الذين حمدوه على ما فعل وشكروا له ذلك فقال: أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم فإني مضح بالجعد بن درهم إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا، ولم يكلم موسى تكليمًا -تعالى الله عما يقول الجعد علوًا كبيرًا- ثم نزل فذبحه، وأخذ هذه المقالة عنه جهم ابن صفوان وقتله بخراسان سلمة بن أحوز، وإليه نسبت هذه المقالة التي تسمى مقالة الجهمية. [انظر: مجموع الفتاوى (2/ 354)، (10/ 66)، (12/ 350)، (12/ 503)]، يقول الإمام عثمان بن سعيد الدارمي في رده على بشر المريسي:"فكان أول من أظهره في آخر الزمان الجعد بن درهم بالبصرة وجهم بخراسان فقتلهما الله بشر قتلة، وفطن الناس لكفرهما، حتى كان سبيل من أظهر ذلك في الإسلام القتل صبرًا حتى كانوا يسمونهم بذلك الزنادقة". [نقض الإمام أبي سعيد عثمان بن سعيد (1/ 530 - 531)].

ص: 593

يريد، وهذا قول كثير من المتكلمين ومن وافقهم من الصوفية.

والثالث: أنه لا يُحِب ولا يُحَب وإنما محبة العباد له إرادتهم طاعته، وهذا قول الجهمية ومن وافقهم من متأخري أهل الكلام"

(1)

.

ويقول رحمه الله: "وقد أجمع سلف الأمة وأئمتها على إثبات محبة الله تعالى لعباده المؤمنين، ومحبتهم له، وهذا أصل دين الخليل إمام الحنفاء عليه السلام"

(2)

.

ثانياً: فرَّقت القاعدة بين محبة الله تعالى ومحبة غيره، فمحبته سبحانه وتعالى لا يشترك معه أحد من الناس فيها مهما كانت مكانته ومنزلته، فهي محبة خاصة بالرب تبارك وتعالى، ولذا كان التعبير عن محبة الله -في الغالب- يأتي بما يختص بالله تعالى دون غيره كلفظ العبادة والإنابة والتبتل والاستكانة والتوبة فإن جميعها متضمن لمحبة الله تعالى.

يقول الإمام ابن تيمية: "واسم المحبة فيه إطلاق وعموم؛ فإن المؤمن يحب الله، ويحب رسله، وأنبياءه، وعباده المؤمنين، وإن كان ذلك من محبة الله، وإن كانت المحبة التي لله لا يستحقها غيره؛ ولهذا جاءت محبة الله سبحانه وتعالى مذكورة بما يختص به سبحانه من العبادة، والإنابة إليه، والتبتل له، ونحو ذلك، فكل هذه الأسماء تتضمن محبة الله سبحانه وتعالى"

(3)

.

ثالثاً: المقارنة -مع عظم الفارق- بين محبة المؤمنين لربهم سبحانه وبين محبة المشركين لأوثانهم وأندادهم، وكون الأولى أشد وأقوى وأثبت وأعظم من الثانية، فمن ذلك:

أن محبة المؤمنين متصلة بالله تعالى لا تنقطع أبداً ما داموا على الإيمان والتوحيد، بخلاف محبة الأنداد فإنها لأغراض فاسدة موهومة

(1)

شرح العقيدة الأصفهانية (ص 27)، وانظر للرد على من تأوَّل محبة الله تعالى: مجموع الفتاوى (8/ 142)، و (8/ 357)، وأقاويل الثقات (ص 77 - 78).

(2)

مجموع الفتاوى (2/ 354).

(3)

مجموع الفتاوى (10/ 56 - 57).

ص: 594

تزول بأدنى سبب؛ ولذلك كانوا يعدلون عن اَلهتهم إلى الله تعالى عند الشدائد، ويعبدون الصنم زمانًا ثم يرفضونه إلى غيره

(1)

.

كما أن محبة المؤمنين لربهم سبحانه وتعالى ثابتة لا تتزعزع؛ لأنهم على يقين من ربهم، قد عرفوه بأسمائه وصفاته وأفعاله، بلا شك ولا ريب، فأيقنت قلوبهم بذلك واطمأنت به، فلا يختارون على الله ما سواه، والمشركون إذا اتخذوا صنمًا ثم رأوا أحسن منه طرحوا الأول واختاروا الثاني

(2)

.

