المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌حكمة التشريع الإسلامي وأثره في الأخلاق - جمهرة مقالات ورسائل الشيخ الإمام محمد الطاهر ابن عاشور - جـ ٢

[ابن عاشور]

فهرس الكتاب

- ‌الفَرْعَ الثَّانِيفِقْهُ النّبوَّة وَالسِّيرَة

- ‌نسب الرسول صلى الله عليه وسلم ومناسبته لعليِّ ذلك المقام

- ‌سلسلة النسب النبوي

- ‌شرف هذا النسب:

- ‌طهارة هذا النسب:

- ‌زكاء هذا النسب:

- ‌قصة المولد [والمبعث والرسالة]

- ‌نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌طهارة النسب الشريف:

- ‌مولده صلى الله عليه وسلم

- ‌نشأته صلى الله عليه وسلم

- ‌بعثته صلى الله عليه وسلم

- ‌الهجرة

- ‌ظهور الإسلام في المدينة:

- ‌الغزوات:

- ‌شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبناؤه:

- ‌شمائله صلى الله عليه وسلم وأخلاقه

- ‌أسماؤه الشريفة:

- ‌الشمائل المحمدية

- ‌مقدمة:

- ‌الآثار المروية في الشمائل:

- ‌تفصيل الشمائل:

- ‌من يشبه رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌محمد صلى الله عليه وسلم رسول الرحمة

- ‌إعراض الرسول صلى الله عليه وسلم عن الاهتمام بتناول الطعام

- ‌الطعام مادة جسدية ولذة حيوانية:

- ‌المدد الروحاني:

- ‌جوع الرسول صلى الله عليه وسلم[والحكمة منه]:

- ‌توجع بعض السلف عند ذكر ذلك:

- ‌تنافس آل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في الاقتداء به:

- ‌معجزة الأمية

- ‌المعجزات الخفية للحضرة المحمدية

- ‌ما هي المعجزات وأي شيء هي المعجزة الخفية

- ‌أصناف المعجزات الخفية:

- ‌المقصد العظيم من الهجرة

- ‌الكتاب الذي هم به رسول الله صلى الله عليه وسلم قبيل وفاته

- ‌مشكلات:

- ‌الحكم المتجلية من هذا المقام الجليل:

- ‌مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌[مقدمة]

- ‌صفة مجلس الرسول عليه السلام

- ‌كيفية التئام مجلس الرسول وخروجه إليه:

- ‌هيئة المجلس الرسولي:

- ‌ما كان يجري في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌وقت المجلس الرسولي:

- ‌آداب مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌أثر الدعوة المحمدية في الحرية والمساواة

- ‌ الحرية

- ‌المقام الأول: في الحرية والمساواة في الشريعة المحمدية:

- ‌دعوة الإسلام إلى الحرية:

- ‌مظاهر الحرية

- ‌حرية العبيد:

- ‌سد ذرائع انخرام الحرية:

- ‌تحصيل:

- ‌المساواة:

- ‌ موانع المساواة

- ‌المقام الثاني: أثر الدعوة المحمدية في الحرية والمساواة بين الأمم غير أتباع الإسلام:

- ‌المدينة الفاضلة

- ‌[تمهيد]

- ‌[الفطرة وأصول الاجتماع الإنساني]:

- ‌[سعي الأنبياء والحكماء لتأسيس المدينة الفاضلة]:

- ‌[الإسلام وتأسيس المدينة الفاضلة]:

- ‌[قوام المدينة الفاضلة وخصائصها وصفاتها]:

- ‌المحْوَر الثَّالِثفِي الأُصُولِ وَالفِقْهِ وَالفَتْوى

- ‌الفَرْع الأَوّلالأصُوْل

- ‌حكمةُ التشريع الإسلامي وأثره في الأخلاق

- ‌المحكم والمتشابه

- ‌بيان وتأصيل وتحقيق لحكم البدعة والمنكر

- ‌الفَرْعَ الثَّانِيالفِقْهُ وَالفَتْوَى

- ‌حكم قراءة القرآن على الجنازة

- ‌قراءة القرآن في محطة الإذاعة

- ‌السؤال:

- ‌الجواب

- ‌[تمهيد: استحباب سماع القرآن]

- ‌ في حكم تصدي القارئ للقرآن بمركز الإذاعة

- ‌في حكم سماع السامعين قراءة القرآن من آلة الإذاعة:

