الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وحالًا، وقصدًا"
(1)
.
وقال المناوي: "والشهادتان: هما الأساس الكلي الحامل لجميع ذلك البناء، ولبقية تلك القواعد"
(2)
.
ويقول الشيخ عبد العزيز بن باز: "إن هاتين الشهادتين هما أصل الدين وأساس الملة وقاعدة الإسلام التي عليها مداره"
(3)
.
ويقول رحمه الله: "ومعلوم أن أصل الدين وأساسه وقاعدته التي عليها مدار أعمال العباد، هي تحقيق معنى شهادة أن لا إله إلا اللّه، وأن محمدًا رسول اللّه؛ قولًا: وعملًا، وعقيدة"
(4)
.
*
المسألة الرابعة * فوائد القاعدة وتطبيقاتها
لا يخفى علينا مكانة هذه القاعدة ومنزلتها من الدين، إذ لا يكاد يخلو باب من أبواب الدين إلا وله تعلق بهذه القاعدة، ولذا بنى أهل العلم على هذه القاعدة كثيرًا من التطبيقات والفوائد، وفيما يأتي بعض ما وقفت عليه من ذلك:
أولًا: إن جميع الفرق، والمذاهب، والطوائف، بل وسائر المعتقدات، والأديان المحرفة الباطلة التي خالفت منهج أهل السُّنَّة والجماعة، وضلت الصراط المستقيم فإنما حصل ذلك بسبب إخلالها بهذين الأصلين العظيمين اللذين تضمنتهما القاعدة، أو بأحدهما، وما من صاحب بدعة أو شَرّ أو ضلال إلا وسبب ضلاله وانحرافه عدم تحقيقه
(1)
مدارج السالكين (1/ 167)، وانظر: إغاثة اللهفان (2/ 134).
(2)
فيض القدير (3/ 208).
(3)
مجموع الفتاوى ومقالات متنوعة (2/ 336).
(4)
المصدر نفسه (16/ 242)، وانظر:(7/ 39).
لأحد هذين الأصلين اللذين يتميّز بهما أهل الإسلام والإيمان والسُّنَّة، وأصحاب الصراط المستقيم عن غيرهم من أهل الكفر، والبدعة، وأصحاب الضلالة والغواية.
يقول الإمام ابن تيمية: "فهذا أصل عظيم على المسلم أن يعرفه، فإنه أصل الإسلام الذي يتميز به أهل الإيمان من أهل الكفر، وهو الإيمان بالوحدانية والرسالة؛ شهادة أن لا إله إلا اللّه وأن محمدًا رسول اللّه، وقد وقع كثير من الناس في الإخلال بحقيقة هذين الأصلين أو أحدهما، مع ظنه أنه في غاية التحقيق، والتوحيد، والعلم، والمعرفة.
فإقرار المشرك بأن اللّه رب كل شيء، ومليكه، وخالقه لا ينجيه من عذاب اللّه إن لم يقترن به إقراره بأنه: لا إله إلا اللّه، فلا يستحق العبادة أحد إلا هو، وأن محمدًا رسول اللّه، فيجب تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، فلا بد من الكلام في هذين الأصلين"
(1)
.
بل من كان من أهل السُّنَّة والجماعة، ومن أهل الإيمان والطاعة، قد تصدر منه بعض المخالفة لمنهج أهل السُّنَّة والجماعة، والسبب هو عدم تحقيقه لهذين الأصلين كمال التحقيق قولًا وعملًا واعتقادًا.
يقول الإمام ابن تيمية: "ودليل هذا الأصل كثير في الكتاب والسُّنَّة، وهو أصل الإسلام: شهادة أن لا إله إلا الله، وشهادة أن محمدًا رسول اللّه، وهو متفق عليه بين الذين أوتوا العلم والإيمان؛ قولًا، واعتقادًا، وإن خالفه بعضهم عملًا، وحالًا، فليس عالم من المسلمين يشك في أن الواجب على الخلق طاعة الله ورسوله، وأن ما سواه إنما تجب طاعته حيث أوجبها الله ورسوله صلى الله عليه وسلم"
(2)
.
ثانيًا: إن هذين الأصلين -تحقيق الشهادتين- هما أول ما يسأل
(1)
مجموع الفتاوى (3/ 104 - 105).
(2)
مجموع الفتاوى (19/ 68).
عن تحقيقهما العبد في الآخرة، وعليه يُصَنَّفُ العِبَادُ إلى سعداء وأشقياء؛ فمن أتى بهما ووفى بحقوقهما كان من الناجين السعداء، ومن عارضهما وناقضهما كان من أهل النار الهالكين، والقاعدة دلت على أنهما أصل الإسلام وقاعدته التي عليها مدار الأعمال.