رابعًا: من خلال القاعدة يمكن تقسيم المحبة الدينية الشرعية إلى قسمين:

القسم الأول: محبة هي ركن الحب وأصل الدين وأساس الإسلام، وأعظمها محبة الرب تبارك وتعالى الناشئة عن معرفة ذاته المقدسة، وأسمائه الحسنى، وصفاته المجيدة، وأفعاله الحميدة، وأقداره الحكيمة.

ثم محبة رسوله صلى الله عليه وسلم محبة تابعة ولازمة لمحبة مرسلة وهذه ناشئة عن التصديق بكونه رسولًا نبيًا أرسله الله تعالى، وبما اتصف به عليه السلام من صفات الكمال البشري، وبما جاء به من التنزيل والقرآن، كما أنه يدخل في ذلك محبة جميع ما أنزل على الرسول صلى الله عليه وسلم مما يتعلق بهذا الأصل فيحب الإيمان ويبغض الكفر، وهذه كالقاعدة التي تنبني عليها جميع شرائع الإسلام وجميع المحاب الدينية الشرعية.

القسم الثاني: محبة هي كمال في الدين وهذه على نوعين:

الأول: محبة هي كمال واجب وفرض لازم على كل مسلم، وهي

(1)

انظر: تفسير البيضاوي (1/ 441).

(2)

انظر: تفسير الطبري (25/ 150)، تفسير السمعاني (1/ 164)، وتفسير البغوي (1/ 136).

ص: 595

تتضمن محبة جميع الأوامر الدينية الشرعية محبة تامة والقيام بها، وبغض جميع ما نهى عنه الرب تبارك وتعالى أو رسوله الكريم عليه السلام.

الثاني: محبة هي كمال مستحب، وندب وفضيلة، ويتضمن ذلك محبة ما يحبه الله ورسوله من نوافل الطاعات، وفضائل الأعمال، ويدخل في ذلك محبة اتباعه صلى الله عليه وسلم في سننه وآدابه والتخلق بأخلاقه الظاهرة والباطنة.

يقول الإمام ابن تيمية في بيان القسم الثاني من المحبة: "ومحبة الله ورسوله على درجتين: واجبة وهي درجة المقتصدين، ومستحبة وهي درجة السابقين:

فالأولى تقتضي أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما بحيث لا يحب شيئًا يبغضه كما قال تعالى: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [المجادلة: 22]، وذلك يقتضي محبة جميع ما أوجبه الله تعالى، وبغض ما حرَّمه الله تعالى وذلك واجب؛ فإن إرادة الواجبات إرادة تامة تقتضي وجود ما أوجبه كما تقتضي عدم الأشياء التي نهى الله عنها وذلك مستلزم لبغضها التام.

فيجب على كل مؤمن أن يحب ما أحبه الله ويبغض ما أبغضه الله قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (28)} [محمد: 28].

وأما محبة السابقين بأن يحب ما أحبه الله من النوافل والفضائل محبة تامة، وهذه حال المقربين الذين قربهم الله إليه"

(1)

.

فالواجب على كل من وقر الإيمان في قلبه أن يحب ما أحبه الله محبة تامة توجب له الإتيان بما وجب عليه منه، فإن زادت المحبة حتى أتي بما ندب إليه منه كان ذلك فضلًا وسبقًا، وأن يكره ما كرهه الله

(1)

انظر: قاعدة في المحبة (91 - 92)، وفتح الباري (1/ 61).

ص: 596

تعالى كراهة تامة توجب له الكف عما حرم عليه منه، فإن زادت الكراهة حتى أوجبت الكف عما كرهه تنزيهًا كان ذلك فضلًا وسبقًا

(1)

.

سادسًا: دلت القاعدة على أن محبة الرب تعالى هي الأصل، وعليه قرَّر أهل العلم من سلف هذه الأمة وأئمتها: أنه لا يحب لذاته إلا هو سبحانه، وكل من سواه من محبوباته فإنما يحب تبعًا لمحبته عز وجل، فالمحبة الذاتية لا تكون إلا للمعبود الذي يستحق أن يعبد دون ما سواه، فكما أنه لا يكون وجود غيره سبحانه لذاته كذلك لا يحب غيره لذاته

(2)

.