- ‌ثبوت الشهر القمري

- ‌الجواب:

- ‌ثبوت شهر رمضان بالهاتف أو المذياع

- ‌النسب [في الفقه الإسلامي]

- ‌القسم الأول: معلومات تمهيدية

- ‌أهمية النسب في مباحثات الفقه:

- ‌اقتضاء الفطرة العناية بالنسب:

- ‌الأوهام التي علقت بالنسب:

- ‌عناية الشريعة بحفظ النسب:

- ‌القسم الثاني:‌‌ معنى النسبلغة، وحقيقته الشرعية، وأنواعه

- ‌ معنى النسب

- ‌حقيقة النسب:

- ‌أصناف النسب وأسماؤها الجارية في كلام الفقهاء:

- ‌القسم الثالث: طريقة ثبوت النسب

- ‌مصادر استنباطها:

- ‌مبنى النسب:

- ‌الطريق الأول: الفراش:

- ‌الثاني: الحمل:

- ‌الطريق الثالث: البينة:

- ‌الطريق الرابع: الدعوة:

- ‌الطريق الخامس: الإقرار بالنسب:

- ‌الطريق السادس: حوز النسب:

- ‌الطريق السابع: شهادة السماع

- ‌الطريق الثامن: القافة:

- ‌الطريق التاسع: حكم القاضي:

- ‌القضاء بالقرعة في النسب وغيره:

- ‌القسم الرابع: مبطلات النسب وما لا يبطله

- ‌تمهيد:

- ‌مبطلات النسب:

- ‌ما لا يبطل به النسب:

- ‌ما يتوهم أنه يقطع النسب:

- ‌القسم الخامس: آثار النسب

- ‌ الحفظ

- ‌البر

- ‌الصلة:

- ‌الوقف وآثاره في الإسلام

- ‌[تقديم]

- ‌نص ما به من الاقتراح الذي في جريدة الأهرام

- ‌أصل التملك قبل الإسلام:

- ‌مقصد الشريعة الإسلامية في تصريف الأموال

- ‌الوقف في نظر الشريعة الإسلامية:

- ‌انقسام الحبس:

- ‌هل الوقف من الإسلام

- ‌ليس الوقف حجرًا على الرشداء:

- ‌هل في الوقف مصلحة أو مفسدة

- ‌هل الوقف خرمٌ لنظام الاقتصاد العام

- ‌هل من حق ولاة الأمور منع الناس من الوقف

- ‌هل صدرت الفتوى بإبطال بعض أنواع الوقف؟ وهل إذا أفتى بذلك من أفتى تكون فتواه صحيحة

- ‌الصاع النبوي

- ‌المخالفة في مقادير المكاييل المستعملة في كثير من بلاد المسلمين ومقادير المكاييل الشرعية:

- ‌نشأة الصاع النبوي وما ظهر بعده من الأصواع:

- ‌ضبط مقدار الصاع النبوي بوجه عام:

- ‌ضبط مقدار الصاع النبوي بمكيال تونس الحالي:

- ‌خاتمة

- ‌زكاة الأموال

- ‌زكاة الحبوب

- ‌التعامل بالأوراق المالية

- ‌حكم الربا في التعامل بالأوراق المالية:

- ‌زكاة "تذاكر البانكة" [الأوراق المالية]

- ‌[معنى الأوراق المالية المعروفة بتذاكر البانكة]:

- ‌حكم زكاة الأوراق المالية المعبَّر عنها بتذاكر البانكة:

- ‌لحوق الأوراق النقدية بأصناف الزكاة

- ‌مشروعية الزكاة:

- ‌المعنى الموجب للزكاة:

- ‌جواز تصريف رقاع الديون مع التعجيل بإسقاط

- ‌جواز القرض برهن

- ‌المصطلح الفقهي في المذهب المالكي

- ‌[مقدمة: المصطلح الفقهي وترجمة القوانين الأجنبية]:

- ‌[المصطلح الفقهي بين الوضع اللغوي والنقل الشرعي]:

- ‌[عوامل تكون المصطلح الفقهي في المذهب المالكي]:

- ‌[فقه الإمام مالك في الموطأ وتأسيس المصطلح الفقهي]:

- ‌[تنوع أسلوب مالك في التعبير اللغوي عن مسائل الفقه]:

- ‌[تطور المصطلح الفقهى بانتشار فقه الإمام مالك]:

- ‌[منهجان في الفقه المالكي]:

الفصل: ‌حكمة التشريع الإسلامي وأثره في الأخلاق

‌حكمةُ التشريع الإسلامي وأثره في الأخلاق

(1)

الإنسان - كما قال بعضُ الحكماء - "مجموع عادات". (2) فإذا تأملتَ أعمالَ البشر خيرها وشرَّها، فرديَّها واجتماعيَّها، وجدتَها تأوي إلى اعتياد الخير أو الشر في تفكير النفوس وأفعالها. وتجد تلك العاداتِ منبعثةً عن أمور ثلاثة: الفطرة، والفلتة المتكررة، والتلقين، فهي أنواعٌ ثلاثة لأسباب العادات النفسانية.

فالعاداتُ التي سببها الفطرة هي معظمُ عادات النفوس، وفيها الجمُّ الكثير من الكمالات النفسانية، ولولا أن النفوسَ البشرية فُطرت عليها لانخرم نظامُ العالم. ولَها أمثلةٌ كثيرة، كصدق الحديث، ووفاء الوعد، والشفقة على الضعيف، والنصيحة، وإعانة المحتاج، وحب العدل، وكراهة الظلم.

والعاداتُ التي سببها الفلتةُ المتكررة هي العاداتُ التي تنحرف لأجلها الفطرة، من خطور خواطرَ تخيِّل للمفكِّر فيها أنها تجلب له ملائمًا أو تدفع عنه منافِرًا، مثل الكذب لترويج جلب نفع أو دفع ضرر، ومثل القسوة على الضعيف لابتزاز ما يحتوي عليه من أشياء يشتهيها القاسي، ومثل الغش للإيقاع فيما يخال منه الغاشُّ تحصيلَ مطلوب له. فهذه ونحوُها تحريفاتٌ للفطرة، فإن هي كانت لقضاء

(1) الهداية الإسلامية، المجلد 12، الجزء 1، رجب 1358/ أغسطس 1939 (ص 2 - 5).

(2)

هذا ما يذهب إليه كثيرٌ من علماء الاجتماع والإناسة (الأنثروبولوجيا)، بقطع النظر عن الاختلاف في التفاصيل الاصطلاحية والتفريعات المنهجية داخل هذين المجالين من العلوم المختصة بدراسة الاجتماع الإنساني.

ص: 747

لُبانات (1) وقتية، كانت فلتاتٍ عارضةً، ولم تكن عاداتٍ راسخة. وإذا عاودت صاحبَها باضطرار إلى تكرر أسبابها أو بتذوق حلاوة نوالِها، أصبحت عاداتٍ راسخةً في الفرد أو في الجماعة.

والعاداتُ التي سببُها التلقينُ هي الأفعالُ المتكررة الناشئةُ عن اقتداء بالغير وتقليد إياه، لاعتقاد كمالٍ فيه أو لإعجابٍ بأحواله، وهو المسمَّى بالتأسِّي. وإنما تظهر أمثلةُ النوعين الثاني والثالث في العادات السيئة، إذ هي التي يتوقَّف رسوخُها في النفوس على أحد هذين القسمين. أما العاداتُ الصالِحة فهي في غُنْيَةٍ عنهما؛ إذ هي في مستقر الفطرة، وإنما نجدها تحتاج إلى التكرير والتلقين لقصد رسوخها وتيسيرها على النفوس فقط.

وخواطرُ النفوس تجول بالخير والشر بحسب الفطرة، كما أنبأ عن ذلك قولُه تعالى:{فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8)} [الشمس: 8]. (2) غير أن كثيرًا من الفضائل الحقة تحول دونه ودون النفوس غشاوةُ الشهوة النفسانية التي تنساق إلى الرذائل والمذام، متى وجدت فيها ملاءماتٍ ولذات، منها ما هي عاجلةٌ لا تلبث أن تعقب منافرات وآلامًا لِمُرتكبِها، ومنها ما هي دائمةٌ أو طويلة لكنها أضدادُ الفضائل، فحصولُها حائلٌ دون تحصيل الفضائل. فمن أجل ذلك وُجد البشر محتاجًا إلى الإرشاد إلى العمل الصالح والاعتياد به، ولتجنبه العمل السيِّئ والاعتياد به. وقد سُمِّيَ العملُ الصالح بالمصلحة، وسُمِّيَ العمل السيِّئ بالمفسدة.