وهذا باب واسع؛ فإن الناس مضطرون إلى هذين الأصلين، فلا ينجون من العذاب، ولا يسعدون إلا بهما، فعليهم أن يؤمنوا بالأنبياء وما جاؤوا به، وأصل ما جاؤوا به: أن لا يعبدوا إلا اللّه وحده كما قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25)} [الأنبياء: 25]
(1)
.
يقول الإمام ابن تيمية: "والذين يحجون إلى القبور، ويدعون الموتى من الأنبياء وغيرهم عصوا الرسول، وأشركوا بالرب، ففاتهم ما أمروا به من تحقيق التوحيد، والإيمان بالرسول، وهو تحقيق شهادة أن لا إله إلا اللّه، وأن محمدًا رسول اللّه، وجميع الخلق يأتون يوم القيامة فيسألون عن هذين الأصلين: ماذا كنتم تعبدون، وبما أجبتم المرسلين، كما بسط هذا في موضعه"
(2)
.
ويقول رحمه الله: "قال أبو العالية
(3)
في قوله: {لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93)} [الحجر: 92، 93]، قال:(خلتان يسأل عنهما كل أحد؛ ماذا كنت تعبد؟ وماذا أجبن المرسلين؟)؛ فالأولى: تحقيق شهادة أن لا إله إلا اللّه، والثانية: تحقيق الشهادة بأن محمدًا رسول اللّه"
(4)
.
(1)
انظر: المصدر نفسه (27/ 279).
(2)
الرد على الأخنائي (ص 117).
(3)
هو: رفيع بن مهران البصري أبو العالية الرياحي، الفقيه المقرئ، مولى امرأة من بني رياح بطن من تميم، من جلة التابعين وثقاتهم، رأى أبا بكر وقرأ القرآن على أبي، وسمع من عمر وابن مسعود وعلي وعائشة رضي الله عنهم، توفي سنة 93 هـ. [ترجمته في: تذكرة الحفاظ (1/ 61)، وميزان الاعتدال في نقد الرجال (7/ 388)].
(4)
مجموع الفتاوى (19/ 172)، وانظر: الرد على الأخنائي (ص 202)، وأثر أبي =
ويقول أيضًا: "فلهذا كانت السعادة متضمنة لهذين الأصلين: الإسلام والإيمان، عبادة الله وحده وتصديق رسله، وهو تحقيق شهادة أن لا إله إلا اللّه، وأن محمدًا رسول اللّه"
(1)
.
ويقول ابن القيم: "وعنها -أي: عن لا إله إلا اللّه- يسأل الأولون والآخرون، فلا تزول قدما العبد بين يدي الله حتى يسأل عن مسألتين: ماذا كنتم تعبدون، وماذا أجبتم المرسلين، فجواب الأولى: بتحقيق لا إله إلا اللّه؛ معرفة، وإقرارًا، وعملًا، وجواب الثانية: بتحقيق أن محمدًا رسول اللّه، معرفة، وإقرارًا، وانقيادًا، وطاعة"
(2)
.
ثالثًا: تحقيق الشهادتين قولًا وعملًا واعتقادًا لا يحصل بدون العلم بهما، وفهم ما دلتا عليه من النفي والإثبات، إذ النطق بالشهادتين، والعمل بما تضمنتاه لا يوجد، بل لا يتصور من جاهل لمعنى هاتين الشهادتين، ولذا كان العلم بهما من أول ما يجب على المكلف من باب ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وكما سبنق فإنه يستحيل تحقيقهما بدون العلم ومعرفة ما دلتا عليه من العلم والعمل.
قال اللّه تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (19)} [محمد: 19]، وقال سبحانه:{هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (52} [إبراهيم: 52]، وقال عز وجل:{وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (86)} [الزخرف: 86]
(3)
، وقال تعالى:
= العالية أخرجه الطبري بسنده: "عن الربيع عن أبي العالية {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93)} قال: يسأل العباد كلهم عن خلتين يوم القيامة. عما كانوا يعبدون، وعما أجابوا المرسلين". [تفسير الطبري (14/ 67)].
(1)
النبوات (ص 91).
(2)
زاد المعاد (1/ 34).
(3)
قال الرازي في تفسيرها: "ومعنى من شهد بالحق: من شهد أنه لا إله إلا الله، ثم قال تعالى:{وَهُمْ يَعْلَمُونَ (86)} ، وهذا القيد يدل على أن الشهادة باللسان فقط =
وفي "الصحيح" عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: "من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا اللّه دخل الجنة"
(1)
.