فلا يستحق أن يحب لذاته -محبة مطلقة من كل وجه- إلا الرب العظيم، وهذا هو معنى كونه إلهًا معبودًا ومقصودًا بالتأله.

يقول الإمام ابن تيمية: "بل لا يجوز أن يحب شيء من الموجودات لذاته إلا هو سبحانه وبحمده، فكل محبوب في العالم إنما يجوز أن يحب لغيره لا لذاته، والرب تعالى هو الذي يجب أن يحب لنفسه، وهذا من معاني إلهيته، ولو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا؛ فإن محبة الشيء لذاته شرك، فلا يحب لذاته إلا الله؛ فإن ذلك من خصائص إلهيته، فلا يستحق ذلك إلا الله وحده، وكل محبوب سواه إن لم يحب لأجله، أو لما يحب لأجله فمحبته فاسدة"

(3)

.

ويقول رحمه الله أيضًا: "وقد قررنا في مواضع من القواعد الكبار أنه لا يجوز أن يكون غير الله محبوبًا مرادًا لذاته، كما لا يجوز أن يكون غير الله موجودًا بذاته، بل لا رب إلَّا الله ولا إله إلا هو المعبود الذي يستحق أن يحب لذاته، ويعظم لذاته كمال المحبة والتعظيم"

(4)

.

(1)

انظر: جامع العلوم والحكم (ص 388).

(2)

مجموع الفتاوى (8/ 378)، النبوات (ص 71)، وقاعدة في المحبة (ص 101).

(3)

مجموع الفتاوى (10/ 607).

(4)

المصدر نفسه (10/ 72)، وانظر: قاعدة في المحبة (ص 101).

ص: 597

ويقول ابن القيم: "وليس في الوجود ما يحب لذاته ويحمد لذاته إلا هو سبحانه، وكل ما يُحَب سواه؛ فإن كانت محبته تابعة لمحبته سبحانه بحيث يُحَب لأجله فمحبته صحيحة، وإلا فهي محبة باطلة، وهذا هو حقيقة الإلهية؛ فإن الإله الحق هو الذي يحب لذاته ويحمد لذاته"

(1)

.

فظهر بذلك أن جميع محاب العباد الشرعية تابعة لمحبة ذات الله تبارك وتعالى، بل إن جميع محاب الرب تعالى تابعة في الأصل لمحبته لنفسه عز وجل، إذ محبته سبحانه لنفسه هي أعظم محبوباته، وكل ما أحبه سبحانه سواه فإنما أحبه لمحبته لنفسه عز وجل، وهذا يدل على أن محبة ذات الرب هي أصل جميع المحاب، وأساس جميع الأعمال الإيمانية في هذا الكون.

يقول ابن تيمية: "فلا ثناء من مثنٍ أعظم من ثناء الرب على نفسه، ولا ثناء إلا بحب، ولا حب من محبوب لمحبوب أعظم من محبة الرب لنفسه، وكل ما يحبه من عباده فهو تابع لحبه لنفسه، فهو يحب المقسطين، والمحسنين، والصابرين، والمؤمنين، ويحب التوابين، ويحب المتطهرين، ويفرح بتوبة التائبين، كل ذلك تبعًا لمحبته لنفسه، فإن المؤمن إذا كان يحب ما يحبه من المخلوقات لله، فيكون حبه للرسول والصالحين تبعًا لحبه لله"

(2)

.

وبناء عليه فإن محبة النبي صلى الله عليه وسلم لا تكون لذاته عليه السلام، فإن محبة الشيء لذاته شرك؛ -كما سبق تقرير ذلك- إذ هي من خصائص إلهيته سبحانه وتعالى، ولكن تكون تبع لمحبة الله جل جلاله، وليس في هذا تنقيص له- عليه الصلاة والسلام، ولا غضٌ من مكانته العالية، ومنزلته الرفيعة، بل هذا مما يعظم شأن نبينا ويعلي مكانته عليه السلام.

