الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثالث
قاعدة توحيد الربوبية أقرت به الخلائق مؤمنها وكافرها ولم ينكره إلا الشذاذ من العالم
وفيه مسائل:
*
المسألة الأولى* بيان بعض ألفاظ القاعدة
معنى توحيد الربوبية:
توحيد الربوبية معناه: الاعتقاد الجازم، والإيمان القاطع بإفراد الله عز وجل يختص به من أفعاله سبحانه وتعالى، هو وحده ربُّ كلّ شيء ومليكه، وهو الخالق لهذا الكون والمدبّر له، لم يشركه في خلقه أحد؛ لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، ولا منازع له في شيء من خصائص ربوبيته، ولا شريك له في شيء من ملكه، وبهذه المعاني السالفة أو بعضها عرَّفه أهل العلم، وفيما يلي أذكر ما وقفت عليه من ذلك:
عرَّفه شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: "فتوحيد الربوبية: أنه لا خالق إلا الله، فلا يستقل شيء سواه بإحداث أمر من الأمور، بل ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن"
(1)
.
(1)
مجموع الفتاوى (10/ 331).
وعرَّفه -الإمام المجدد- محمد بن عبد الوهاب: "توحيد الربوبية: فعل الرب مثل الخلق والرزق والإحياء والإماتة وإنزال المطر وإنبات النبات وتدبير الأمور"
(1)
.
وعرَّفه سليمان آل الشيخ بقوله: "توحيد الربوبية والملك: وهو الإقرار بأن الله تعالى رب كل شيء، ومالكه وخالقه ورازقه، وأنه المحيي المميت النافع الضار، المتفرد بإجابة الدعاء عند الاضطرار، الذي له الأمر كله وبيده الخير كله، القادر على ما يشاء، ليس له في ذلك شريك ويدخل في ذلك الإيمان بالقدر"
(2)
.
وعرَّفه الإمام الصنعاني بقوله بعد ما ذكر أن التوحيد قسمان: "القسم الأول: توحيد الربوبية والخالقية والرازقية ونحوها؛ ومعناه: أن الله تعالى وحده هو الخالق للعالم، وهو الرب لهم والرازق لهم"
(3)
.
وعرَّف الزَّبِيدِي
(4)
مَنْ حَقَّق (توحيد الربوبية) بقوله: "التَّوْحِيدُ تَوْحِيدَانِ: تَوْحِيد الرُّبُوبِيَّة وتَوْحِيدُ الإلهِية؛ فصاحِبُ تَوْحِيد الرَّبَّانيَّةِ: يَشْهَد قَيُّومِيَّةَ الرَّبِ فَوْقَ عَرْشِه يُدَبِّرُ أَمْرَ عِبادِهِ وَحْدَه، فلا خالِقَ ولا رَازِقَ ولا
(1)
مجموعة رسائل في التوحيد والإيمان (ص 371)، وانظر: مؤلفات محمد بن عبد الوهاب في العقيدة (ص 145).
(2)
تيسير العزيز الحميد (ص 26).
(3)
تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد (ص 79).
(4)
هو: محمد بن محمد بن محمد بن عبد الرزاق الحسيني الزبيدي، أبو الفيض، الملقب بمرتضى: علامة باللغة، والحديث، والرجال، والأنساب، من كبار المصنفين، ولد سنة 1145 هـ، أصله من واسط (في العراق)، ومولده بالهند (في بلجرام)، ومنشأه في زبيد (باليمن) رحل إلى الحجاز، وأقام بمصر، فاشتهر فضله، من كتبه: تاج العروس في شرح القاموس، وإتحاف السادة المتقين في شرح الإحياء، وعقود الجواهر المنيفة في أدلة مذهب الإمام أبي حنيفة، وكشف اللثام عن آداب الإيمان والإسلام، وغيرها، توفي بالطاعون في مصر سنة 1205 هـ. [ترجمته في: الأعلام للزركلي (7/ 70)].
مُعْطِيَ ولا مَانِعَ ولا مُحْيِيَ ولا مُمِيتَ، ولا مُدَبِّرَ لأَمْرِ المَمْلَكَةِ ظَاهِرًا وباطِنًا غيرُه، فما شاءَ كانَ وما لم يَشَأ لم يَكُنْ، ولا تَتَحَرَّكُ ذَرَّةٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ، ولا يَجُوز حادِثٌ إِلا بِمَشِيئَتِهِ، ولا تَسْقُط وَرَقَةٌ إِلَّا بِعِلْمِهِ، ولا يَعْزُب عنه مِثْقالُ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأَرْضِ ولا أَصْغَرُ مِن ذلك ولا أَكْبَرُ إِلَّا وقد أَحْصَاهَا عِلْمُه، وأَحاطتْ بها قُدْرَتُه، ونَفَذَتْ فيها مَشِيْئَتُه، واقْتَضَتْهَا حِكْمَتُه"
(1)
.
