الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أنه نفسه، لا يوجب بنفسه حصول العلم والإرادة في النفس إلا بقوة منها تقبل ذلك، وتلك القوة لا تتوقف على أخرى، وإلا لزم التسلسل الذي لا يتناهى بين طرفين متناهيين، أو الدور القبلي، وكلاهما ممتنع بالضرورة واتفاق العقلاء.
فهذا يدل على أن في النفس قوة ترجح الدين الحق على غيره، وحينئذٍ فالمخاطب إنما عنده تنبيهها على ما لا تعلمه لتعلمه، أو تذكيرها بما كانت ناسية لتذكره، أو تحضيضها على ما لا تريده لتريده، ونحو ذلك.
وكل هذه الأمور يمكن أن تحصل بخواطر في النفس تقتضي تنبيهها وتذكيرها وتحضيضها، واعتبار الإنسان ذلك من نفسه يوجب علمه بذلك؛ فإن ما يسمعه الإنسان من كلام البشر يمكن أن يخطر له مثله في قلبه، فعلم أن الفطرة يمكن حصول إقرارها بالصانع والمحبة والإخلاص له بدون سبب منفصل، وأنه يمكن أن تكون الذات كافية في ذلك.
ومن المعلوم أنه إذا كان المُقْتَضِي لذلك قائمًا في النفس، وقدر عدم المعارض، فالمقتضي السالم عن المعارض المُقَاوِم يوجب مقتضاه، فعلم أن الفطرة السليمة إذا لم يحصل لها من يفسدها كانت مقرة بالصانع، عابدة له"
(1)
.
*
المسألة الثالثة * أدلة القاعدة
يمكن الاستدلال بعدد من الأدلة المؤيدة لهذه القاعدة، ومن ذلك: أولًا: قوله تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (30)} [الروم: 30].
(1)
درء التعارض (8/ 461 - 462).
ففسّر سبحانه وتعالى الفطرة بأنها: إقامة الوجه للدين حالة كونه حنيفًا، مائلًا عن الشرك إلى التوحيد، فهذه هي الفطرة التي خلق عليها الخلق جميعهم، وإقامة الوجه لله هو دين الإسلام، وهو الحنيفية، وإخلاص الدين له سبحانه وحده دون ما سواه، والحذر والابتعاد عن كل معبود بالباطل سواه سبحانه؛ من الأنداد، والأوثان، والأصنام، ولذا قال سبحانه في الآية الأخرى:{وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (105)} [يونس: 105]، فجعل سبحانه إقامة الوجه للدين هو التوحيد والإخلاص وعدم الشرك بالله العظيم.
والمراد بالفطرة في الآية: دين الإسلام؛ لأن الله خلق الخلق عليه، إذ هو الذي تقتضيه عقولهم السليمة، وإنما كفر من كفر لعارض أخرجه عن أصل فطرته
(1)
.
يقول الإمام السمعاني: "قوله تعالى: (فأقم وجهك للدين حنيفًا)؛ أي: أخلص دينك لله وإقامة الوجه هو إقامة الدين"
(2)
.
وقال الإمام ابن رجب: "وكذلك فسر قوله تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا} بإخلاص القصد لله وإرادته لا شريك له"
(3)
.
ويقول الإمام البغوي في معنى: " {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا} ؛ أي: أخلص دينك لله قاله سعيد بن جبير، وإقامة الوجه: إقامة الدين، وقال غيره: سدد عملك، والوجه ما يتوجه إليه الإنسان، ودينه وعمله مما يتوجه إليه لتسديده (حَنِيفًا) مائلًا مستقيمًا عليه (فِطْرَتَ اللهِ): دين الله، وهو نصب على الإغراء؛ أي: الزم فطرة الله التي فطر الناس عليها
…
وهذا قول ابن عباس وجماعة من المفسرين أن المراد بالفطرة الدين وهو الإسلام"
(4)
.
(1)
انظر: التسهيل لعلوم التنزيل للكلبي (3/ 122).
(2)
تفسير السمعاني (4/ 209).
(3)
جامع العلوم والحكم (ص 205).
(4)
تفسير البغوي (3/ 482).