(1) لُبانات، جمع لُبانة، واللبانة الحاجة من غير فاقة، ولكن نَهمة. يقال: ما قضيت لُبانتي، أي نهمتي.

(2)

قال المصنف خلال تفسيره للآية المذكورة: "وتعدية الإلهام إلى الفجور والتقوى في هذه الآية مع أن الله أعلم الناس بما هو فجور وما هو تقوى بواسطة الرسل، باعتبار أنه لولا ما أَوْدَعَ الله في النفوس من إدراك المعلومات على اختلاف مراتبها لمَا فهموا ما تدعوهم إليه الشرائع الإلهية، فلولا العقولُ لمَا تيسر إفهامُ الإنسان الفجور والتقوى، والعقاب والثواب". تفسير التحرير والتنوير، ج 15، ص 370.

ص: 748

وقد جاءت الشرائعُ الحقة لهذا الغرض الأسمى، أنبأ عن ذلك ما حكاه الله تعالى عن بعض رسله:{إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ} [هود: 88]، فعلمنا أنه مأمور من الله بإرادته الإصلاح، كما قال صاحب موسى:{وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي} [الكهف: 82]، وكما صرح بذلك قوله تعالى:{وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (205)} [البقرة: 205].

والشريعةُ الإسلامية هي أرقى الشرائع في احتراش (1) الفضيلة من مكامن خفائها، واجتثاث الرذائل من جراثيم أدوائها، وفي تيسير سبل الوصول إلى تلك الفضائل، والتحلِّي منها بأنفع الوسائل. لذلك كانت حكمةُ التشريع الإسلامي ومقصده هي جلب المصالح على أكمل وجه، ودرء المفاسد إلى أقصى حد، مع ما يعني ذلك من إخراج المكلف عن داعية هواه، بحيث "يكون عبدًا لله اختيارًا، كما هو عبدٌ لله اضطرارا". (2)

والمرادُ بالهوى في شائع إطلاقه في لسان الشرع الميلُ إلى الباطل؛ لأنه يُذكَر في مقابلة الهدى والدين والبرهان. ويتحقق الخروجُ عن داعية الهوى بالإرشاد إلى المصالح الحقة والمفاسد الثابتة، وكشف القناع عن وجوهها إذا التبست بما يغشاها من الغشاوات؛ فإن من الصالح جليًّا وخفيًّا، وكلاهما منه عاجل الجَنِيِّ ومنه آجله، إلى مختلف الإنِّي. (3)

(1) الاحتراش: أخذ الصائد الضبّ من جحره بحيلة معروفة. - المصنف.

(2)

هذه الجملة الأخيرة هي من كلام النحرير أبي إسحاق الشاطبي في كتابه "عنوان التعريف".- المصنف. انظر الموافقات، ج 1، ص 469.

(3)

كذا جاء رسم هذه اللفظة، ولم يتبين لي الوجه في قراءتها.

لعل الصواب: الإنِيّ، وفي تاج العروس مادة (أنى): والإنَى، كإلَى وعَلى: كل النهار، جمع آناء بالمد، وأُنِيٌّ وإِنِيٌّ، كعُتِيّ بالضم والكسر. اهـ. قوله: إلى مختلف الإنِيّ، أي: إلى مختلف الأوقات.

ص: 749

ويتحقق حصولُ العبودية الاختيارية له تعالى بمقدار الامتثال لوصايا الشريعة الإلهية وتيسيره على النفوس، حتى تصيرَ كالغنية عن معاودة التذكير، وحتى يكون الانسياقُ إلى الطاعة ميسَّرًا عليها، وذلك باعتياد الامتثال وحب فعل الخير. وقد أومأ إلى ذلك قوله تعالى:{فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (10)} [الليل: 5 - 10]، فقوله:"أعطى واتقى وصدق بالحسنى"، كنايةٌ عن أعمال الإسلام، وقوله:"بخل واستغنى وكذب بالحسنى"، كنايةٌ عن أضدادها من خصال الجاهلية. ومرجِعُ ذلك التيسير إلى أن تصيرَ الحسنى والفضائل دأبًا وعادة.