وعرَّفه الشيخ السعدي بقوله: "توحيد الربوبية: بأن يعتقد العبد أن الله هو الرب المتفرد بالخلق والرزق والتدبير، الذي ربى جميع الخلق بالنعم، وربى خواص خلقه وهم الأنبياء وأتباعهم بالعقائد الصحيحة، والأخلاق الجميلة، والعلوم النافعة، والأعمال الصالحة، وهذه التربية النافعة للقلوب والأرواح المثمرة لسعادة الدارين"
(2)
.
وعرَّفه الشيخ الحكمي بقوله: "فإذا عرفت أن توحيد الربوبية هو الإقرار بأن الله تعالى هو الخالق الرازق، المحي المميت، المدبر لجميع الأمور، المتصرف في كل مخلوقاته، لا شريك له في ملكه، فضد ذلك: هو اعتقاد العبد وجود متصرف مع الله غيره فيما لا يقدر عليه إلا الله عز وجل"
(3)
.
ومما سبق يتبين لنا معنى توحيد الربوبية، وهو إفراد الله تعالى بأفعاله، ولا شك أن أفعال الله كثيرة، كالخلق والرَّزق، والإحياء، والإماتة، وتدبير الكون، والنفع والضر، والشفاء، والإجارة، وإجابة دعوة المضطر، وإجابة الداعي، ونصر المظلوم، فيعتقد المسلم اعتقادًا جازمًا بأن هذه الأفعال خاصة بالله تبارك وتعالى، لا يشركه فيها أحد من
(1)
تاج العروس (9/ 276).
(2)
القول السديد في مقاصد التوحيد (ص 19).
(3)
معارج القبول (2/ 459).
خلقه لا ملك مقرَّب ولا نبيّ مرسل
(1)
.
ومما ينبغي التنبيه عليه أن ربوبية الله تعالى على خلقه قسمان:
1 -
ربوبية عامة، وهي شاملة لجميع ما خلقه الله تعالى في هذا الكون، من الخلق والرزق والإحياء والإماتة والتدبير وغير ذلك مما فيه صلاح دنياهم، واستقامة معايشهم، وسلامة أبدانهم، وهذا مما يشترك فيه المؤمن والكافر، والبرّ والفاجر.
2 -
ربوبية خاصة، وهي ربوبية الهداية والرشاد، والتأييد والنصر على الأعداء، وهي متعلقة بخواص الخلق من الأنبياء وأتباعهم من أهل الإيمان والصلاح، فيربيهم بالإيمان والطاعة، وبالعلوم النافعة، والعقائد الصحيحة، والأعمال الصالحة، والأخلاق الجميلة، وهذه هي التربية النافعة للقلوب والأرواح، المثمرة للسعادة والفلاح في الدنيا والآخرة
(2)
.
ولما كانت حاجة الأنبياء والأولياء من المؤمنين إلى ربوبيته تعالى الخاصة ملحةً وعظيمةً، بحيث لا يستغنون عنها طرفة عين ناسب أن تكون غالب أدعيتهم بلفظ (الرب) دون لفظ (الإله)، إذ إن مطالبهم كلها مندرجة تحت ربوبيته الخاصة
(3)
.
يقول الإمام ابن تيمية: "ونظيرها من بعض الوجوه: الربوبية والعبودية؛ فإنهما وإن اشتركتا في أصل الربوبية والعبودية، فلما قال: {
…
بِرَبِّ اَلعَلَمِينَ (121) رَبِّ مُوسَى وَهَرُونَ (122)[الأعراف: 121، 122]، كانت ربوبية موسى وهارون لها اختصاص زائد على الربوبية العامة للخلق؛ فإن من أعطاه الله من الكمال أكثر مما أعطى غيره فقد ربه ورباه ربوبية وتربية
(1)
انظر: التمهيد على كتاب التوحيد (ص 6).
(2)
انظر: المفيد على كتاب التوحيد، للشيخ عبد الله بن صالح القصير (ص 8 - 9).
(3)
انظر: تفسير السعدي (ص 39).