الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ويقول الإمام ابن تيمية رحمه الله في استحباب استقبال القبلة حال الدعاء: "وهذا أصل مستمر، فإنَّه لا يستحب للداعي أن يستقبل إلا ما يستحب أن يصلي إليه؛ ألا ترى أن المسلم لما نهي عن الصلاة إلى جهة المشرق وغيرها، فإنَّه ينهى أن يتحرى استقبالها وقت الدعاء"
(1)
.
*
المسألة الخامسة* فوائد القاعدة وتطبيقاتها
يمكن الاستفادة من هذه القاعدة في نواحٍ عدة
أولًا: أن الاستقبال بقصد التقرب عبادة لله تعالى، وذلك لأمر الله تعالى به فيما سبق من الآيات، كما أن الاستقبال داخل في حد الصلاة وهيئتها.
يقول الإمام ابن تيمية: "ولأن الصلاة إلى الشيء استقبال له وتوجه إليه، وجعل له قبلة؛ فإن ما يستقبله المصلي قبلة له كما أن البيت قبلة له، يبين هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن النخامة في القبلة، والاستقبال داخل في حدود الصلاة، ولهذا أمرنا أن نستقبل في صلاتنا أشرف البقاع وأحبها إلى الله وهو بيته العتيق"
(2)
.
وقال رحمه الله: "فإن اختصاص بعض الجهات والأمكنة بأنه يستقبل دون غيرها هو أمر شرعي، ولهذا افترقت أهل الملل كما قال تعالى: {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا} [البقرة: 148] "
(3)
.
ثانيًا: استقبال القبلة عبادة مشروعة، وعليه فلا يجوز استقبال غير القبلة في الصلاة، ومن صلى إلى غير جهة القبلة فقد عارض نصوص الكتاب والسُّنَّة وناقضها، وهو من أضل الناس، وأبعدهم عن الله تعالى.
(1)
اقتضاء الصراط المستقيم (ص 365).
(2)
شرح العمدة (4/ 481).
(3)
بيان تلبيس الجهمية (2/ 460).
يقول الإمام ابن تيمية: "فمن اتخذ الصخرة اليوم قبلة يصلى إليها فهو كافر مرتد
(1)
يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، مع أنها كانت قبلة لكن نسخ ذلك، فكيف بمن يتخذها مكاناً يطاف به كما يطاف بالكعبة؟! والطواف بغير الكعبة لم يشرعه الله بحال، وكذلك من قصد أن يسوق إليها غنمًا أو بقرًا ليذبحها هناك، ويعتقد أن الأضحية فيها أفضل، وأن يحلق فيها شعره في العيد، أو أن يسافر إليها ليعرف بها عشية عرفة.
فهذه الأمور التي يشبه بها بيت المقدس في الوقوف والطواف والذبح والحلق من البدع والضلالات، ومن فعل شيئًا من ذلك معتقدًا أن هذا قربة إلى الله فإنَّه يستتاب فإن تاب وإلا قتل، كما لو صلى إلى الصخرة معتقدًا أن استقبالها في الصلاة قربة كاستقبال الكعبة؛ ولهذا بنى عمر بن الخطاب مصلى المسلمين في مقدم المسجد الأقصى"
(2)
.
ويقول رحمه الله: "فمن قصد أن يصلي إلى غير تلك الجهة لم يكن على دين الإسلام؛ لأنَّه يريد أن يعبد الله بما لم يأمره، وهكذا كل بدعة تخالف أمر الرسول؛ إما أن تكون من الدين المبدل الذي ما شرعه الله قط، أو من المنسوخ الذي نسخه الله بعد شرعه كالتوجه إلى بيت المقدس"
(3)
.
ثالثًا: الاستقبال المقصود في القاعدة هو الاستقبالى بقصد القربة وحصول الثواب من الله تعالى، وإفراد العبودية له عز وجل، أما الاستقبال والتوجه بدون نية التعبد والتقرب لشيء وإنما كان لغرض آخر فلا يدخل ضمن القاعدة.
(1)
التوجه إلى القبلة حال الصلاة مما قطعت به النصوص، وأجمعت عليه الأمة، وعرفه الصغير والكبير، والعالم والجاهل، فصار من المعلوم من الدين بالضرورة، فالمخالف لذلك يكفر لتكذيبه بالنصوص.
(2)
مجموع الفتاوى (27/ 11).
(3)
النبوات (ص 94).