يقول الإمام ابن تيمية: "ومحبة الرسول هي من محبة الله، فهي

(1)

الفوائد (ص 183).

(2)

منهاج السُّنَّة النبوية (5/ 408).

ص: 598

حب لله وفي الله، ليست محبة محبوب مع الله كالذين قال الله فيهم:{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} [البقرة: 165] "

(1)

.

ويقول أيضًا: "وليس للخلق محبة أعظم ولا أكمل ولا أتم من محبة المؤمنين لربهم، وليس في الوجود ما يستحق أن يحب لذاته -من كل وجه- إلا الله تعالى وكل ما يحب سواه فمحبته تبع لحبه؛ فإن الرسول- عليه الصلاة والسلام إنما يُحَب لأجل الله، ويُطَاع لأجل الله، ويتبع لأجل الله كما قال تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} "

(2)

.

ويقول الإمام ابن القيم: "فإن محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل تقديمه في الحب على الأنفس، وعلى الآباء، والأبناء، لا يتم الإيمان إلا بها، إذ محبته من محبة الله، وكذلك كل حب في الله ولله"

(3)

.

ويقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ: "محبة الرسول صلى الله عليه وسلم واجبة تابعة لمحبة الله لازمة لها، فإنها لله ولأجله، تزيد بزيادة محبة الله في قلب المؤمن وتنقص بنقصها، وكل من كان محبًا لله فإنما يحب في الله ولأجله كما يحب الإيمان والعمل الصالح.

وهذه المحبة ليس فيها شيء من شوائب الشرك؛ كالاعتماد عليه ورجائه في حصول مرغوب منه أو دفع مرهوب منه، وما كان فيها ذلك فمحبته مع الله لما فيها من التعلق على غيره والرغبة إليه من دون الله، فبهذا يحصل التمييز بين المحبة في الله ولأجله، التي هي من كمال التوحيد، وبين المحبة مع الله التي هي محبة الأنداد من دون الله لما يتعلق في قلوب المشركين من الإلهية التي لا تجوز إلا لله وحده"

(4)

.

(1)

الرد على الأخنائي (63).

(2)

مجموع الفتاوى (10/ 649).

(3)

الجواب الكافي (ص 133).

(4)

فتح المجيد شرح كتاب التوحيد (ص 275).

ص: 599

ويقول الشيخ ابن عثيمين: "فمحبة الرسول صلى الله عليه وسلم تابعة لمحبة الله، وتعظيمنا له صلى الله عليه وسلم تابع لتعظيم الله عز وجل وهو دون تعظيم الله؛ ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن نغلو فيه وأن نجعل له حقًا مساويًا لحق الله عز وجل.

والخلاصة: أنه يجب على الإنسان أن يكون تعظيم الله تعالى ومحبته في قلبه أعظم من محبة وتعظيم كل أحد، وأن تكون محبة النبي صلى الله عليه وسلم وتعظيمه في قلبه أعظم من محبة وتعظيم كل مخلوق، وأما أن يساوي بين حق الرسول صلى الله عليه وسلم، وحق الله تعالى فيما يختص الله به فهذا خطأ عظيم"

(1)

.

سابعًا: الأصل المعتبر عند الله تعالى هو المحبة الدينية الشرعية، فهي التي يترتب عليها صحة الإسلام وتمام الإيمان، وعليها يقوم الثواب والعقاب، وذلك بخلاف المحبة الطبيعية، فهي كما سبق لا يترتب عليها ثواب ولا عقاب، ولكن قد تتحول إلى محبة شرعية بحسب نية صاحبها وقصده، وعليه فمن أحب الرسول صلى الله عليه وسلم محبة طبيعية لا يقبل منه حتى يحبه محبة شرعية تابعة لمحبة الرب تعالى.