وقال الإمام الثعلبي
(1)
في معنى الآية: "إنّ الدّين الحنيفية فطرة الله الَّتي فَطرَ النَّاسَ عَلَيْهَا"
(2)
.
ويقول الإمام ابن تيمية مبينًا معنى الآية: "فأخبر أنه فطر عباده على إقامة الوجه حنيفًا: وهو عبادة الله وحده لا شريك له، فهذه من الحركة الفطرية الطبيعية المستقيمة المعتدلة للقلب"
(3)
.
وقال الإمام ابن القيم مفسرًا للآية: "فبين سبحانه أن إقامة الوجه: وهو إخلاص القصد، وبذل الوسع لدينه المتضمن محبته وعبادته، حنيفًا مقبلًا عليه، معرضًا عما سواه: هو فطرته التي فطر عليها عباده، فلو خلوا ودواعي فطرهم لما رغبوا عن ذلك، ولا اختاروا سواه، ولكن غيرت الفطر وأفسدت"
(4)
.
وقال الإمام ابن كثير في الآية: "يقول تعالى فسدد وجهك، واستمر على الدين الذي شرعه الله لك؛ من الحنيفية ملة إبراهيم، الذي هداك الله لها، وكملها لك غاية الكمال، وأن مع ذلك لازم فطرتك السليمة التي فطر الله الخلق عليها، فإنه تعالى فطر خلقه على معرفته وتوحيده، وأنه لا إله غيره"
(5)
.
ويقول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في الآية: "إذ المعنى على التحقيق: لا تبدلوا فطرة الله التي خلقكم عليها بالكفر، فقوله:{لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} [الروم: 30] خبر أريد به الإنشاء، إيذانًا بأنه لا ينبغي إلا أن
(1)
هو: الإمام الحافظ العلامة شيخ التفسير أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم النيسابوري، كان أحد أوعية العلم، وكان صادقًا موثقًا بصيرًا بالعربية، طويل الباع في الوعظ، له كتاب التفسير الكبير وكتاب العرائس في قصص الأنبياء، توفي سنة سبع وعشرين وأربع مئة. [ترجمته في: سير أعلام النبلاء (17/ 435 - 437)].
(2)
تفسير الثعلبي (7/ 301).
(3)
مجموع الفتاوى (10/ 146).
(4)
مفتاح دار السعادة (2/ 87).
(5)
تفسير ابن كثير (3/ 433)، وانظر:(2/ 210).
يمتثل حتى كأنه خبر واقع بالفعل لا محالة"
(1)
.
وقال الشيخ السعدي في تفسير الآية: " (فأقم وجهك)؛ أي: انصبه ووجهه للدين الذي هو: الإسلام والإيمان والإحسان، بأن تتوجه بقلبك وقصدك وبدنك إلى إقامة شرائع الدين الظاهرة؛ كالصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، ونحوها، وشرائعه الباطنة؛ كالمحبة، والخوف، والرجاء، والإنابة، والإحسان في الشرائع الظاهرة والباطنة؛ بأن تعبد الله فيها كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.
وخص الله إقامة الوجه؛ لأن إقبال الوجه تبع لإقبال القلب، ويترتب على الأمرين سعي البدن، ولهذا قال:(حنيفًا)؛ أي: مقبلًا على الله في ذلك، معرضًا عما سواه، وهذا الأمر الذي أمرناك به هو فطرة الله فطر الناس عليها"
(2)
.
ثانيًا: حديث عياض بن حمار المجاشعي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم في خطبته: (ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا، كل مال نحلته عبدًا حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا
…
)
(3)
.
ويقول الإمام ابن تيمية في معناه: "فأخبر أنه خلقهم حنفاء، وذلك يتضمن معرفة الرب، ومحبته، وتوحيده، فهذه الثلاثة تضمنتها الحنيفية وهي معنى قول لا إله إلا الله"
(4)
.
ويقول الإمام ابن القيم: في معرض استدلاله بالحديث على أن
(1)
أضواء البيان (1/ 309).
(2)
تفسير السعدي (ص 641).
(3)
أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار (4/ 2197)، برقم (2865).
(4)
مجموع الفتاوى (16/ 345).