وقد تضمنت هذه النصوص الأمر أولًا بالعلم بلا إله إلا اللّه، وأن الذين يملكون الشفاعة في الآخرة هم أهل العلم بالحق وهو لا إله إلا اللّه، كما خص اللّه تعالى أهل العلم دون بنية الناس بالشهادة بالقسط وبلا إله إلا اللّه، وأن الجنة لا يدخلها إلا من كان عالمًا بلا إلي إلا اللّه.
يقول الشيخ السعدي: " {إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ}: أي: نطق بلسانه مقرًا بقلبه، عالمًا بما يشهد به، ويشترط أن تكون شهادته بالحق: وهي الشهادة لله تعالى بالوحدانية، ولرسله بالنبوة والرسالة، وصحة ما جاءوا به من أصول الدين وفروعه، وحقائقه وشرائعه"
(2)
.
ويقول الشيخ عبد الله أبا بطين: "أول واجب على الإنسان: معرفة معنى هذه الكلمة، قال الله تعالى، لنبيه صلى الله عليه وسلم: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} [محمد: 19] وقال: {وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ} [الزخرف: 86] أي: بلا إله إلا اللّه {وَهُمْ يَعْلَمُونَ (86)} بقلوبهم ما شهدوا به بألسنتهم، فأفرض الفرائض: معرفة معنى هذه الكلمة، ثم التلفظ بها والعمل بمقتضاها"
(3)
.
ولذا بوب البخاري في "صحيحه" فقال: "باب العلم قبل القول
= لا تفيد البتة". [التفسير الكبير (27/ 199)، وانظر: تفسير الطبري (25/ 105)، تفسير السمعاني (5/ 119)].
(1)
أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب: الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعًا (1/ 55)، برقم (26)، من حديث عثمان بن عفان.
(2)
تفسير السعدي (771).
(3)
الدرر السنية في الأجوبة النجدية (2/ 310).
والعمل لقول الله تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} فبدأ بالعلم"
(1)
.
قال ابن المنير في توجيه تبويب البخاري: "أراد به أن العلم شرط في صحة القول والعمل، فلا يعتبران إلا به، فهو متقدم عليهما؛ لأنه مصحح للنية المصححة للعمل، فنبه المصنف على ذلك حتى لا يسبق إلى الذهن من قولهم: (إن العلم لا ينفع إلا بالعمل) تهوين أمر العلم والتساهل في طلبه"
(2)
.
يقول قوام السُّنَّة الإمام الأصبهاني
(3)
: "قال بعض العلماء: أول فرض فرضه الله على خلقه: معرفته، فإذا عرفه الناس عبدوه، قال الله تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} [محمد: 19] "
(4)
.
وقال الغزالي
(5)
فيما يجب على المكلف: "فأول واجب عليه:
(1)
صحيح البخاري (1/ 37)، وقيل: في المعنى المقصود من الآية وهو أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالعلم مع أنه من أعلم الخلق بلا إله إلا اللّه؛ فقيل: المراد الثبات على العلم لا ابتداء العلم؛ أي: فأثبت عليها، وقال بعضهم الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد غيره، ومثل هذا كثير، وقال الحسين بن الفضل: فازدد علمًا على علمك، وقال عبد العزيز بن يحيى الكناني: هو أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يضجر ويضيق صدره من طعن الكافرين والمنافقين فيه، فأنزل الله هذه الآية: يعني: فاعلم إنّه لا كاشف يكشف ما بك إلّا اللّه، فلا تعلق قلبك على أحد سواه. وقيل: غير ذلك. [انظر: تفسير السمعاني (5/ 177)، وتفسير الثعلبي (9/ 34)].
(2)
فتح الباري (1/ 160).
(3)
هو: الإمام العلامة الحافظ شيخ الإسلام أبو القاسم إسماعيل القرشي التميمي ثم الطلحي الأصبهاني الملقب بقوام السُّنَّة، قال الحافظ يحيى بن منده:(كان أبو القاسم حسن الاعتقاد جميل الطريقة قليل الكلام ليس في وقته مثله) له مؤلفات منها: "الترغيب والترهيب"، و"الحجة في بيان المحجة" توفي سنة خمس وثلاثين وخمسمائة [انظر: سير أعلام النبلاء (20/ 80)].
(4)
الحجة في بيان الحجة (1/ 122).
(5)
هو: محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الغزالي أبو حامد الملقب بحجة الإسلام، الفقيه الشافعي الأصولي صنف كثيرًا من الكتب منها:"إحياء علوم الدين"، و"الوسيط"، و"الوجيز في الفقه"، و"المستصفى"، و"المنخول"، و"شفاء الغليل في الأصول"، توفي سنة 505 هـ. [انظر ترجمته في: طبقات الشافعية للسبكي: =
تعلم كلمتي الشهادة وفهم معناهما، وهو قول لا إله إلا اللّه، محمد رسول اللّه"
(1)
.