رابعًا: إطلاق لفظ القبلة خاص بالكعبة عرفًا وشرعًا، وعليه فليس للمسلمين إلا قبلة واحدة يستقبلونها في صلاتهم بنية القربة وحصول الثواب.
يقول الإمام ابن تيمية: "فليس للمسلمين بل ولا لغيرهم قبلتان أصلاً في العبادات التي هي من جنسين؛ كالصلاة والنسك فضلاً عن العبادات التي هي من جنس واحد وبعضها متصل ببعض"
(1)
.
وقال رحمه الله أيضًا: "وأنه ليس لنا إلا قبلة واحدة، وأن محمدًا لا نبي بعده"
(2)
.
ويقول الإمام ابن القيم: "بل ومن خصائصها كونها قبلة لأهل الأرض كلهم، فليس على وجه الأرض قبلة غيرها"
(3)
.
يقول ابن الحاج: "وليحذر مما يفعله بعضهم من أنهم يتعمدون الصلاة خلف الصخرة، حتى يجمعوا في صلاتهم بنياتهم بين استقبال القبلتين الكعبة والصمخرة، واستقبال الصخرة منسوخ باستقبال الكعبة، فمن نوى ذلك فهو بدعة، بل ينوي استقبال الكعبة فقط دون أن يخلط معها ما ذكر"
(4)
.
فتعظيمها واستقبالها بهذه النية بدعة؛ لأنها منسوخة بالكعبة، وعليه فلا تتعلق بها عبادة من العبادات من حيث التوجه أبدًا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
ويقول الإمام ابن تيمية: "وأما أهل العلم من الصحابة والتابعين لهم بإحسان فلم يكونوا يعظمون الصخرة؛ فإنَّها قبلة منسوخة، كما أن يوم السبت كان عيدًا في شريعة موسى عليه السلام، ثم نسخ في شريعة محمد بيوم الجمعة، فليس للمسلمين أن يخصوا يوم السبت ويوم الأحد بعبادة،
(1)
بيان تلبيس الجهمية (2/ 452).
(2)
مجموع الفتاوى (21/ 543).
(3)
زاد المعاد (1/ 49).
(4)
المدخل (4/ 243).
كما تفعل اليهود والنصارى، وكذلك الصخرة إنما يعظمها اليهود وبعض النصارى"
(1)
.
ومن ثم تعقَّب بعض أهل العلم من يعبر عن المسجد الأقصى بأنه: (أُوْلَى القبلتين)، وجزم بأنها عبارة موهمة؛ إذ قد يفهم من هذا التعبير بأن للمسلمين قبلتين معظمتين من حيث التوجه إليهما؛ المسجد الأقصى ومسجد الكعبة، وهذا لا يصح كما سبق، فإن قبلة المسجد الأقصى منسوخة
(2)
، ولا يصح تعظيمها بهذا الاعتبار.
يقول الشيخ ابن عثيمين: "المسألة السابعة: أن للأمة الإسلامية قبلة سابقة، وقبلة لاحقة؛ نسمع تعبيراً عن المسجد الأقصى:(إنه ثالث الحرمين وأولى القبلتين)، وهذا التعبير يحتاج إلى فهم؛ إذا قلنا: ثالث الحرمين فإنَّه ربما يفهم السامع أن المسجد الأقصى له حرم، أو أنه حرم، وليس كذلك فإن المسلمين أجمعوا على أنه لا حرم إلا في مكة والمدينة، واختلفوا في وادي وج، وهو واد في الطائف، والصحيح أنه ليس بحرم، أما المسجد الأقصى فليس بحرم، لكنه مسجد معظم تشد
(1)
مجموع الفتاوى (27/ 12 - 13).
(2)
ومع كونها منسوخة من حيث استقبالها في صلاة الفريضة إلا أن فضلها وبعض أحكامها لا زالت باقية، كما هي سُنّة الله تعالى فيما قضى بنسخه، يقول الإمام ابن القيم رحمه الله:"فتأمل الأحكام المنسوخة؛ حكمًا حكمًا كيف تجد المنسوخ لم يبطل بالكلية، بل له بقاء بوجه؛ فمن ذلك نسخ القبلة، وبقاء بيت المقدس معظمًا محترمًا تشد إليه الرحال، ويُقْصد بالسفر إليه، وحط الأوزار عنده، واستقباله مع غيره من الجهات في السفر، فلم يبطل تعظيمه واحترامه بالكلية، وإن بطل خصوص استقباله بالصلوات، فالقصد إليه ليصلى فيه باق، وهو نوع من تعظيمه وتشريفه بالصلاة فيه، والتوجه إليه قصدًا لفضيلته، وشرعه له نسبة من التوجه إليه بالاستقبال بالصلوات، فقدم البيت الحرام عليه في الاستقبال؛ لأن مصلحته أعظم وأكمل، وبقي قصده وشد الرحال إليه والصلاة فيه منشأ للمصلحة، فتمت للأمة المحمدية المصلحتان المتعلقتان بهذين البيتين، وهذا نهاية ما يكون من اللطف وتحصيل المصالح وتكميلها". [مفتاح دار السعادة (2/ 32 - 33)].
