الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
نص ما به من الاقتراح الذي في جريدة الأهرام
قال النائب المحترم في اقتراحه:
"زال الوقف الأهلي من جميع بلاد الدنيا إلا من مصر، فقد بقي فيها عاملًا من أكبر عوامل الشقاء والظلم والتعاسة والحرمان، ومثارًا للشكايات، ومنشأً للخصومات وفساد الأخلاق وخراب الأرض والديار، وتمكين المرابين من رقاب المستحقين.
إن أضرار الوقف أولًا: فالوقف حجر ليس فقط على المستحقين، بل على الأعيان، فهو يفرض غرامة وحجْرًا قسريًّا على أشخاص عقلاء ومتمتعين بكامل الأهلية، ويخرج الأعيان نفسها من التعامل أو من مجموع الثروة فيجعلها في حكم غير الموجودة لا تصلح للضمان ولا للثقة، ولو أُطلِقت الحرية في الوقف لكان هذا مصير جميع أطيان القطر، وهكذا نحن نجري سريعًا نحو الحجر على جميع سكان القطر، وعلى إخراج جميع ثروته من التعامل، وهي نتيجة تخالف العقل.
ثانيًا: لا شك أن نظام الوقف أدى إلى عكس الغرض الذي قصده الواقفون من ضمان عيش هنيءٍ للمستحقين، ففي سنة 1926/ 1927 بلغت المبالغ المحجورة تحت يد وزارة الأوقاف فقط نحو مليون جنيه، حالة أن استحقاق المحجور عليهم في السنة مائة واثنان وعشرون ألف جنيه.
ثالثًا: أنه قد ارتفعت المصلحة في الإصلاح وحلت المصلحة في الاغتيال، لأن من يدير لحساب نفسه ليس كمن يدير لحساب غيره، وقد أدى نظام الوقف إلى خراب الدور والأماكن الموقوفة، فعددُ الأماكن التي تنتظر عليها الوزارة كان ثلاثين وتسعمائة وسبعة آلاف منها ألفان خمسة وعشرون مكانًا خرِبًا أو في حكمه، وأكثر الباقي يسير نحو الخراب. وقس على ذلك الأراضي الزراعية، فإنه ثبت أن من ضمن الأطيان المنتظرة عليها وزارةُ الأوقاف واحد وثلاثون ألفًا وخمسمائة وأربعة وعشرون فدانًا فاتها الإصلاح فأصبحت بورًا.
رابعًا: أنه يؤدي إلى تجزئة الوقف إلى أجزاء صغيرة تنعدم معها كلُّ منفعة.
خامسًا: ومن أضراره كثرةُ الخصومات والشكايات وانتشار البغضاء بين الأهل والأقارب، وإفساد المستحقين بنشر البطالة بينهم، لأن العمل للناظر، والمستحق يعيش عيشة المحال على المعاش ولو كان في ريعان الشباب.
سادسًا: أنه يجبر الإنسان على البقاء في الشيوع، ويعطي الفرصةَ لبعض الواقفين الواقعين تحت تأثيرات غير مشروعة لمخالفة الفرائض الشرعية، بحرمان ذوي الفروض، أو إيثار بعض الورثة على بعض، أو تضمين وقفياتهم شروطًا تعسفية لم تصدر إلا عن شهوات ذاتية كاشتراط عدم زواج البنت أو إبعاد الأهل أو عدم زواج الزوجة أو حرمان أولاد البطون، إلى غير ذلك.
غير أن أصحاب المصالح الذين ينتفعون من نظام الوقف لا حجةَ لهم إلا التحكك بالدين، والدين بريء منهم. ويكفي أن نذكر للرد عليهم أن الوقف ليس نظامًا إسلاميًّا، بل إنه كان موجودًا عند قدماء المصريين وعند الرومان وعند الإفرنج عامة فتخلصوا منه جميعًا ولم يبق إلا في مصر. وأقوى ردٍّ عليهم أن القاضي شُريْحًا - وهو من كبار التابعين ومن أعظم فقهاء الإسلام - يقول بعدم جواز الوقف أصلًا، وأن الإمام أبا حنيفة يرى أن للواقف أن يرجع عن وقفه وينحل حتمًا بعد وفاته وتوزع رقبته ومنفعته بين الورثة.
وفي مصر نفسها لجأ برقوق إلى علماء المسلمين فأفتوه بحل الوقف الأهلي، كما لجأ محمد علي باشا إليهم فأعطوه نفس الفتوى. ومما جاء في فتواهم أن الوقف من الأمور التي وقع فيها خلاف أئمة الاجتهاد وأن أمر الآمر متى صادف فصلًا مجتهدًا فيه نفذ أمره، أي وجب امتثاله والامتناع عن مخالفته. وبما أن الوقف الخيري الغرض منه صدقة من الصدقات، وهو مما يحث عليه، كما أنه هو الأصل في الشريعة الإسلامية، فإننا نحبذه، فضلًا عن أنه لم يبلغ من الكثرة ما يخشى منه، وبما أن حل الوقف تعترضه مشاكل كثيرة، فإننا نكتفي في هذا المشروع بمنع الوقف الأهلي من وقت صدور هذا القانون".