ويقول الشيخ الإمام سليمان بن عبد الله آل الشيخ في معنى قوله عليه السلام: "من شهد أنه لا إله إلا اللّه": "أي: من تكلم بهذه الكلمة عارفًا لمعناها، عاملًا بمقتضاها، باطنًا وظاهرًا كما دل عليه قوله:{فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} ، وقوله:{إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (86)} [الزخرف: 86]، أما النطق بها من غير معرفة لمعناها، ولا عمل بمقتضاها فإن ذلك غير نافع بالإجماع، وفي الحديث ما يدل على هذا وهو قوله:(من شهد)؛ إذ كيف يشهد وهو لا يعلم
(2)
، ومجرد النطق بشيء لا يسمى شهادة به"
(3)
.
ويقول الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ: "وكل من عقل عن الله يعلم علمًا ضروريًا: أن المقصود من الشهادتين ما دلَّتا عليه من الحقيقة والمعنى، وما اشتملتا عليه من العلم والعمل، وأما مجرد اللفظ من غير علم بمعناهما، ولا اعتقاد لحقيقتهما فهذا لا يفيد العبد شيئًا، ولا يخلِّصه من شعب الشرك وفروعه
…
فالإيمان بمعناهما، والانقياد له لا يتصور ولا يتحقق إلا بعد العلم، والحكم على الشيء فرع عن تصوره؛ فإذا لم يعلم، ولم يتصور فهو كالهاذي، وكالنائم، وأمثالهما ممن لا يعقل ما يقول، بل لو حصل
= (4/ 101)، وطبقات الشافعية لابن قاضي شهبة:(1/ 293)].
(1)
إحياء علوم الدين (1/ 14).
(2)
روى الإمام الخلال في كتاب السُّنَّة: عن أبي بكر بن حماد المقري أنه سأل أبا عبد الله في هذه المسألة -أي: الشهادة للعشرة بالجنة- قال: تفرق بين العلم وبين الشهادة؟ قال: لا؛ إذا قلت أعلم فأنا أشهد، قال الله:{إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (86)} ، وقال:{وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا} [يوسف: 81] إسناده صحيح. [السُّنَة للخلال (2/ 356)، رقم (478)].
(3)
تيسير العزيز الحميد (ص 56).
له العلم، وفاته الصدق لم يكن شاهدًا، بل هو كاذب، وإن أتى بهما صورة"
(1)
.
رابعًا: دلت القاعدة على أن تحقيق الشهادتين لا بد أن يكون بالقول والعمل والاعتقاد، فلا بد من التصديق والمعرفة، ثم النطق مع الإقرار، والانقياد والالتزام والقبول للطاعات ظاهرًا وباطنًا.
يقول الإمام ابن القيم في قصة الكاهن الذي أقرَّ للنبي صلى الله عليه وسلم بالنبوة: "وفيها أن إقرار الكاهن الكتابي لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه نبي لا يدخله في الإسلام ما لم يلتزم طاعته ومتابعته، فإذا تمسك بدينه بعد هذا الإقرار لا يكون ردة منه، ونظير هذا قول الحبرين له وقد سألاه عن ثلاث مسائل، فلما أجابهما قالا: نشهد أنك نبي، قال: فما يمنعكما من اتباعي؟ قالا نخاف أن تقتلنا اليهود، ولم يلزمهما بذلك الإسلام، ونظير ذلك شهادة عمه أبي طالب له بأنه صادق هو، وأن دينه من خير أديان البرية دينًا، ولم تدخله هذه الشهادة في الإسلام.
ومن تأمل ما في السير والأخبار الثابتة من شهادة كثير من أهل الكتاب، والمشركين له صلى الله عليه وسلم بالرسالة، وأنه صادق فلم تدخلهم هذه الشهادة في الإسلام علم أن الإسلام أمر وراء ذلك، وأنه ليس هو المعرفة فقط، ولا المعرفة والإقرار فقط، بل المعرفة، والإقرار، والانفياد، والتزام طاعته ودينه ظاهرًا وباطنًا"
(2)
.
وقال الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ: "فاعلم أن العلماء أجمعوا على أن من صرف شيئًا من نوعي الدعاء لغير الله فهو مشرك ولو قال لا إله إلا الله محمد رسول اللّه وصلى وصام إذ شرط الإسلام مع التلفظ بالشهادتين أن لا يعبد إلا الله فمن أتى بالشهادتين وعبد غير الله
(1)
مصباح الظلال للشيخ عبد اللطيف آل الشيخ (ص 161).