الرحال إليه، وأما أولى القبلتين فإنَّه قد يفهم السامع أن هناك قبلتين باقيتين، وأن أولاهما المسجد الأقصى، فيظن السامع أن الاتجاه إلى المسجد الأقصى ليس بمنسوخ مع أنه منسوخ، والذي ينبغي أن يتجنب الإنسان كل عبارة فيها إبهام، ونقول في المسجد الأقصى إنه أحد المساجد الثلاثة التي تشد الرحال إليها، وكفى به شرفًا أن تشد الرحال إليه"
(1)
.
وكلامه رحمه الله هو باعتبار ما يؤدي إليه من الوهم وسوء الفهم عند بعض الناس، وإن كانت العبارة من الناحية اللغوية الشرعية مستقيمة لا إشكال فيها على أحد القولين في المسألة؛ فإن قبلة بيت المقدس هي القبلة الأولى في الإسلام التي أمر صلى الله عليه وسلم باستقبالها والتوجه إليها؛ وأما على القول الآخر وهو أن قبلة بيت المقدس إنما شرعت في المدينة، وأنه صلى الله عليه وسلم كان بمكة يستقبل البيت الحرام فتكون العبارة غير صحيحة من حيث الواقع وحقيقة الأمر، وعليه تكون قبلة الكعبة هي القبلة الأولى والأخيرة.
خامسًا: تضمنت القاعدة الرد على بعض الغلاة الذين يستقبلون قبور شيوخهم في الصلاة أو غيرها ويعتبرون هذه القبور هي قبلة الخواص منهم، أما الكعبة فهي قبلة العوام من المسلمين.
يقول الإمام ابن تيمية: "مع أن طائفة من غلاة العباد يصلون إلى قبور شيوخهم، بل يستدبرون القبلة ويصلون إلى قبر الشيخ، ويقولون هذه قبلة الخاصة والكعبة قبلة العامة"
(2)
.
ويقول رحمه الله: "ومنهم من يستقبل قبر شيخه وقت الصلاة ويستدبر الكعبة، ويقول: هذا قبلة الخاصة والكعبة قبلة العامة، وهذا كفر صريح
(1)
مجموع فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن صالح العثيمين (12/ 430).
(2)
تلخيص كتاب الاستغاثة (1/ 166).
يوجب استتابة قائله مع أنه يفعله طائفة من الزهاد والعباد، وبعضهم يسجد لقبورهم"
(1)
.
ويقول رحمه الله أيضًا: "ومنهم من يجعل استقبالها -أي: القبور- في الصلاة أولى من استقبال الكعبة ويقول: هذه قبلة الخاصة والكعبة قبلة العامة. ومعلوم أن هذا من الكفر بالرسول وبما جاء به الرسول، ومن الشرك برب العالمين لا يفعل هذا من يعلم أن الرسول جاء بخلافه، وأن الرسول جاء بالحق الذي لا يسوغ خلافه، بل إنما يفعل هذا من كان جاهلاً بسُنّة الرسول، أو من يجعل له طريقًا إلى الله غير متابعة الرسول، مثل من يجعل الرسول مبعوثًا إلى العامة، وأنه أو شيخه من الخاصة الذين لا يحتاجون إلى متابعة الرسول، أو أن لهم طريقًا أفضل من طريقة الرسول، ونحو ذلك وهؤلاء كلهم كفار وإن عظموا قبر الرسول كما يعظمون قبور شيوخهم"
(2)
.
ومن هؤلاء الضلال من يتقصد الجهة التي فيها شيخه، أو من يعظمه، وقت الدعاء، ولا شك أنه لم يصدر منهم هذا الاستقبال إلا لاعتقادهم في شيوخهم، وانتفاعهم بذلك التوجه، وهذا أمر من الخطورة بمكان؛ وهو من البدع الشنيعة، ومن أقصر الطرق المؤدية إلى الوقوع في الشرك بالله العظيم.
