الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يقول ابن الوزير
(1)
: "والجمع بين الخوف والرجاء سُنّة الله وسُنّة رسله عليه السلام وسُنّة دين الإسلام، والأولى للإنسان تغليب الخوف في حق نفسه إلا عند اقتراب الأجل الاقتراب الخاص: أعني عند ظهور أمارات الموت في المرض الشديد"
(2)
.
*
المسألة الثالثة* أدلة القاعدة
من أدلة القاعدة ما يلي:
أولًا: من المعلوم أنه ما من حركة في العالم العلوي أو السفلي إلا وأصلها المحبة والإرادة، ولا شك أن العبادة مما يدخل في تلك الحركات سواء كانت عبادة حقة، أم باطلة فإن أصلها الذي تقوم عليه هو المحبة والإرادة، لكن الإرادة هي الأصل الذي تنبني عليه المحبة، وعليهما تنبني سائر الحركات من عبادة وغيرها.
يبيّن الإمام ابن تيمية هذا بقوله: "وهذا القدر الذي ذكرناه من أن المحبة والإرادة أصل كل حركة في العالم، فقد بينا في القواعد وغيرها أن هذا يندرج فيه كل حركة وعمل، فإن ما في الأجسام من حركه طبعية فإنما أصلها السكون، فإنَّه إذا خرجت عن مستقرها كانت بطبعها تطلب مستقرها، وما فيها من حركة قسرية فأصلها من القاسر القاهر، فلم تبق حركة اختيارية إلا عن الإرادة.
(1)
هو: محمد بن إبراهيم بن علي بن المرتضى اليماني، الإمام المجتهد ويعرف بابن الوزير، ولد في سنة 775 هـ، وكان مشتغلًا بالحديث شديد التمسك بالسُّنَّة، وذابًا عنها، ومحاربًا لأهل البدع، وكان عابدًا زاهدًا، من مصنفاته: العواصم من القواصم في الذب عن سنة أبي القاسم، وترجيح أساليب القرآن على أساليب اليونان، وإيثار الحق على الخلق، توفي سنة 840 هـ. [ترجمته في: البدر الطالع (ص 81) وما بعدها].
(2)
إيثار الحق على الخلق في رد الخلافات (ص 354).
والحركات: إما إرادية، وإما طبعية، وإما قسرية؛ لأن الفاعل المتحرك إن كان له شعور بها فهي الإرادية، وإن لم يكن له شعور؛ فإن كانت على وفق طبع المتحرك فهي الطبعية، وإن كانت على خلاف ذلك فهي القسرية.
وبينا أن ما في السموات والأرض وما بينهما من حركة الأفلاك، والشمس، والقمر، وا نجوم، وحركة الرياح، والسحاب، والمطر، والنبات، وغير ذلك، فإنما هو بملائكة الله تعالى الموكلة بالسموات والأرض، الذين لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون، كما قال تعالى:{فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (5)} [النازعات: 5]، {فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (4)} [الذاريات: 4]، وكما دل الكتاب والسُّنَّة على أصناف الملائكة، وتوكلهم بأصناف المخلوقات.
ولفظ المَلَك يشعر بأنه رسول منفذ لأمر غيره، فليس لهم من الأمر شيء بل: كَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللّهُ لِمَن يَشَاء وَيَرْضى، {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (64) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (65)} [مريم: 64، 65]، وإذا كان كذلك فجميع تلك المحبات، والإرادات، والأفعال، والحركات، هي عبادة لله رب الأرض والسموات كما قد بيناه في غير هذا الموضع.
وإذا كان كذلك، فأصل المحبة المحمودة التي أمر الله بها وخلق خلقه لأجلها هي ما في عبادته وحده لا شريك له، إذ العبادة متضمنة لغاية الحب بغاية الذل"
(1)
.
ويزيد رحمه الله الأمر وضوحًا بقوله: "ولما كانت كل حركة وعمل في العالم فأصلها المحبة والإرادة، وكل محبة وإرادة لا يكون أصلها
(1)
قاعدة في المحبة (ص 9 - 10).
محبة الله، وإرادة وجهه، فهي باطلة فاسدة، كان كل عمل لا يراد به وجهه باطلًا، فأعمال الثقلين الجن والإنس منقسمة؛ منهم من يعبد الله، ومنهم من لا يعبده، بل قد يجعل معه إلهًا آخر.