يقول الحافظ ابن كثير في نصرة أبي طالب للنبي صلى الله عليه وسلم: "ومن عصمة الله لرسوله: حفظه له من أهل مكة وصناديدها وحسادها ومعانديها ومترفيها؛ مع شدة العداوة والبغضة ونصب المحاربة له ليلًا ونهارًا بما يخلقه الله من الأسباب العظيمة بقدرته وحكمته العظيمة، فصانه في ابتداء الرسالة بعمه أبي طالب إذ كان رئيسًا مطاعًا كبيرًا في قريش، وخلق الله في قلبه محبة طبيعية لرسول الله صلى الله عليه وسلم لا شرعية، ولو كان أسلم لاجترأ عليه كفارها وكبارها، ولكن لما كان بينه وبينهم قدر مشترك في الكفر هابوه واحترموه"

(2)

.

(1)

مجموع فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن صالح العثيمين (2/ 304).

(2)

تفسير ابن كثير (2/ 80).

ص: 600

ويقول الشيخ العثيمين في معنى قوله تعالى: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [القصص: 56]: "ويجوز أن يحبه محبة قرابة، ولا ينافي هذا المحبة الشرعية، وقد أُحِبُّ أن يهتدي هذا الإنسان، وإن كنت أبغضه شخصيًا لكفره، ولكن لأني أحب أن الناس يسلكون دين الله"

(1)

.

ويقول ابن الجاج: "فليس الإنسان مكلفًا بأن لا يقع له محبة الشيء، وإنما هو مكلف بأن لا يرضى به وإن كانت نفسه تحبه فيكرهه لكراهية الشرع الشريف"

(2)

.

ثامنًا: كان هدي النبي صلى الله عليه وسلم في جميع محابّه -سواء الدينية أو الطبيعية- أنها تابعة لمحبة خالقه ومرسله سبحانه وتعالى؛ وهذا يدل على عظم محبة النبي صلى الله عليه وسلم لربه، وكمال توحيده وإخلاصه، ورسوخ إيمانه ويقينه، وشدة تعظيمه وإجلاله لربه، وكبير تعلقه به سبحانه، ولذا كان حبه لأبي بكر الصديق رضي الله عنه أكثر من غيره لما علم من محبة الله لأبي بكر، وكذلك عائشة رضي الله عنها كانت أحب نسائه إليه صلى الله عليه وسلم لما كان لها من المنزلة والمكانة عند ربها تبارك وتعالى.

يقول الإمام ابن تيمية: "وأيضًا فالنبي صلى الله عليه وسلم محبته تابعة لمحبة الله، وأبو بكر أحبهم إلى الله تعالى، فهو أحبهم إلى رسوله، وإنما كان كذلك لأنه أتقاهم وأكرمهم، وأكرم الخلق على الله تعالى أتقاهم بالكتاب والسُّنَّة"

(3)

.

ويقول ابن الحاج: "فكان صلى الله عليه وسلم يزيد لكل شخص في المحبة بحسب ما كانت منزلته عند الله تعالى، ليس للنفس فيه حظ، ولا للهوى فيه مطمع، ولا للعادة فيه مدخل"

(4)

.

(1)

القول المفيد على كتاب التوحيد (1/ 349).

(2)

المدخل (1/ 191).

(3)

منهاج السُّنَّة النبوية (7/ 376).

(4)

المدخل لابن الحاج (1/ 173).

ص: 601

وهذا يدل على أن عظم محبته صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها ولأبي بكر الصديق رضي الله عنه إنما هي محبة دينية تابعة لمحبة الله، ولم تكن محبة لمجرد الهوى، أو الطبيعية والجبلة

(1)

.

ولذا يرى بعض أهل العلم أن إخباره صلى الله عليه وسلم بحبه لعائشة وأبي بكر رضي الله عنهما وحيٌ من الله تبارك وتعالى أوحاه إليه ليتحقق بتلك المحبة

(2)

.

كما أنه من الممكن أن تكون محبة النبي صلى الله عليه وسلم الطبيعية تابعة للمحبة الشرعية بحيث يكون تناوله لهذه المحبوبات من باب الإذن من الله والتشريع للأمة كما ذكره بعض أهل العلم.

يقول الإمام الشاطبي: "وأيضًا فإنه لا يلزم من حب الشيء أن يكون مطلوبًا بحظ؛ لأن الحب أمر باطن لا يملك، وإنما ينظر فيما ينشأ عنه من الأعمال، فمن أين لك أنه كان عليه الصلاة والسلام يتناول تلك الأشياء لمجرد الحظ دون أن يتناوله من حيث الإذن وهذا هو عين البراءة من الحظ، وإذا تبين هذا في القدوة الأعظم صلى الله عليه وسلم تبين نحوه في كل مقتدى به ممن اشتهرت ولايته"

(3)

.