(2)
زاد المعاد في هدي خير العباد (3/ 638 - 639).
فما أتى بهما حقيقة وإن تلفظ بهما كاليهود الذين يقولون لا إله إلا اللّه وهم مشركون ومجرد التلفظ بهما لا يكفي في الإسلام بدون العمل بمعناهما واعتقاده إجماعًا"
(1)
.
وقال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز: "أولًا لا بد من النطق بالشهادتين، فلو أمكنه النطق ولكنه امتنع من النطق لم يدخل في الإسلام حتى ينطق بالشهادتين، وهذا محل إجماع من أهل العلم، ثم مع النطق لا بد من اعتقاد معنى الشهادتين والصدق في ذلك، وذلك بأن يعتقد بأنه لا معبود حق إلا الله، ولو قالها كاذبًا كالمناففين يقولونها وهم يعتقدون أن مع الله آلهة أخرى لم تنفعهم هذه الكلمة، ولم يدخلوا في الإسلام باطنًا، كما قال تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (145)} [النساء: 145]، وقال عز وجل: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8)} [البقرة: 8]، فلا بد من التصديق بالقلب، واليقين بأنه لا معبود حق إلا الله؛ فإن استكبر عن الانقياد لشرع الله كفر ولم ينفعه النطق بالشهادتين. قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (62)} [الحج: 62]، وقال سبحانه: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (60)} [غافر: 60]، وهكذا لو استكبر عن الشهادة بان محمدًا رسول الله، أو قالها كاذبًا فإنه يكون كافرًا حتى يؤمن بأن محمدًا رسول الله، وينقاد لشرعه، وهذا أمر مجمع عليه بين أهل العلم، والله المستعان"
(2)
.
خامسًا: ومما ينبني على القاعدة من تفريعات قاعدة التلازم بين الظاهر والباطن بحيث إنه إذا صلح الباطن فلا بد من استقامة الظاهر،
(1)
تيسير العزيز الحميد (ص 183).
(2)
مجموع الفتاوى ومقالات متنوعة (5/ 340 - 341).
وإذا فسد الظاهر فليس فساده إلا من فساد الباطن، فمن صلح باطنه بقول القلب وعمله فلا بد من نطقه بالشهادتين، وعمله بالجوارح، فإذا لم ينطق بالشهادتين مع القدرة، ولم يعمل شيئًا من الأعمال دلَّ ذلك على فساد إيمانه الباطن، وهذا ما سبق تقريره مرارًا.
يقول الإمام ابن تيمية: "وإذا أفرد الإيمان أدخل فيه الأعمال الظاهرة؛ لأنها لوازم ما في القلب؛ لأنه متى ثبت الإيمان في القلب، والتصديق بما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم وجب حصول مقتضى ذلك ضرورة؛ فإنه ما أسرَّ أحد سريرة إلا أبداها اللّه على صفحات وجهه، وفلتات لسانه، فإذا ثبت التصديق في القلب لم يتخلف العمل بمقتضاه البتة، فلا تستقر معرفة تامة، ومحبة صحيحة ولا يكون لها أثر في الظاهر، ولهذا ينفي الله الإيمان عمن انتفت عنه لوازمه؛ فإن انتفاء اللازم يقتضي انتفاء الملزوم؛ كقوله تعالى:{وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (81)} [المائدة: 81]، وقوله:{لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [المجادلة: 22]، ونحوها، فالظاهر والباطن متلازمان، لا يكون الظاهر مستقيمًا إلا مع استقامة الباطن، وإذا استقام الباطن فلا بد أن يستقيم الظاهر
(1)
؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أَلا وَإنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ صَلُحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّه، أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ"
(2)
"
(3)
.
(1)
قصده -والعلم عند اللّه تعالى- باستقامة الباطن والظاهر هنا: أي: الاستقامة الحقيقة التي يترتب عليها صلاح العمل، وصحته، وقبوله عند الله تعالى، وأما الاستقامة الظاهرية مع عدم الصحة والقبول عند الله فلا يلزم منه صلاح الباطن وصحته، وبذلك تخرج أعمال أهل النفاق.
(2)
أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب: فضل من استبرأ لدينه (1/ 28)، برقم (52)، ومسلم في صحيحه، كتاب المساقاة، باب: أخذ الحلال وترك الشبهات (3/ 1291)، برقم (1599)، من حديث النعمان بن بشير.
(3)
مجموع الفتاوى (18/ 272).