وأما الملائكة فهم عابدون لله، وجميع الحركات الخارجة عن مقدور بني آدم، والجن، والبهائم، فهي من عمل الملائكة وتحريكها لما في السماء والأرض وما بينهما، فجميع تلك الحركات والأعمال عبادات لله، متضمنة لمحبته، وإرادته، وقصده"
(1)
.
ويقول أيضًا: "ومن المعلوم أن كل حي فله إرادة وعمل بحسبه، وكل متحرك فأصل حركته المحبة والإرادة، ولا صلاح للموجودات إلا أن يكون كمال محبتها وحركتها لله تعالى، كما لا وجود لها إلا أن يبدعها الله"
(2)
.
فجميع الحركات أصلها المحبة والإرادة، وهذه المحبة والإرادة لا بد أن تكون لمحبوب مراد لنفسه، ليس محبوبًا لغيره وإلا لزم التسلسل في المحبوبين، وهو باطل.
يقول ابن تيمية: "وإذا كانت كل حركة فأصلها الحب والإرادة من محبوب مراد لنفسه لا يحب لغيره، إذ لو كان كل شيء محبوبًا لغيره لزم الدور، أو التسلسل، والشيء قد يحب من وجه دون وجه، وليس شيء يحب لذاته من كل وجه إلا الله وحده، ولا تصلح الإلهية إلا له، ولو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا"
(3)
.
ويقول الإمام ابن القيم مؤيدًا لما قرره شيخه ابن تيمية -رحمهم الله تعالى-: "والمقصود: أن حركات الأفلاك، وما حوته تابعة للحركة الإرادية المستلزمة للمحبة، فالمحبة والإرادة أصل كل فعل ومبدأه، فلا يكون الفعل
(1)
قاعدة في المحبة (ص 22 - 24).
(2)
المصدر السابق (ص 14).
(3)
المصدر السابق (ص 13 - 14).
إلا عن محبة وإرادة، حتى دفعه للأمور التي يبغضها ويكرهها فإنما يدفعها بإرادته ومحبته لأضدادها، واللذة التي يجدها بالدفع كما يقال: شفى غيظه، وشفى صدره، والشفاء والعافية يكون للمحبوب، وإن كان كريهًا مثل شرب الدواء الذي يدفع به ألم المرض، فإنَّه وإن كان مكروهًا من وجه، فهو محبوب؛ لما فيه من زوال المكروه، وحصول المحبوب.
وكذلك فعل الأشياء المخالفة للهوى، فإنها وإن كانت مكروهة، فإنما تفعل لمحبة وإرادة، وإن لم تكن محبوبة لنفسها، فإنها مستلزمة للمحبوب لنفسه، فلا يترك الحي ما يحبه ويهواه، إلا لما يحبه ويهواه، ولكن يترك أضعفهما محبة لأقواهما محبة، ولذلك كانت المحبة والإرادة أصلًا للبغض والكراهة؛ فإن البغيض المكروه ينافي وجود المحبوب، والفعل؛ إما أن يتناول وجود المحبوب، أو دفع المكروه المستلزم لوجود المحبوب، فعاد الفعل كله إلى وجود المحبوب.
والحركة الاختيارية: أصلها الإرادة، والقسرية والطبيعية تابعتان لها، فعاد الأمر إلى الحركة الإرادية، فجميع حركات العالم العلوي والسفلي تابعة للإرادة والمحبة، وبها تحرك العالم ولأجلها، فهي العلة الفاعلية والغائية، بل هي التي بها ولأجلها وجد العالم، فما تحرك في العالم العلوي والسفلي حركة إلا والإرادة والمحبة سببها وغايتها، بل حقيقة المحبة حركة نفس المحب إلى محبوبه، فالمحبة حركة بلا سكون، وكمال المحبة هو العبودية، والذل، والخضوع، والطاعة للمحبوب، وهو الحق الذي به وله خلقت السموات والأرض، والدنيا والآخرة"
(1)
.
وإذا ثبت أن المحبة والإرادة أصل كل عمل وحركة، فإن كانت محبة الله، وإرادة وجهه، وقصده سبحانه وحده دون ما سواه، فهي من أعظم الحق الذي قامت عليه السموات والأرض، وإن كانت لغير الله
(1)
روضة المحبين (ص 58 - 59)، وانظر: قاعدة في المحبة، لابن تيمية (ص 9).