يقول الإمام ابن تيمية: "ومن الناس من يتحرى وقت دعائه استقبال الجهة التي يكون فيها معظمه الصالح،
…
وهذا ضلال بيِّن وشرك واضح .. وكل هذه الأشياء من البدع التي تضارع دين النصارى"
(3)
.
سادساً: تضمنت القاعدة إبطال فعل من يقف مستقبلًا القبر النبوي أو الحجرة النبوية من أي مكان في المسجد بعيدًا عن مكان القبر؛ وذلك
(1)
تلخيص كتاب الاستغاثة (1/ 88).
(2)
الرد على الإخنائي (ص 22).
(3)
اقتضاء الصراط المستقيم (ص 365).
من أجل السلام على الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا الواقف لا يخلو من حالتين: إما أن يقصد باستقباله السلام على الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا لا يجوز؛ إذ لم يثبت فعل هذه الهيئة عن السلف لا من الصحابة ولا من بعدهم من أهل القرون المفضلة، ولا عن أهل العلم الموثوق بدينهم وعلمهم، وإنما كانوا يسلمون عليه في الصلاة أو عند القبر، كما أن هذه هي سُنَّة الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه ما كان يسلم على الأموات من بعيد، وإنما كان هديه السلام عليهم في المقبرة، أو عند قبورهم، كما هو معلوم من سيرته عليه الصلاة والسلام؛ ولذا جاء في حديث بريدة
(1)
قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر فكان قائلهم يقول:
…
السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله للاحقون أسأل الله لنا ولكم العافية)
(2)
.
فإن قصد السلام والدعاء لنفسه أو لغيره متحريًا الإجابة باستقباله للقبر أو للحجرة، فإن ذلك من البدع التي تؤدي وتقود إلى الشرك بالله العظيم، إذ الأصل في من دعا لنفسه استقبال القبلة، ولا يقصد بدعائه لنفسه استقبال غير القبلة، كما أن في ذلك ذريعة إلى تعظيم القبور وعبادتها من دون الله تعالى.
أما الدعاء للميت نفسه فقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم الدعاء للميت في حال استقباله للقبر، فقد روي أنه كان: (إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه
(1)
هو: بريدة بن الحصيب بن عبد الله الأسلمي، من المهاجرين الأولين ممن هاجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم قبل قدومه المدينة ولحق به، ثم حمل عمامته وشدها في رمح ومشى بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم يوم قدومه المدينة، كنيته أبو سهل، سكن البصرة ثم سجستان ثم مرو فاستوطنها إلى أن مات، وبها عقبه، وقبره بمرو معروف. [ترجمته في: مشاهير علماء الأمصار (ص 60)].
(2)
رواه مسلم في صحيحه، باب: ما يقال عند دخول القبور والدعاء لأهلها (2/ 671)، رقم (975).
فقال: "استغفروا لأخيكم وسلوا له التثبيت فإنَّه الآن يسأل")
(1)
.
يقول الإمام ابن تيمية: "ولو كان استقبال الحجرة عند الدعاء مشروعًا لكانوا هم أعلم بذلك، وكانوا أسبق إليه ممن بعدهم، والداعي يدعو الله وحده، وقد نهى عن استقبال الحجرة عند دعائه لله تعالى كما نهى عن استقبال الحجرة عند الصلاة لله تعالى"
(2)
.
وقال الشيخ محمد المعصومي في شأن من يتوجهون إلى القبر النبوي من جميع نواحي المسجد للسلام والدعاء: "وأما التوجه إلى قبره صلى الله عليه وسلم من كل نواحي المسجد كلما دخل المسجد أو كلما فرغ من الصلاة، فليس من دين الإسلام أصلًا، بل من شعار عباد الأوثان والمشركين قطعًا"
(3)
.
ولم يكتف هؤلاء الواقفون المستقبلون للحجرة النبوية بالسلام أو الدعاء البدعي، بل زادوا على ذلك الوقوف بخشوع وخضوع وتواضع ووضع لليد اليمنى على اليسرى كالهيئة التي يقفون بها أمام الله تعالى، بل قد يكون وقوفهم واستقبالهم للقبر أشد طمأنينة وأعظم خشوعًا، وأكمل خضوعًا، ومن المعلوم أن الوقوف والاستقبال بخشوع وخضوع وطمأنينة عبادة عظيمة لا تصرف إلا لله تبارك وتعالى، فهي من هيئات التعظيم الخاصة برب العالمين، وصرفها لغيره سبحانه من الشرك الواضح والكفر المستبين.