ويقول رحمه الله في معنى الحديث: "فإذا كان القلب صالحًا بما فيه من الإيمان؛ علمًا، وعملًا قلبيًا لزم ضرورة صلاح الجسد بالقول الظاهر، والعمل بالإيمان المطلق، كما قال أئمة أهل الحديث: قول وعمل؛ قول باطن وظاهر، وعمل باطن وظاهر، والظاهر تابع للباطن، لازم له، متى صلح الباطن صلح الظاهر، وإذا فسد فسد"
(1)
.
ويقول الإمام ابن أبي العز الحنفي: "ولا شك أنه يلزم من عدم طاعة الجوارح عدم طاعة القلب، إذ لو أطاع القلب وانقاد لأطاعت الجوارح وانقادت، ويلزم من عدم طاعة القلب وانقياده عدم التصديق المستلزم للطاعة قال صلى الله عليه وسلم: "إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد ألا وهي القلب"، فمن صلح قلبه صلح جسده قطعًا بخلاف العكس"
(2)
.
ويقول ابن الحاج في تقرير معنى الحديث: "فالأصل الذي تتفرع عنه العبادات على أنواعها هو الإخلاص، وذلك لا يكون إلا بالقلب، فعلى هذا الجوارح الظاهرة تبع للباطنة، فإن استقام الباطن استقام الظاهر جبرًا، وإذا دخل الخلل في الباطن دخل في الظاهر من باب أولى، فعلى هذا ينبغي للمؤمن أن تكون همته وكليته في تخليص باطنه واستقامته؛ إذ أن أصل الاستقامة منه تتفرع، وهو معدنها، وقد نص الحديث على هذا وبيَّنه أتم بيان"
(3)
.
سادسًا: تحقيق الشهادتين لا يتم إلا بإخلاص العبادة لله سبحانه وتعالى وحده دون غيره من المعبودات والمألوهات، ومتابعة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، فمن لم
(1)
مجموع الفتاوى (7/ 187)، وانظر:(13/ 40)، (14/ 114)، (14/ 121).
(2)
شرح العقيدة الطحاوية (ص 384)، وانظر: الصلاة وحكم تاركها لابن القيم (ص 71).
(3)
المدخل لابن الحاج (1/ 7).
يخلص عبادته لله تعالى، وتعبَّد لله تعالى بما يخالف الطريقة المحمدية لم يكن ممن حقّق الشهادتين عملًا واعتقادًا، بل إن ذلك من صفات أهل البدع والفرقة الذين يعبدون مع الله غيره، وإذا عبدوه عبدوه بالبدع.
يقول الإمام ابن تيمية: "وأصل الإسلام: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول اللّه؛ فمن طلب بعباداته الرياء والسمعة فلم يحقق شهادة أن لا إله إلا الله، ومن خرج عما أمره به الرسول صلى الله عليه وسلم من الشريعة، وتعبد بالبدعة فلم يحقق شهادة أن محمدًا رسول اللّه، وإنما يحقق هذين الأصلين: من لم يعبد إلا اللّه، ولم يخرج عن شريعة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم التي بلغها عن الله، فإنه قال: "تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك"
(1)
"
(2)
.
(1)
أخرجه الإمام أحمد في مسنده (4/ 126)، رقم (17182)، والحاكم في المستدرك على الصحيحين (1/ 175)، رقم (331)، وابن ماجه في سننه، باب: اتباع سُنَّة الخلفاء الراشدين المهديين (1/ 16)، رقم (43)، وأبو نعيم في المستخرج على صحيح مسلم (1/ 36)، رقم (2)، وقال عقبه:"وهذا حديث جيد من صحيح حديث الشاميين، وهو وإن تركه الإمامان: محمد بن إسماعيل البخاري، ومسلم بن الحجاج فليس ذلك من جهة انكسار -[هكذا في المطبوع، ولعلها: إنكار، واللّه أعلم]- منهما له، فإنهما قد تركا كثيرًا مما هو بشرطهما أولى، إلى طريقهما أقرب"، وصححه الشيخ الألباني، وحسَّنه الشيخ محمد جمال الدين القاسمي. انظر:[سلسلة الأحاديث الصحيحة (2/ 610)، رقم (937)، وقواعد التحديث (ص 53)].