تعالى فهي من أعظم الباطل، وهي من اتخاذ أنداد مساوية لله رب العالمين، ويعرف من هذا أن المحبة والإرادة هي أصل جميع الأديان، سواء كان دينًا حقًا، أم باطلًا، فإن الدين يشتمل على الأعمال الباطنة والظاهرة، والمحبة والإرادة أصل ذلك كله
(1)
.
يقول الإمام ابن تيمية: "محبة الله بل محبة الله ورسوله من أعظم واجبات الإيمان، وأكبر أصوله، وأجل قواعده، بل هي أصل كل عمل من أعمال الإيمان والدين، كما أن مجموع التصديق به أصل كل قول من أقوال الإيمان والدين، فإن كل حركة في الوجود إنما تصدر عن محبة؛ إما عن محبة محمودة، أو عن محبة مذمومة
…
فجميع الأعمال الإيمانية الدينية لا تصدر إلا عن المحبة المحمودة، وأصل المحبة المحمودة هي محبة الله-سبحانه وتعالى، إذ العمل الصادر عن محبة مذمومة عند الله لا يكون عملًا صالحًا، بل جميع الأعمال الإيمانية الدينية لا تصدر إلا عن محبة الله، فإن الله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما أريد به وجهه، كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"يقول الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عمل عملًا فأشرك فيه غيري فأنا منه بريء، وهو كله للذي أشرك"
(2)
، وثبت في الصحيح حديث الثلاثة الذين هم أول من تسعر بهم النار: القارئ المرائي، والمجاهد المرائي، والمتصدق المرائي
(3)
"
(4)
.
(1)
انظر: قاعدة في المحبة، لابن تيمية (31 - 32).
(2)
أخرجه ابن خزيمة في صحيحه، باب: ذكر نفي قبول صلاة المرائي بها (2/ 67)، برقم (938)، وابن ماجه في سننه، كتاب الزهد، باب: الرياء والسمعة (2/ 1405)، برقم (4202)، والطبري في تهذيب الآثار، مسند علي (2/ 790)، برقم (1112)، وأصل الحديث رواه مسلم في صحيحه، كتاب الزهد والرقائق، باب: من أشرك في عمله غير الله (4/ 2289)، برقم (2985).
(3)
رواه الترمذي في سننه، كتاب الزهد، باب: ما جاء في الرياء والسمعة (4/ 591)، برقم (2382).
(4)
مجموع الفتاوى (10/ 48 - 49).
ثانيًا: دلَّ قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (165)} [البقرة: 165] على أن التشريك في المحبة مناف لأصل التوحيد، فدلَّ ذلك على أن حصول المحبة أصل في تحقق التوحيد والعبادة، فكل من عَبَدَ الله تعالى فمحبته هي أصل هذه العبادة، كما أن كل من اتخذ ندًا من دونه لا بد أن يكون محبًا لهذا الند مشركًا بالله تعالى في هذه المحبة، ولذا حكم الله عليهم بالكفر والخلود في النار وأنهم لا يخرجون منها بسبب هذا التشريك وهذه التسوية في المحبة وتوابعها من الخوف والرجاء، كما قال سبحانه:{وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (167)} [البقرة: 167].
يقول الإمام ابن تيمية: "والعبادة تتضمن كمال الحب ونهايته، وكمال الذل ونهايته؛ فالمحبوب الذي لا يُعَظَّم، ولا يُذَلُّ له لا يكون معبودًا، والمُعَظَّم الذي لا يحب لا يكون معبودًا، ولهذا قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} [البقرة: 165]، فبيَّن سبحانه أن المشركين بربهم الذين يتخذون من دون الله أندادًا، وإن كانوا يحبونهم كما يحبون الله، فالذين آمنوا أشد حبًا لله منهم لله ولأوثانهم؛ لأن المؤمنين أعلم بالله، والحب يتبع العلم، ولأن المؤمنين جعلوا جميع حبهم لله وحده، وأولئك جعلوا بعض حبهم لغيره، وأشركوا بينه وبين الأنداد في الحب، ومعلوم أن ذلك أكمل "
(1)
.
