الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بتحقيق معنى لا إله إلا الله نفيًا وإثباتًا"
(1)
.
ويقول الشيخ الألباني مصرحًا بما تضمنته القاعدة: "فإن هذا التوحيد وهو المعروف عند العلماء بتوحيد الربوبية، كان يؤمن به المشركون الذين بعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى:{وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [الزمر: 38]، ومع ذلك فلم ينفعهم هذا التوحيد شيئًا، لأنهم كفروا بتوحيد الألوهية والعبادة، وأنكروه على النبي صلى الله عليه وسلم أشد الإنكار بقولهم فيما حكاه الله عنهم:{أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (5)} [ص: 5].
ومن مقتضيات هذا التوحيد الذي أنكروه ترك الاستغاثة بغير الله، وترك الدعاء والذبح لغير الله، وغير ذلك مما هو خاص بالله تعالى من العبادات، فمن جعل شيئًا من ذلك لغير الله تبارك وتعالى فقد أشرك به، وجعل له ندًا وإن شهد له بتوحيد الربوبية، فالإيمان المنجي إنما هو الجمع بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، وإفراد الله بذلك"
(2)
.
*
المسألة الرابعة * فوائد القاعدة وتطبيقاتها
من الفوائد التي دلت عليها القاعدة:
أولًا: عظم مكانة توحيد الألوهية عند الله تعالى، وأنه رأس الأمر وأساس الملة، وهو الذي رضيه الله تبارك وتعالى لعباده، وأعدَّ لمن حققه جنات النعيم، والفوز المقيم، والسعادة في الدنيا والآخرة، وهذا لا يعني إهمال توحيد الربوبية، بل هو الأصل لتوحيد العبادة، ودليله الأكبر، وهو الباب الذي يدخل منه إلى عبادة الله تبارك وتعالى.
(1)
أضواء البيان (2/ 154).
(2)
تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد (ص 73).
ثانيًا: أن عدم انتفاع المشركين بإقرارهم بتوحيد الربوبية بسبب أنهم لم يأتوا بلازمه؛ إذ إن توحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية كما سيأتي بيانه، فإذا تخلف توحيد العبادة ولم يحصل دلَّ ذلك على عدم اعتبار توحيد الربوبية، إذ لو كان نافعًا لأتى بلازمه من توحيد العبادة.
يقول الإمام الصنعاني: "ومع هذا كله فهم مقرون لله تعالى بالربوبية، وأنه الخالق، ولكنهم لما أشركوا في عبادته جعلهم مشركين ولم يعتد بإقرارهم هذا؛ لأنَّه نافاه فعلهم، فلم ينفعهم الإقرار بتوحيد الربوبية، فمن شأن من أقر لله تعالى بتوحيد الربوبية أن يفرده بتوحيد العبادة، فإذا لم يفعل ذلك فالإقرار الأول باطل. وقد عرفوا ذلك وهم في طبقات النار فقالوا:{تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (97) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (98)} [الشعراء:97، 98] مع أنهم لم يسووهم به من كل وجه، ولا جعلوهم خالقين ولا رازقين، لكنهم علموا إذ صاروا في النار وهم في قعر جهنم أن خلطهم الإقرار بذرة من ذرات الإشراك وعدم توحيد العبادة صيرهم كمن سوى بين الأصنام وبين ربّ الأنام.
ثالثًا: في القاعدة رد على أهل الكلام والتصوف الذين جعلوا من أتى بتوحيد الربوبية فقد أتى بالإسلام التام، وصار من المؤمنين الذين يستحقون الجنة والنجاة من النار، ولا شك في بطلان هذا الزعم؛ لأن هذا التوحيد لو كان كافيًا في أصل الإسلام لكفى المشركين الذين أقروا به.
يقول شيخ الإسلام في معرض رده على المتكلمين: "وأدخلوا في التوحيد والإسلام أمورًا باطلة ظنوها من التوحيد وهي تنافيه، وأخرجوا من الإسلام والتوحيد أمورًا عظيمة لم يظنوها من التوحيد وهي أصله، فأكثر هؤلاء المتكلمين لا يجعلون التوحيد إلا ما يتعلق بالقول والرأي واعتقاد ذلك دون ما يتعلق بالعمل والإرادة واعتقاد ذلك، بل التوحيد الذي لا بد منه لا يكون إلا بتوحيد الإرادة والقصد، وهو توحيد العبادة،
وهو تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله أن يقصد الله بالعبادة ويريده بذلك دون ما سواه"
(1)
.
ويقول الإمام اللغوي ابن منظور
(2)
: "اللَّهُمَّ إنا نسألك صحة التوحيد، والإخلاص في الإيمان؛ انظر إلى هؤلاء: لم ينفعهم طوافهم، ولا تلبيتهم، ولا قولهم عن الصنم: (هو لك)، ولا قولهم: (تملكه وما ملك)، مع تسميتهم الصنم شريكًا، بل حبط عملهم بهذه التسمية، ولم يصح لهم التوحيد مع الاستثناء، ولا نفعتهم معذرتهم بقولهم: إلا ليقربونا إلى الله زلفى"
(3)
.
(1)
الفتاوى الكبرى (5/ 250).
(2)
هو: اللغوي الأديب أبو الفضل محمد بن مكرم بن علي بن منظور الأنصاري الأفريقي المصري جمال الدين ولد في محرم 630 هـ، ولي قضاء طرابلس مات في شعبان سنة 711 هـ، ومن كتبه: لسان العرب، ومختار الأغاني في الأخبار والتهاني، وغيرها [انظر: الدرر الكامنة لابن حجر (5/ 31)، والأعلام للزركلي (7/ 108)].
(3)
لسان العرب (10/ 450).