يقول الشيخ المعصومي: "والعمل الذي- أنتم أيها المدعون-
(1)
أخرجه أبو داود في سننه (3/ 215) برقم (3221)، والبيهقي في السنن الكبرى (4/ 56) برقم (6856)، وحكم الإمام النووي على إسناده بأنه: جيد. [المجموع (5/ 252)].
(2)
مجموع الفتاوى (1/ 353).
(3)
المشاهدات المعصومية لمحمد سلطان المعصومي، وهو ضمن المجموع المفيد في نقض القبورية ونصرة التوحيد للأستاذ الدكتور/ محمد الخميس (ص 257).
تعملونه من التوجه إلى القبر النبوي بالتواضع والتذلل هو بعينه ما يفعله عباد الأوثان لأوثانهم، رجاء البركة والفيض، فإذن لا فرق بين ما تعملونه أنتم أيها المدعون، وما تعمله عبدة الأوثان!! اللات والعزَّى وودّ وسواع ويعوق ويغوث ونسرًا.
واحذروا مما أنتم عليه من التوجه إلى القبر؛ لأنَّه وثنية وشرك وضلالة، وصلوا وسلموا على النبي صلى الله عليه وسلم حيثما كنتم، فإن صلاتكم تصل إليه، والعمدة على صدق النية، والتوجه بقصد القربة مخصوص شرعًا بالكعبة خاصة، فمن توجه إلى غيرها بقصد القربة فقد أشرك في عبادة الله تعالى غيره"
(1)
.
ويبين العلامة الأمين الشنقيطي بأن وضع اليد اليمنى على اليسرى من الهيئات الداخلة في الصلاة فلا يجوز أن تصرف لغيره سبحانه وتعالى، فيقول: "اعلم أنه يجب على كل مسلم أن يتأمل في معنى العبادة، وهي تشمل جميع ما أمر الله أن يتقرب إليه به من جميع القربات؛ فيخلص تقربه بذلك إلى الله ولا يصرف شيئًا منه لغير الله كائنًا ما كان.
والظاهر أن ذلك يشمل هيئات العبادة فلا ينبغي للمُسَلِّم عليه صلى الله عليه وسلم أن يضع يده اليمنى على اليسرى كهيأة المصلي؛ لأن هيأة الصلاة داخلة في جملتها فينبغي أن تكون خالصة لله، كما كان صلى الله عليه وسلم هو وأصحابه يخلصون العبادات وهيئاتها لله وحده"
(2)
.
وقال الشيخ عبد العزيز بن باز في بيان هذه البدعة الشنيعة المنكرة: "وهكذا ما يفعله بعض الزوار عند السلام عليه صلى الله عليه وسلم من وضع يمينه على شماله فوق صدره، أو تحته كهيئة المصلي؛ فهذه الهيئة لا تجوز عند السلام عليه صلى الله عليه وسلم، ولا عند السلام على غيره من الملوك والزعماء وغيرهم؛
(1)
المشاهدات المعصومية (ص 260 - 261).
(2)
أضواء البيان (7/ 410).
لأنَّها هيئة ذل وخضوع وعبادة لا تصلح إلا لله، كما حكى ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله في الفتح عن العلماء، والأمر في ذلك جلي واضح لمن تأمل المقام، وكان هدفه اتباع هدي السلف الصالح.
وكذا ما يفعله بعض الناس من استقبال القبر الشريف من بعيد، وتحريك شفتيه بالسلام أو الدعاء، فكل هذا من جنس ما قبله من المحدثات، ولا ينبغي للمسلم أن يحدث في دينه ما لم يأذن به الله، وهو بهذا العمل أقرب إلى الجفاء منه إلى الموالاة والصفاء"
(1)
.