لقد ذكر الله تعالى في هذه الآية ما يدل على أن العبادة لا بد أن تتضمن المحبة، سواء كانمت لله تعالى، أم للأوثان والأنداد، فالمحبة
(1)
مجموع الفتاوى (10/ 56).
ركن فيها، وإلا لم تكن عبادة، ولذا نصت الآية على أن هؤلاء المشركين يحبون أندادهم كحبهم لله تبارك وتعالى، ثم إن محبتهم لله تعالى لم تكن نافعة لهم، ولا منجية من الخلود في النار؛ لأن محبة الأوثان قد خالطتها وشابتها، والله تعالى لا يقبل من المحبة إلا المحبة الخالصة له دون ما سواه.
يقول الإمام ابن تيمية: "فدعاء إله آخر مع الله هو اتخاذ ند من دون الله يحب كحب الله؛ إذ أصل العبادة المحبة"
(1)
.
ولذا بوَّب
(2)
الإمام البخاري في "صحيحه" لهذه الآية: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ} [البقرة: 165] ثم ذكر تحتها حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (قال النبي صلى الله عليه وسلم كلمة وقلت أخرى، قال النبي صلى الله عليه وسلم:"من مات وهو يدعو من دون الله ندًا دخل النار" وقلت أنا: من مات وهو لا يدعو لله ندًا دخل الجنة
(3)
.
فالآية فيها شرك المحبة، والحديث فيه شرك الدعاء، والإمام جعل الآية ترجمة للحديث؛ مما يدل على أن، كل من اتخذ من دون الله ندًا بأي شكل كان، كان واقعًا حتمًا في شرك المحبة، مما يؤكد أن المحبة أصل العبادة سواء كانت عبادة شرعية، أم عبادة شركية.
ويبيِّن الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ التلازم الحاصل بين عبادة غير الله تعالى وبين محبة ذلك المعبود فيقول في معنى قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ} : "فكل من اتخذ ندًا لله يدعوه من دون الله، ويرغب إليه، ويرجوه لما يؤمله منه من قضاء حاجاته، وتفريج كرباته -كحال عباد القبور والطواغيت والأصنام-،
(1)
قاعدة في المحبة (ص 75).
(2)
وقال بعد ذكر الآية: يعني أضدادًا واحدها ند. صحيح البخاري (4/ 1636).
(3)
أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير (4/ 1636)، برقم (4227).
فلا بد أن يعظموهم، ويحبوهم لذلك، فإنهم أحبوهم مع الله، وإن كانوا يحبون الله تعالى، ويقولون: لا إله إلا الله، ويصلون، ويصومون، فقد أشركوا بالله في المحبة بمحبة غيره، وعبادة غيره، فاتخاذهم الأنداد يحبونهم كحب الله يبطل كل قول يقولونه، وكل عمل يعملونه؛ لأن المشرك لا يقبل منه عمل، ولا يصح منه"
(1)
.
ويقول الشيخ سليمان آل الشيخ في قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ} [البقرة: 165]: "قلت: مراده أن معنى التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله: هو إفراد الله بأصل الحب الذي يستلزم إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، وعلى قدر التفاضل في هذا الأصل وما ينبني عليه من الأعمال الصالحة يكون تفاضل الإيمان، والجزاء عليه في الآخرة، فمن أشرك بالله تعالى في ذلك، فهو المشرك لهذه الآية"
(2)
.
فتبين من ذلك أن إفراد الله بأصل الحب هو أصل العبادة الشرعية المستوجبة للذل له والخوف منه، والرجاء فيه وجميع العبادات الظاهرة والباطنة.
ومما يوضح الأمر أن كراهية الله أو بغضه، أو بغض شيء من دينه، وشرعه، تنافي أصل الإيمان القلبي وتناقضه، وما ذلك إلا لمناقضتها لأصل المحبة، إذ لا تجتمع المحبة والبغض في القلب لذات واحدة؛ ولذلك حكم الله تعالى على من وجد في قلبه شيء من هذه الكراهية، أو هذا البغض لله، أو لشرع الله بالكفر المخرج عن ملة الإسلام، كما قال تعالى:{ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (9)} [محمد: 9]، وقوله تعالى:{ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (28)} [محمد: 28].
(1)
فتح المجيد (ص 76).
(2)
تيسير العزيز الحميد (ص 112).