عاشرًا: ويتفرع على ذلك قاعدة ذكرها أهل العلم وهي أن المحبة الدينية لازمة للأفضلية فمن كان أفضل من غيره كانت محبتنا الدينية له أعظم، وعكس الحب البغض، وكلاهما يتبع الفضل والمكانة والمنزلة.

فمن كان إثم بغضه في الشرع عظيمًا كان ذلك دليلًا على فضله ومكانته، فليست محبة النبي صلى الله عليه وسلم كمحبة غيره من أصحابه، كما أنه ليس بغض النبي صلى الله عليه وسلم كبغض أبي بكر، أو عمر، وليس بغض الصحابة كبغض

(1)

انظر: سير أعلام النبلاء (2/ 143)، وحاشية السندي على سنن النسائي (7/ 68).

(2)

انظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل (4/ 95)، وانظر: تاريخ الإسلام (4/ 246).

(3)

الموافقات (2/ 200).

ص: 602

غيرهم، فكلما عظم إثم البغض دلَّ ذلك على عظم الفضل.

يقول الإمام ابن تيمية: "لأن الحب والبغض يتبع الفضل فمن كان بغضه أعظم دلَّ على أنه أفضل، ودل حينئذٍ على أن محبته دين لأجل ما فيه من زيادة الفضل، ولأن ذلك ضد البغض، ومن كان بغضه سببًا للعذاب لخصوصه كان حبه سببًا للثواب، وذلك دليل على الفضل"

(1)

.

وقد نقل الإمام الذهبي فتوى أبي زرعة العراقي

(2)

في تقرير هذه القاعدة فقال: "سئل شيخ الإسلام، محقق عصره: أبو زرعة الولي العراقي رحمه الله عمن اعتقد في الخلفاء الأربعة الأفضلية على الترتيب المعلوم ولكنه يحب أحدهم أكثر هل يأثم؟.

فأجاب بأن المحبة قد تكون لأمر ديني وقد تكون لأمر دنيوي، فالمحبة الدينية لازمة للأفضلية، فمن كان أفضل كانت محبتنا الدينية له أكثر، فمتى اعتقدنا في واحد منهم أنه أفضل ثم أحببنا غيره من جهة الدين أكثر كان تناقضًا، نعم إن أحببنا غير الأفضل أكثر من محبة الأفضل لأمر دنيوي كقرابة وإحسان ونحوه فلا تناقض في ذلك ولا امتناع، فمن اعترف بأن أفضل هذه الأمة بعد نبيها صلى الله عليه وسلم: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي لكنه أحب عليًا أكثر من أبي بكر مثلًا، فإن كانت المحبة المذكورة محبة دينية فلا معنى لذلك؛ إذ المحبة الدينية لازمة للأفضلية كما قررناه، وهذا لم يعترف بأفضلية أبي بكر إلا بلسانه، وأما

(1)

اقتضاء الصراط المستقيم (ص 156).

(2)

هو: أحمد بن عبد الرحيم بن الحسين الولي بن الزين العراقي المصري، أبو زرعة، قاضي الديار المصرية، مولده بالقاهرة، رحل به أبوه (الحافظ العراقي) إلى دمشق فقرأ فيها، وعاد إلى مصر فارتفعت مكانته إلى أن ولي القضاء سنة 824 هـ، وحمدت سيرته، من كتبه: البيان والتوضيح لمن أخرج له في الصحيح وقد مس بضرب من التجريح، وفضل الخيل، والإطراف بأوهام الأطراف للمزي، ورواة المراسيل، وحاشية على الكشاف، وأخبار المدلسين، وغيرها، وله نظم ونثر كثير، توفي سنة 826 هـ. [ترجمته في: البدر الطالع (1/ 72)، والأعلام (1/ 148)].