ويقول الشيخ العثيمين في جواب سؤال عن شرعية استقبال قبر النبي صلى الله عليه وسلم من أي مكان في المسجد: "إذا كان يريد بذلك أن يسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فنقول له: ادن من القبر، فإن زيارة القبر لا بد فيها من الدنو، وإذا كنت تريد أن تدعوه فهو شرك أكبر يخرجك من ملة الرسول- عليه الصلاة والسلام، أو أن تدعو الله متوجهًا إلى القبر فهذا بدعية ووسيلة للشرك، وليس من المعقول أن تنصرف من بيت الله إلى قبر الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فإن بيت الله الذي يجب على كل مسلم أن يتجه إليه في صلاته أفضل من قبر الرسول صلى الله عليه وسلم، فأفضل بقعة على وجه الأرض هو بيت الله عز وجل الكعبة، فلا يليق بك وأنت تدعي أنك تعبد الله أن تتوجه بدعائك إلى قبر الرسول عليه الصلاة والسلام دون أن تتوجه إلى بيت الله، هذا من تسفيه ومن إضلال الشيطان لبني آدم وإغوائه إياهم، وإلا فبمجرد أن يفكر الإنسان بقطع النظر عن الدليل الشرعي يعلم أن هذا ضلال وسفه، حينئذٍ نقول للواقف على هذا الوجه يريد التسليم على رسول الله صلى الله عليه وسلم نقول له: ادن من القبر، والذي يدعو الله متوجهًا إلى القبر، نقول: هذا بدعة ووسيلة للشرك وضلال في الدين وسفه في العقل؛ لأن توجهك إلى بيت الله أولى من توجهك إلى قبر الرسول صلى الله عليه وسلم.
(1)
مجموع فتاوى ومقالات متنوعة (16/ 110).
وإذا كان يتوجه هذا التوجه يدعو الرسول صلى الله عليه وسلم فهو مشرك شركًا أكبر يخرجه عن ملة رسول الله- عليه الصلاة والسلام"
(1)
.
وقد جعل العلامة المحدث عبد المحسن بن حمد العباد -حفظه الله- هذا الاستقبال بهذه الكيفية من الزيارة البدعية، فقال:"الثاني: أن يضَعَ يدَيْهِ على صدرِه كهيئَةِ الصلاةِ فإنَّ ذلك لا يَجوزُ، لأنَّ هذه هيئةُ خضوعٍ وذلٍّ لله عز وجل شُرعت في الصلاةِ حيث يكون المسلمُ قائمًا في صلاتِه يُناجِي ربَّه، وقد كان أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياتِهِ إذا وَصَلُوا إليه لا يَضَعُون أيدِيهم على صدورِهم عندَ سلامِهم عليه، ولو كان خيرًا لَسبَقُوا إليه"
(2)
.
وقد قرر الإمام ابن تيمية بأن العبادات بجميع أجزائها وهيآتها لا يجوز أن يصرف منها شيء لغيره سبحانه، فقال: "وأصناف العبادات الصلاة بأجزائها مجتمعة، وكذلك أجزاؤها التي هي عبادة بنفسها من السجود، والركوع، والتسبيح، والدعاء، والقراءة، والقيام، لا يصلح إلا لله وحده، ولا يجوز أن يتنفل على طريق العبادة إلا لله وحده؛ لا لشمس، ولا لقمر، ولا لملك، ولا لنبي، ولا صالح، ولا لقبر نبي، ولا صالح، هذا في جميع ملل الأنبياء.
وقد ذكر ذلك في شريعتنا حتى نهى أن يتنفل على وجه التحية والإكرام للمخلوقات؛ ولهذا نهى النبي معاذًا أن يسجد له، وقال:"ولو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها"
(3)
،
(1)
مجموع فتاوى ورسائل محمد بن صالح العثيمين (17/ 302)، برقم (267).
(2)
فضل المدينة وآداب سكناها وزيارتها، للشيخ عبد المحسن العباد البدر (ص 40).
(3)
أخرجه أبو داود في سننه (2/ 244)، برقم (2140)، وابن ماجه (1/ 595) برقم (1852)، والحديث صححه الشيخ الألباني: [انظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة (3/ 201 - 202) تحت حديث (1203).
ونهى عن الانحناء في التحية
(1)
، ونهاهم أن يقوموا خلفه في الصلاة وهو قاعد"
(2)
"
(3)
.
(1)
أخرجه الإمام أحمد في مسنده (3/ 198) برقم (13067)، والترمذي في جامعه (5/ 75) برقم (2728)، وحسنه، كما حسنه الشيخ الألباني. [انظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة (1/ 298 - 299) تحت حديث رقم (160)، قال في الإحياء: (والانحناء عند السلام منهي عنه
…
والالتزام والتقبيل قد ورد به الخير عند القدوم من السفر". [إحياء علوم الدين (2/ 204)].
(2)
أخرجه الإمام مسلم في صحيحه (1/ 309) برقم (309) برقم (413)، وابن حبان في صحيحه (5/ 491) بر قم (2122)، وابن ماجه في سننه (1/ 393) برقم (1240).
(3)
مجموع الفتاوى (1/ 74 - 75).