يقول الإمام ابن تيمية: "والذين كرهوا ما أنزل الله: كفار، وأعمال القلوب؛ مثل حب الله ورسوله، وخشية الله، ونحو ذلك: كلها من الإيمان، وكراهة ما أنزل الله كفر، وأوثق عرى الإيمان الحب في الله، والبغض في الله، وقد قال تعالى: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [المجادلة: 22] "
(1)
.
ويقول الإمام ابن كثير في قوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ} : "أي: لا يريدونه، ولا يحبونه، {فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} "
(2)
.
ثالثًا: ومما يدل على أن المحبة أصل في كل عبادة أن إبراهيم عليه السلام نفى هذه المحبة عن نفسه للشمس والقمر والكواكب، وهو في مقام المناظرة والإلزام لقومه، وكانوا قد عبدوا الكواكب والشمس والقمر، مما يدل على أن أصل إشراكهم هو محبتهم لهذه الآلهة من دون الله تعالى كعادة المشركين، فإنهم يعبدون ما يهونه ويحبونه
(3)
، ولذا أنكر الله عليهم بقوله:{أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (43)} [الفرقان: 43].
يقول الإمام ابن تيمية: "ومما يبين ذلك: أن أصل العبادة: هي المحبة، وأن الشرك فيها أصل الشرك، كما ذكره الله في قصة إمام الحنفاء إبراهيم الخليل حيث قال: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا
(1)
منهاج السُّنَّة النبوية (5/ 298).
(2)
تفسير ابن كثير (4/ 175).
(3)
يقول الإمام ابن تيمية عن شرك قوم إبراهيم عليه السلام ومناظرته لهم: "وكانوا يتخذونهم شفعاء، وشركاء، كما أخبر القرآن بذلك، ولهذا قال الخليل: {قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (76)}، فذكر أنه لا يحب الآفلين لأنهم كانوا على عادتهم، على عادة المشركين، يعبد أحدهم ما يحبه ويهواه، ويتخذ إلهه هواه، وقوله: (لا أحب الآفلين): كلام مناسب ظاهر؛ فإن الأقل يغيب عن عابده، فلا يبقى وقت أفوله من يعبده، ويستعينه، وينتفع به، ومن عبد ما يطلب منه المنفعة ودفع المضرة فلا بد أن يكون ذلك في جميع الأوقات، فإذا أفل ظهر بالحس حينئذٍ أنه لا يكون سببًا في نفع ولا ضر، فضلًا عن أن يكون مستقلًا". [بغية المرتاد (374)].
رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (76)} [الأنعام: 76]، وقال في القمر:{لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77)} [الأنعام: 77]، فلما أفلت الشمس قال:{قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79)} [الأنعام: 78، 79]، ولهذا تبرأ إبراهيم من المشركين، وممن أشركوا بالله قال:{قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (75) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (76) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (77)} [الشعراء: 75 - 77]، وقال تعالى:{قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (4)} [الممتحنة: 4] "
(1)
.
رابعًا: أن محبة الله تعالى ورجاءه والخوف منه متلازمة، لا ينفك أحدها عن الآخر، فالقلب متى ما تحقق بالمحبة لله تبارك وتعالى، فإن ذلك يقتضي ويستوجب الرجاء والخوف من المعبود، فإن من أحب شيئًا طمع في حصوله وقربه، وخاف من فقده وبعده، الذي أحب الله تعالى طمع في قربه وإحسانه ونعيمه، وخاف من بعده وعذابه.
يقول الإمام ابن تيمية: "وإذا كانت المحبة أصل كل عمل ديني؛ فالخوف، والرجاء، وغيرهما يستلزم المحبة ويرجع إليها، فإن الراجي الطامع إنما يطمع فيما يحبه لا فيما يبغضه، والخائف يفر من الخوف؛ لينال المحبوب"
(2)
.
ويقول الإمام ابن القيم: "ومنها أن المحبة لا تنفك عن الرجاء كما تقدم، فكل واحد منهما يمد الآخر ويقويه، ومنها أن الخوف مستلزم للرجاء، والرجاء مستلزم للخوف، فكل راج خائف، وكل خائف راج،
(1)
قاعدة في المحبة (ص 87).
(2)
مجموع الفتاوى (10/ 61).