ص: 603

بقلبه فهو مفضل لعلي لكونه أحبه محبة دينية زائدة على محبة أبي بكر، وهذا لا يجوز، وإن كانت المحبة المذكورة محبة دنيوية لكونه من ذرية علي أو لغير ذلك من المعاني فلا امتناع فيه"

(1)

.

ويقول الشيخ علي القاري: "ثم لا يلزم من أكثرية المحبة تحقق الأفضلية؛ إذ محبة الأولاد وبعض الأقارب أمر جبلي مع العلم القطعي بأن غيرهم قد يوجد أفضل منهم، وأما بالنسبة إلى الأجانب فالأفضلية توجب زيادة المحبة، وبهذا يندفع الإشكال والله أعلم بالأحوال"

(2)

.

الحادي عشر: إن من لوازم محبة الله أو المحبة فيه أو له بغض ما أبغضه الله تعالى، من الأقوال، والأعمال، والأشخاص، وغير ذلك، فلا تستقيم هذه المحبة الدينية الإيمانية إلا بوجود هذا البغض لكل ما يُبْغِضُهُ الرب تعالى، والعداوة لأعداء الله تعالى، وأعداء رسوله صلى الله عليه وسلم، ودينه، وعباده المؤمنين، فلا يجتمع في قلب المؤمن إيمان كامل بالله تعالى وحب أعدائه وأعداء رسله ودينه.

يقول الإمام ابن تيمية: "وفي الإنسان قوتان: قوة الحب، وقوة البغض، وإنما خَلَقَ ذلك فيه ليحب الحق الذي يحبه الله، ويُبْغِض الباطل الذي يبغضه الله، وهؤلاء هم الذين يحبهم الله ويحبونه"

(3)

.

ويقول رحمه الله: "فهذا هو الأصل الذي يجب على كل أحد أن يعتصم به، فلا بد أن يكون مريدًا محبًا لما أمره الله بإرادته ومحبته، كارهًا مبغضًا لما أمره الله بكراهته وبغضه، والناس في هذا الباب أربعة أنواع:

(1)

ذكر من تكلم فيه وهو موثوق للذهبي (190)، وانظر: الصواعق المحرقة على أهل الرفض والضلال والزندقة (1/ 187)، وذكر هذه الفتوى بلفظها أحمد بن محمد الحموي رحمه الله مقررًا لها ومتعقبًا لقول ابن نجيم. [انظر: غمز عيون البصائر لابن نجيم الحنفي (2/ 197)].

(2)

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (11/ 309).

(3)

قاعدة في المحبة (ص 136).

ص: 604

أكملهم الذين يحبون ما أحبه الله ورسوله، ويبغضون ما أبغضه الله ورسوله، فيريدون ما أمرهم الله ورسوله بإرادته، ويكرهون ما أمرهم الله ورسوله بكراهته، وليس عندهم حب ولا بغض لغير ذلك، فيأمرون بما أمر الله به ورسوله ولا يأمرون بغير ذلك، وينهون عما نهى الله عنه ورسوله ولا ينهون عن غير ذلك، وهذه حال الخليلين أفضل البرية محمد وإبراهيم -صلى الله عليهما وسلم-"

(1)

.

الثاني عشر: القاعدة عند أهل السُّنَّة والجماعة أن الشخص الواحد يجتمع فيه الكفر والإيمان، والسُّنَّة والبدعة، والطاعة والمعصية، والبر والفجور، فيُحَب على قدر ما فيه من طاعة ومحبة لله وقرب منه، ويبغض على قدر ما فيه من بعد عن الله واقتراف للذنوب وارتكاب للمعاصي.

فمن ثبت إيمانه وكثرت طاعته وعبادته وجب له من المحبة والموالاة بقدر ما فيه من الإيمان وإن ظلمك واعتدى عليك في نفسك أو مالك أو عرضك، كما أنه يعادى ويبغض بقدر ما فيه من المعاصي والذنوب، ومن الظلم والجور وإن كان محسنًا إليك، مثنيًا عليك، وهذا هو مقتضى العدل الإلهي الذي أمر الله به، فالسارق الفقير تقطع يده ويعطى من زكاة المسلمين.