وقال الإمام أبو نعيم الأصبهاني بعد ذكره لرواية أخرى للحديث: "فَتَلَقَّت الهداة والعقلاء وصية نبيهم صلى الله عليه وسلم بالقبول، ولزموا التوطين على سُنَّته، وسُنَّة الهداة المرشدة من الخلفاء، فلم يرغبوا عنه، بل علموا أن الثبوت عليه غير ممكن إلا بتتبع ما سنَّه صلى الله عليه وسلم، وسنَّه بعده أئمة الهدى الذين هم خلفاؤه في أمته، فتركوا الاشتغال بهواجس النفوس، وخواطر القلوب، وما يتولد من الشبهات التي تولد آراء النفوس، وقضايا العقول؛ خوفًا من أن يزيغوا عن المحجة التي فارقهم عليها رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، الذي شبه ليلها بنهارها، مع ما جاءهم عن الله تعالى من الوعيد البليغ المصرح بنفي الإيمان عما خالفه صلى الله عليه وسلم، أو طعن على أحكامه، ولم تطب نفسه بالتسليم له". [انظر: المسند المستخرج على صحيح مسلم لأبي نعيم الأصبهاني (1/ 37)].
(2)
مجموع الفتاوى (11/ 617 - 618)، وانظر:(5/ 52).
ويقول رحمه الله: "ودين الإسلام مبنى على أصلين؛ وهما: تحقيق شهادة أن لا إله إلا اللّه، وأن محمدًا رسول اللّه، وأول ذلك أن لا تجعل مع اللّه إلهًا آخر؛ فلا تحب مخلوقًا كما تحب اللّه، ولا ترجوه كما ترجو اللّه، ولا تخشاه كما تخشى الله، ومن سوى بين المخلوق والخالق في شيء من ذلك فقد عدل بالله، وهو من الذين بربهم يعدلون، وقد جعل مع الله إلهًا آخر وإن كان مع ذلك يعتقد أن الله وحده خلق السماوات والأرض.
الأصل الثاني: أن نعبده بما شرع على ألسن رسله عليهم السلام لا نعبده إلا بواجب أو مستحب، والمباح إذا قصد به الطاعة دخل في ذلك"
(1)
.
ويقول رحمه الله أيضًا: "فلا ينفع المريد القاصد أن يعبد؛ أي معبود كان، ولا أن يعبد الله بأي عبادة كانت، بل هذه طريقة المشركين المبتدعين الذين لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به اللّه؛ كالنصارى ومن أشبههم من أهل البدع الذين يعبدون غير الله، بغير أمر اللّه، وأما أهل الإسلام والسُّنَّة فهم يعبدون اللّه وحده، ويعبدونه بما شرع، لا يعبدونه بالبدع إلا ما يقع من أحدهم خطأ"
(2)
.
سابعًا: ومما ينبني على القاعدة أن لا يُعْتقد في غير الله تعالى شيءٌ من خصائص الألوهية أو الربوبية، ولا في غير رسوله صلى الله عليه وسلم شيءٌ من خصائص النبوة والرسالة، فمن وُجِدَ في قلبه أو حاله شيءٌ من ذلك لم يكن قد تحقق بالشهادتين قولًا وعملًا واعتقادًا، بل يشهد عليه لسان حاله إقراره بألوهية إله غير الله -تعالى وتنزه- وبنبوة رسول غير محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم.
يقول الإمام ابن تيمية: "فإن رأس الإسلام شهادة أن لا إله إلا اللّه،
(1)
مجموع الفتاوى (1/ 310 - 311)، وانظر أيضًا:(1/ 333).
(2)
مجموع الفتاوى (10/ 487).
وأن محمدًا عبده ورسوله، فلا بد من إخلاص الدين لله حتى لا يكون في القلب تأله لغير اللّه، فمتى كان في القلب تأله لغير اللّه فذاك شرك يقدح في تحقيق شهادة أن لا إله إلا اللّه، ولا بد من الشهادة بأن محمدًا رسول اللّه، وذلك يتضمن تصديقه في كل ما أخبر، وطاعته فيما أمر به، ومن ذلك الإيمان بأنه خاتم النبيين، وأنه لا نبي بعده، فمتى جعل لغيره نصيبًا من خصائص الرسالة والنبوة كان في ذلك نصيب من الإيمان بنبي بعده، ورسول بعده؛ كالمؤمنين بنبوة مسيلمة، والعنسي، وغيرهما من المتنبئين الكذابين، كما قال صلى الله عليه وسلم:"إن بين يدي الساعة ثلاثين دجالين كذابين كلهم يزعم أنه رسول الله"
(1)
.
فمن أوجب طاعة أحد غير رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل ما يأمر به، وأوجب تصديقه في كل ما يخبر به، وأثبت عصمته أو حفظه في كل ما يأمر به، ويخبر من الدين فقد جعل فيه من المكافأة لرسول اللّه، والمضاهاة له في خصائص الرسالة بحسب ذلك؛ سواء جعل ذلك المضاهي لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم بعض الصحابة، أو بعض القرابة، أو بعض الأثمة والمشايخ، أو الأمراء من الملوك وغيرهم"
(2)
.