الفطرة هي دين الإسلام: "وهذا صريح في أنهم خلقوا على الحنيفية، وأن الشياطين اقتطعتهم بعد ذلك عنها، وأخرجوهم منها. قال تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ} [البقرة: 257]، وهذا يتناول إخراج الشياطين لهم من نور الفطرة إلى ظلمة الكفر والشرك، ومن النور الذي جاءت به الرسل من الهدى والعلم إلى ظلمات الجهل والضلال"
(1)
.
وقال رحمه الله أيضًا في بيانه لهذا الحديث: "فأخبر أن تغيير الحنيفية التي خلقوا عليها بأمر طارئ من جهة الشيطان، ولو كان الكفار منهم مفطورين على الكفر لقال: خلقت عبادي مشركين فأتتهم الرسل فاقتطعتهم عن ذلك، كيف وقد قال: خلقت عبادي حنفاء كلهم، فهذا القول؛ أي: أن الفطرة هي دين الإسلام، أصح الأقوال والله أعلم"
(2)
.
ثالثًا: ما رواه أبو هُرَيْرَة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما مِنْ مَوْلُودٍ إلا يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ فأبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أوْ يُمَجِّسانِهِ كما تُنْتَجُ البَهِيمَةُ بَهِيمَة جَمعاءَ هَلْ تُحِسُّونَ فِيها مِنْ جَدْعاءَ" ثُمَّ يَقُولُ -أي: أبو هريرة-: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ}
(3)
.
وللحديث روايات أخرى منها قوله صلى الله عليه وسلم: "ما من مولود يولد إلا على فطرة الإسلام"، وقوله:"لا يولد مولود إلا على هذه الملة"
(4)
.
(1)
أحكام أهل الذمة (2/ 954).
(2)
المصدر نفسه (2/ 1070).
(3)
أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجنائز، باب: إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى عليه (1/ 456)، برقم (1293)، ومسلم في صحيحه، كتاب القدر، باب: معنى كل مولود يولد على الفطرة وحكم موت أطفال الكفار وأطفال المسلمين (4/ 2047)، برقم (2658).
(4)
انظر: صحيح مسلم (4/ 2048)، برقم (2658)، ومسند الإمام أحمد (2/ 253)، برقم (7438)، وصحيح ابن حبان (1/ 341)، وموارد الظمآن (1/ 399)، برقم =
فذكر صلى الله عليه وسلم أنواع الانحرافات العقدية، وأشار إلى أثر البيئة والتربية الاجتماعية في اتجاه الإنسان إلى الفطرة، أو الانحراف عنها، ولم يجعل الإسلام منها، وأنزل الكتب وأرسل الرسل وجعلهما ميزانًا للحق، ومصدرًا له، كما قال سبحانه:{كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ} [البقرة: 213].
وقد جاء الرسل بتكميل هذه الفطرة وتتميمها وتنميتها وإزالة غشاوة الباطل عنها، كما قال سبحانه:{وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36]
(1)
.
دلالة الحديث على أن معنى الفطرة الإسلام:
1 -
روايات الحديث المتعددة والمتعاضدة التي يفسر بعضها بعضًا، فمرة قال: على الملة أو على هذه الملة، ومرة قال: على فطرة الإسلام، وهي دالة على أن معنى الفطرة هو الإسلام
(2)
.
2 -
تأييد أبي هريرة رضي الله عنه لمعنى الحديث بالآية: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} [الروم: 30] وسبق بيان معنى الآية وأن الفطرة فيها الإسلام والتوحيد، وإخلاص الوجه لله تبارك وتعالى، ومن المعلوم أن تفسير الراوي حجة في هذا المقام، لحضوره وسماعه، ومعرفته بحقيقة الحال.
3 -
أن الحديث ذكر تغيير الفطرة بسائر ملل الكفر، ولم يذكر من ضمنها ملة الإسلام، فدلَّ على أنه باق على الأصل وهو الإسلام، ثم ينتقل منه إلى سائر الملل بعد فساد فطرته بتأثير أبويه.
= (1657)، والمعجم الكبير (1/ 283)، برقم (837).
(1)
انظر: مجلة البحوث الإسلامية، (عدد/ 46)، (ص 334).
(2)
انظر: درء التعارض (8/ 371)، أحكام أهل الذمة (2/ 961).