الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فإن توحيد الألوهية ها هنا يكون ملزومًا لتوحيد الربوبية، وتوحيد الربوبية هو اللازم له، فإذا ثبت الملزوم ثبت لازمه، وإذا انتفى اللازم انتفى الملزوم، ولا يلزم من انتفاء الملزوم وهو توحيد العبادة انتفاء لازمه من توحيد الربوبية، وهذا كما علمنا في حال ما إذا كان توحيد الربوبية غير تام، وإلا فلا يحصل خلل في توحيد العبادة ويكون توحيد الربوبية تامًا.
ولذا يقول أبو البقاء في بيان التلازم من طرف واحد: "اتصال اللازم بالملزوم أشد عن عكسه؛ لأن الملزوم لما لم يوجد بدون اللازم كان اللازم متصلًا به لا محالة، واللازم لما وجد بدون الملزوم تصور انفكاك الملزوم عنه، كالحيوانية اللازمة للإنسان فإنها لا تنفك عنه، وتنفك الإنسانية التي هي ملزوم الحيوانية في الفرس ونحوه"
(1)
.
*
المسألة الخامسة * فوائد القاعدة وتطبيقاتها
دلَّت قاعدة التلازم بين أنواع التوحيد وأضدادها على فوائد عديدة منها:
أولًا: من المعلوم أن أعظم أركان الإيمان بالله تعالى هو توحيده، وهو متضمن للقول والعمل كما هو اعتقاد أهل السُّنَّة والجماعة، وعليه فلا يصح إيمان أحد إلا باجتماع القول والعمل والاعتقاد، ولا يمكن تصور هذا الاجتماع إلا باجتماع أنواع التوحيد الثلاثة، فهي متلازمة هي وأضدادها كذلك فإذا اختل واحد منها سرى الخلل في الجميع ولا بد.
فلا ينفع توحيد الربوبية بدون توحيد الألوهية، كما لا ينفع توحيد الألوهية بدون توحيد الربوبية، فإن من عبد الله وحده ولم يشرك به شيئًا
(1)
الكليات (ص 1074).
في عبادته، ولكنه اعتقد مع ذلك أن لغير الله تعالى تأثيرًا في شيء، أو قدرة على ما لا يقدر عليه إلا لله، أو أنه يملك ضر العباد أو نفعهم ونحو ذلك، فهذا لا تصح عبادته؛ لأن أساسها يجب أن يكون الإيمان بالله ربًّا متفردًا بخصائص الربوبية جميعًا.
ثانيًا: من دعا غير الله تعالى فلا شك أنه أشرك في العبادة، وهذا الشرك يستلزم إشراكه في الربوبية وفي الأسماء والصفات؛ فإن أضداد أنواع التوحيد متلازمة.
يقول الشيخ الحكمي بعد أن قرَّر قاعدة التلازم: "مثال ذلك في هذا الزمن: عُباد القبور إذا قال أحدهم: يا شيخ فلان لذلك المقبور أغثني، أو افعل لي كذا ونحو ذلك، يناديه من مسافة بعيدة، وهو مع ذلك تحت التراب، وقد صار ترابًا، فدعاؤه إياه عبادة صرفها له من دون الله؛ لأن الدعاء مخ العبادة، فهذا شرك في الإلهية، وسؤاله إياه تلك الحاجة، من جلب خير، أو دفع ضر، أو رد غائب، أو شفاء مريض، أو نحو ذلك مما لا يقدر عليه إلا الله معتقدًا أنه قادر على ذلك هذا شرك في الربوبية، حيث اعتقد أنه متصرف مع الله تعالى في ملكوته، ثم إنه لم يدعه هذا الدعاء إلا مع اعتقاده أنه يسمعه على البعد والقرب، في أي وقت كان، وفي أي مكان ويصرحون بذلك، وهذا شرك في الأسماء والصفات، حيث أثبت له سمعًا محيطًا بجميع المسموعات، لا يحجبه قرب ولا بعد، فاستلزم هذا الشرك في الإلهية الشرك في الربوبية والأسماء والصفات"
(1)
.
ويقول الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز: "أما الحي فيطلب منه ما يقدر عليه، إذا كان حاضرًا يسمع كلامك، أو من طريق الكتابة، أو من طريق الهاتف، وما أشبه ذلك من الأمور الحسية، تطلب منه ما يقدر
(1)
معارج القبول (2/ 475).
عليه، تبرق له أو تكتب له أو تكلمه في الهاتف، تقول ساعدني على عمارة بيتي، أو على إصلاح مزرعتي؛ لأن بينك وبينه شيئًا من المعرفة أو التعاون.
وهذا لا بأس به، كما قال الله عز وجل في قصة موسى:{فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ} [القصص: 15] أما أن تطلب من الميت، أو الغائب، أو الجماد كالأصنام، شفاء مريض، أو النصر على الأعداء، أو نحو ذلك، فهذا من الشرك الأكبر.
وهكذا طلبك من الحي الحاضر ما لا يقدر عليه إلا الله سبحانه وتعالى يعتبر شركًا به سبحانه وتعالى؛ لأن دعاء الغائب بدون الآلات الحسية معناه: اعتقاد أنه يعلم الغيب، أو أنه يسمع دعاءك وإن بعد، وهذا اعتقاد باطل يوجب كفر من اعتقده، يقول الله جلَّ وعلا:{قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ} [النمل: 65] أو تعتقد أن له سرًا يتصرف به في الكون، فيعطي من يشاء ويمنع من يشاء، كما يعتقده بعض الجهلة في بعض من يسمونهم بالأولياء، وهذا شرك في الربوبية أعظم من شرك عباد الأوثان"
(1)
.
(1)
فتاوى ومقالات متنوعة لسماحة الشيخ ابن باز (13/ 329 - 330)، و (5/ 334 - 335).