ثامنًا: تضمنت القاعدة التعريف بأصلي الإسلام الذين ينبني عليهما هذا الدين، الأصل الأول: معرفة المعبود والتعرف على أسمائه وصفاته،
(1)
أصل الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الفتن، باب: باب خروج الناس .. (6/ 2605)، برقم (6704)، ومسلم في صحيحه، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب: لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيتمنى أن يكون مكان الميت من البلاء، (4/ 2239)، برقم (157)، ولفظهما عن أبي هريرة رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللّه صلى الله عليه وسلم قَالَ: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَقْتَتِلَ فِئَتَانِ عَظِيمَتَانِ يكُونُ بَيْنَهُما مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ، دَعْوَتُهُمَا وَاحِدَةٌ، وَحَتَّى يُبْعَثَ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ قَرِيبٌ مِنْ ثَلَاِثينَ كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولَ اللهِ
…
"، وهناك ألفاظ أخرى للحديث رواها أصحاب السُّنن قريبة مما ذكره شيخ الإسلام.
(2)
جامع الرسائل (1/ 273).
واستحقاقه للعبادة دون ما سواه، وأن جميع ما عبد بالتنديد من دونه لا يستحق شيئًا من العبادة والخضوع، والأصل الثاني: معرفة الطريق المؤدية والموصلة إلى رضوان ذلك المعبود العظيم الذي اتصف بجميع صفات الكمال، ونعوت الجلال، وهو طريق الرسول صلى الله عليه وسلم؛ إذ هو أعظم من عبده ووحده وأخلص له.
يقول الشيخ حافظ الحكمي: "الشهادتان؛ وهما شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول اللّه،
…
فبالشهادة الأولى يعرف المعبود وما يجب له، وبالثانية يعرف كيف يعبده، وبأي طريق يصل إليه، وكيف يؤمن بالعبادة أحد قبل تعريفه بالمعبود، وكيف يؤديها من لم يعرف كيف أمر الله أن يعبد، ففي الشهادة الأولى توحيد المعبود الذي ما خلق الخلق إلا ليعبدوه وحده لا شريك له، وفي الشهادة الثانية توحيد الطريق الذي لا يوصل إلى الله تعالى إلا منه، ولا يقبل دينًا ممن ابتغى غيره، ورغب عنه"
(1)
.
تاسعًا: تحقيق الشهادتين لا يحصل إلا باجتماعهما؛ أي: تحقيق شهادة أن لا إله إلا اللّه لا يصح ولا يقبل لا حقيقة ولا حكمًا إلا بعد أن ينضم إليه تحقيق شهادة أن محمدًا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، فهما قرينتان لا ينفك أحدهما عن الآخر في حال الإسلام وصحة الإيمان.
ولذلك لم يقبل الرسول صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب كاليهود مثلًا قولهم: لا إله إلا اللّه، وقاتلهم، وحكم بكفرهم لعدم إيمانهم وتصديقهم وإقرارهم بأن محمدًا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم.
يقول الإمام ابن تيمية: "وأما الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم فهو المهم؛ إذ لا يتم الإيمان بالله بدون الإيمان به، ولا تحصل النجاة والسعادة بدونه؛ إذ هو الطريق إلى الله سبحانه؛ ولهذا كان ركنا الإسلام: أشهد أن لا إله
(1)
معارج القبول (2/ 619 - 620).
إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم"
(1)
.
عاشرًا: ومما يستفاد من القاعدة أنه لا يجوز أن يحكم على شخص بأنه حقق الشهادتين، أو حقق التوحيد؛ لما سبق بيانه في معنى القاعدة أن التحقيق لا يحصل إلا بمطابقة القول مع العمل الصادر عن اعتقاد صحيح، وانقياد قلبي سليم.
يقول الإمام ابن القيم: "وفيه معنى آخر: وهو أن الاستعانة، والاستعاذة، والاستغفار: طلب وإنشاء، فيستحب للطالب أن يطلبه لنفسه، ولإخوانه المؤمنين. وأما الشهادة فهي إخبار عن شهادته لله بالوحدانية، ولنبيه بالرسالة، وهي خبر يطابق عقد القلب، وتصديقه، وهذا إنما يخبر به الإنسان عن نفسه؛ لعلمه بحاله، بخلاف إخباره عن غيره، فإنه إنما يخبر عن قوله، ونطقه، لا عن عقد قلبه والله أعلم"
(2)
.
(1)
مجموع الفتاوى (7/ 638).
(2)
حاشية ابن القيم (6/ 106).