إن عادة الأعمال النفسانية تُسَمَّى خُلُقًا، والْخُلُق منه خلقٌ كريم ومنه خلق ذميم، وقد شاع في الاصطلاح تخصيصُ لفظ الخلق بالآداب النفسية الصالحة. وإذ قد تقرر بما قدمته أن خلاصةَ حكمة التشريع الإسلامي وغايته تيسيرُ الحسنى والفضائل حتى تصير دأبًا للمسلمين وعادة، استقام لنا أن أثرَ التشريع الإسلامي هو حصولُ مكارم الأخلاق. وقد تأيد هذا المعنى بما رواه مالك في الموطأ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"بعثت لأُتَمِّمَ حسن الأخلاق"؛ (1) أي لتحصيل غاية مكارم الأخلاق بإكمال ما أهملته الفطرةُ السليمة، وما أغفلته الشرائعُ السابقة والآداب، تنبيهًا عليها وحثًّا على تحصيلها. ولكن ذلك كلَّه لا يخلو عن نقصٍ في الكمية بإضاعة بعض مكارم الأخلاق، وفي الكيفية بضعفٍ فيه أو تحريف، وفي وسائل ذلك كله من أساليب الدعوة وسدِّ الذريعة وقلة الاكتراث باللائمة، ونحو ذلك مما امتاز به التشريعُ الإسلامي.

(1) سبق تخريجه في مقال "التنبيه على أحاديث ضعيفة أو موضوعة رائجة على ألسنة الناس" في القسم الثاني من هذا المجموع.

ص: 750

وهناك دليلٌ آخر على ما أصَّلْناه، وهو قوله تعالى لرسوله:{وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)} [القلم: 4]. ولا شكَّ أن حالَ الرسول هو أكملُ ما تطلبه شريعتُه من أتباعه، وهو معنى كمال التشرُّع بالشريعة. ولذلك قالت عائشة لما سئلت عن خلق رسول الله:"كان خلقه القرآن"، (1) وهل القرآن إلا كتابُ الشريعة الإسلامية؟ فانتظم لنا من هذا القياس نتيجةٌ هي أن أثرَ التشريع الإسلامي هو مكارم الأخلاق، وأن تصير الأعمالُ التي يدعو الإسلام إليها خلقًا للمسلمين.

لو شئتُ أن أُفيضَ القولَ في بيان حكمة التشريع في فروع كثيرة من فروع الشريعة لأريتك أن الغاية منها التخلُّقُ بالمكارم في سائر الأحوال الفردية والاجتماعية؛ أي أن تصير الفضائلُ خلقًا للمسلمين. فثِق مني على الإجمال بأن سائرَ الأوامر والنواهي الشرعية ترمي إلى هذا الغرض، وأن جميعَ وصايا القرآن والسنة تحث على استخدام الإرادة في المداومة على العمل، وتصيير الامتثال ملكةً وسجية وعدم الإخلال بذلك، فلذلك كان كُلُّ إخلالٍ محتاجًا إلى الندم والتوبة.

وأوجَزُ برهانٍ على هذا وأقنعُه ما جاء في الكتاب والسنة مما يقتضي نفيَ الإيمان عن المرتبك في المعصية لأوامر الله، كقوله تعالى:{وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (1) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا} [الأنفال: 1 - 3]، وكقوله تعالى:{بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ} [الحجرات: 11] الموهم أن الفسوقَ يزيل الإيمان ويرفعه، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم:"لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن"، (2) يريد أن ذلك لا يقع منه وهو في حال الإيمان؛ أي

(1) سبق تخريجه في القسم الأول، في مقال:"التقوى وحسن الخلق".

(2)

جزء من حديث عن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يزنِي الزاني حين يزنِي وهو مؤمن، ولا يشرب الخمرَ حين يشرب وهو مؤمن، ولا يسرِق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبةً، =

ص: 751

في حال رسوخ الإيمان منه وكونه خُلقًا وسجية، إذ الأخلاقُ تصير ملكاتٍ راسخة ذاتية، وما بالذات لا يتخلف.