يقول الإمام ابن تيمية مقررًا لهذا الأصل العظيم: "فليتدبر المؤمن الفرق بين هذين النوعين، فما أكثر ما يلتبس أحدهما بالَاخر وليعلم أن المؤمن تجب موالاته وإن ظلمك واعتدى عليك، والكافر تجب معاداته وإن أعطاك وأحسن إليك؛ فإن الله سبحانه بعث الرسل، وأنزل الكتب ليكون الدين كله لله، فيكون الحب لأوليائه، والبغض لأعدائه، والإكرام لأوليائه، والإهانة لأعدائه، والثواب لأوليائه، والعقاب لأعدائه.

وإذا اجتمع في الرجل الواحد خير وشر، وفجور وطاعة ومعصية،

(1)

مجموع الفتاوى (10/ 467).

ص: 605

وسُنة وبدعة، استحق من الموالاة والثواب بقدر ما فيه من الخير، واستحق من المعاداة والعقاب بحسب ما فيه من الشر، فيجتمع في الشخص الواحد موجبات الإكرام والإهانة فيجتمع له من هذا وهذا، كاللص الفقير تقطع يده لسرقته، ويعطى من بيت المال ما يكفيه لحاجته. هذا هو الأصل الذي اتفق عليه أهل السُّنَّة والجماعة، وخالفهم الخوارج، والمعتزلة ومن وافقهم

"

(1)

.

ويقول الإمام ابن القيم في علامة المحبة الدينية الإيمانية في الله تعالى: "وعلامة هذا الحب والبغض في الله أنه لا ينقلب بغضه لبغيض الله حبًا لإحسانه إليه، وخدمته له، وقضاء حوائجه، ولا ينقلب حبه لحبيب الله بغضًا إذا وصل إليه من جهته من يكرهه ويؤلمه، إما خطأ، وإما عمدًا مطيعًا لله فيه، أو متأولًا أو مجتهدًا، أو باغيًا نازعًا تائبًا، والدين كله يدور على أربع قواعد حب وبغض ويترتب عليهما فعل وترك"

(2)

.

ويقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ: "وكذلك من كره دخول الناس في التوحيد، وأحب بقاءهم على الشرك فقد خالف الكتاب والسُّنَّة والإجماع.

وبهذا تعلم أن المحبة ذات مراتب، لا يلزم من وجود بعضها وجود غيره، وكذلك المتابعة، ومن لم يستكمل الإيمان الواجب في الحب والمتابعة قد يقع منه ما ينافيهما فيجتمع الضدان، ولا يستحيل ذلك لا عقلًا ولا شرعًا؛ أما العقل فقد جوَّز اجتماع الأضداد كافة النظار والمتكلمين ومثلوا لذلك.

وأما الشرع فإجماع السلف والأئمة على أن الشخص يجتمع فيه مادتان متضادتان: كفر وإسلام، توحيد وشرك، طاعة وفسق، إيمان

(1)

مجموع الفتاوى (28/ 209).

(2)

الروح (ص 253).

ص: 606

ونفاق. وهو لأيهما غلب ولو عقل المعترض لعرف المراد، لكنه جهل فاعترض، وجعل جهله وعقله الضال ميزانًا يزن به، فلا أحكم ممن قضي له بالخذلان وعدم العلم بحقائق الإسلام والإيمان"

(1)

.

فالواجب على المسلم أن يجعل المحبة والبغض ميزانًا دينيًا يفرق به بين أعداء الله وأوليائه، ولا يجعله ميزانًا دنيويًا يحكم فيه بالهوى، فمن أعطاه شيئًا من الدنيا أحبه ووالاه ولو كان من أبعد الناس عن الله، وأشدهم كفرًا وفسوقًا، وإن لم يعطه شيئًا منها أبغضه وأبعده ولو كان من أقرب الناس إلى الله، وأشدهم إيمانًا وتوحيدًا، وأكثرهم طاعة وعبادة.

ولذا فالمحبة الدينية التابعة لمحبة الرب تعالى لا تزيد بالوفاء والبر والعطاء الدنيوي، بل المقياس فيها الإيمان والطاعة، ولو أنها ازدادت بالوفاء والبر لكان المحبوب هو النصيب والحظ.

(1)

مصباح الظلام في الرد على من كذب على الشيخ الإمام (ص 147 - 148).

ص: 607