الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الأول
قاعدة
أصل الإيمان وقاعدته التي عليها مدار أعمال العباد هو تحقيق معنى الشهادتين قولًا وعملًا وعقيدة
وفيه مسائل:
*
المسألة الأولى * معنى القاعدة
أشارت القاعدة إلى الأصلين العظيمين من أصول الإسلام، وهما تحقيق شهادة أن لا إله الله، وأن محمدًا رسول الله، فتحقيق هاتين الكلمتين ينبني عليهما دين الإسلام، وعليهما تقوم الملة، ويثبت بهما أصل الإيمان، وعمود الإسلام، ولا يُعتد بعمل من الأعمال إذا لم يتم تحقيق هذين الأصلين، إذ مدار الأعمال على صحة العقيدة، وسلامة الأصول، وهذا التحقيق لهذين الأصلين لا بد أن يجتمع فيه قول القلب واللسان، وعمل القلب والجوارح، فينطق اللسان أولًا بما أضمره القلب بهاتين الشهادتين؛ شهادة أن لا إله إلا اللّه، وأنَّ محمدًا رسول الله، فيطابق قول اللسان ما اعتقده القلب وصدَّق به، ولا بد من اقتران جميع ذلك بأعمال القلب، وكذا بأعمال الجوارح، التي هي موجب ذلك القول والاعتقاد ولازمه، وأكبر دلائله، وأعظم علاماته، وأظهر شواهده، وأجلّ ثمراته
(1)
.
(1)
انظر: الدرر السنية في الأجوبة النجدية (14/ 548).
يقول الإمام ابن تيمية مبينًا معنى القاعدة: "فلا بد من الكلام في هذين الأصلين: الأصل الأول: توحيد الإلهية؛ فإنه سبحانه أخبر عن المشركين كما تقدم بأنهم أثبتوا وسائط بينهم وبين الله، يدعونهم ويتخذونهم شفعاء بدون إذن الله، قال تعالى:{وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (18)} [يونس:18]، فأخبر أن هؤلاء الذين اتخذوا هؤلاء شفعاء مشركون.
ومن تحقيق التوحيد أن يعلم أن الله تعالى أثبت له حقًا لا يشركه فيه مخلوق؛ كالعبادة والتوكل، والخوف، والخشية، والتقوى، كما قال تعالى:{لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (22)} [الإسراء:22].
الأصل الثاني: حق الرسول صلى الله عليه وسلم فعلينا أن نؤمن به، ونطيعه، ونتبعه، ونرضيه، ونحبه، ونسلم لحكمه، وأمثال ذلك قال تعالى:{مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء: 80]، وقال تعالى:{وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ (62)} [التوبة: 62]، وقال تعالى:{قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ} [التوبة: 24]، وقال تعالى:{فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65)} [النساء: 65]، وقال تعالى:{قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31]، وأمثال ذلك"
(1)
.
ويقول رحمه الله أيضًا: "وهذان الأصلان: هما تحقيق الشهادتين اللتين هما رأس الإسلام؛ شهادة أن لا إله إلا الله
(2)
، وشهادة أن محمدًا
(1)
مجموع الفتاوى (3/ 105 - 110) بتصرف.
(2)
وإذا أطلقت كلمة التوحيد لا إله إلا الله دخلت فيها الشهادة بأن محمدًا رسول الله =
رسول اللّه؛ فإن الشهادة لله بأنه لا إله إلا هو تتضمن إخلاص الألوهية له، فلا يجوز أن يتأله القلب غيره؛ لا بحب، ولا خوف، ولا رجاء، ولا إجلال، ولا إكبار، ولا رغبة، ولا رهبة، بل لا بد أن يكون الدين كله للّه.
والشهادة بأن محمدًا رسول اللّه تتضمن تصديقه في كل ما أخبر، وطاعته في كل ما أمر، فما أثبته وجب إثباته، وما نفاه وجب نفيه، كما يجب على الخلق أن يثبنوا ما أثبته الرسول لربه، وينفوا عنه ما نفاه عنه من مماثلة المخلوقات، وعليهم أن يفعلوا ما أمرهم به، وأن ينتهوا عما نهاهم عنه، ويحللوا ما أحله، ويحرموا ما حرمه، فلا حرام إلا ما حرمه الله ورسوله، ولا دين إلا ما شرعه الله ورسوله"
(1)
.
كما دلت القاعدة على أن جميع الأعمال مدارها على الشهادتين، وذلك لأن جميع أعمال الدين داخلة في الشهادتين، فما من طاعة أو عبادة أو شعبة من شعب الإسلام إلا وأصلها شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول اللّه.
يقول الإمام ابن تيمية: "وإذا كانت الشهادتان هي أصل الدين؛ وفرعه، وسائر دعائمه، وشعبه داخلة فيهما، فالعبادة متعلقة بطاعة الله ورسوله، كما قال تعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ} [النساء: 69] "
(2)
.
= ضمنًا كما حقق ذلك أهل العلم، قال الحافظ ابن حجر:"والمراد بقوله: (لا إله إلا الله) في هذا الحديث وغيره كلمتا الشهادة، فلا يرد إشكال ترك ذكر الرسالة. قال الزين بن المنير: قول (لا إله إلا الله) لقب جرى على النطق بالشهادتين شرعًا". [فتح الباري (3/ 110)]، وقال الشيخ صالح الفوزان -حفظه الله-:"وإذا جاءت لا إله إلا اللّه وحدها تدخل فيها شهادة أن محمدًا رسول الله ضِمنًا". [إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد (1/ 62)].
(1)
اقتضاء الصراط المستقيم (452) بتصرف، وانظر: الدرر السنية في الأجوبة النجدية (10/ 287 - 288).
(2)
مجموع الفتاوى (3/ 341).