وإذ قد علمنا علمَ اليقين بأن التشريع جاء على سواء لسائر أفراد الأمة، علمنا أن المقصد منه أن يصير أفرادُ الأمة مجبولين على مكارم الأخلاق. أنشأت دعوةُ الإسلام جماعةً صالحة حول الرسول صلى الله عليه وسلم، وهي الجماعة الموصوفة بالسابقين الأولين، كانت أخلاقُهم أشبهَ شيء بأخلاق مرشدهم الأعظم. ثم أنشأت أهلَ مدينةٍ صالحِين بصلاح مَنْ هاجر إليهم، واغتباطهم بالالتحاق بفضائلهم، فاستوت أخلاقُهم. ثم صار مَنْ يزجّ في الجامعة الإسلامية ملتحِقًا في الخير بالذين لحق بهم، فتكونت يومئذ أمةٌ كاملة، مكارم الأخلاق سجاياها، والعمل الصالح دأبُها وهُجيراها. (1)

لقد أراد الله تعالى أن يكون الإسلامُ دعوةً عامة لسائر البشر في جميع الأقطار والأعصار، فلذلك أمر الله الجماعةَ الذين تلقوا هذا الدين أولَ مرة بأن يدعوا الناس إلى اتباعه، كما آذن به قوله تعالى خطابًا لهم:{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: 143]. فالله يريد مِنْ كلِّ مسلمٍ أن ينجبلَ على مكارم الأخلاق الإسلامية، لتكون أحوالُه وأقوالُه وسائلَ إلى قبول دعوته لدى غير المسلمين، وقدوةً صالحة في أعين المدعوين. ألا ترى أن الله أمر المسلمين بحسن الخلق في المجادلة بمثل ما أمر به الرسول الأعظم، فقال في خطاب المسلمين:{وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [العنكبوت: 46]، وقال في

= يرفع الناس إليه فيها أبصارهم، حين ينتهبها، وهو مؤمن". صحيح البخاري، "كتاب المظالم"، الحديث 2475، ص 400؛ "كتاب الأشربة"، الحديث 5578، ص 991؛ "كتاب الحدود"، الحديث 6772، ص 1168؛ صحيح مسلم، "كتاب الإيمان"، الحديث 100، ص 45؛ سنن الترمذي، "كتاب الإيمان"، الحديث 2625، ص 618؛ سُنَنُ أبي دَاوُد، "كتاب السنة"، الحديث 4689، ص 738.

(1)

راجع مزيدَ بسطٍ لهذه المعاني في مقال "المدينة الفاضلة" في القسم الثاني، الفرع الثاني من الكتاب.

ص: 752

خطاب رسوله: {وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: 125]؟ فلا جرم أن هذه ناحية أخرى لأثر التشريع الإسلامي في الأخلاق.

ثم نرتقي متقصِّين أثرَ التشريع الإسلامي في مكارم الأخلاق، فنجد له أثرًا جليلًا في إصلاح غير المسلمين؛ فإن الله تعالَى كما أراد أن يكون الإسلامُ دعوةً عامة لسائر البشر كما تقرر آنفًا، كذلك قد قضى أن يكون من بين المدعوين إلى الإسلام أممٌ تُعرِضُ عن الدعوة ولا يُحْظَوْن بالشرف به. فلا نحسب هؤلاء محرومين من آثار الإسلام في تحسين أخلاقهم؛ لأنهم حين يمازجون المسلمين ويشاهدون ما تحلَّوْا به من الهدى ومكارم الأخلاق والفضائل في معظم أحوالهم أو سائرها، تتجلى لهم صورةٌ من العظمة الحقة، وتنتشر بينهم سمعةُ المسلمين، فتتحدق عيونُ تلك الجماعة إلى الأخذ من آداب المسلمين بأنصباء تكون مُصْلِحةً لأحوالهم بقدر ما ينالُهم منها. فإن الفضائل مغبوطة، وللناس استدناءٌ إليها بدافع من أنفسهم لا يستطيعون معاكستَه، فيحصل بذلك فائدتان جليلتان:

أولاهما تأهيلُ الأمة الإسلامية لسيادة العالم والنفوذ على مجُاوريها من الأمم بالصفات التي هي قوام السيادة.

والثانية انبثاثُ ثلّة من الفضائل في الأمم التي تخالط المسلمين انبثاثًا يزيد وينقص بمقدار توغُّل خلق الإسلام في أولئك الأقوام.

وعلى هذه الصفة كان مثالُ السلف الصالح من المسلمين - أهل القرن الأول وما يليه - الذين صارت تعاليمُ الإسلام لهم خلقًا، فكان انبعاثُهم إلى الكمال ميسَّرًا عليهم وغيرَ شاق على ولاة أمورهم، فنالوا سيادةَ العالم، فحق وعد الله إياهم بقوله تعالى:{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا} [النور: 55].

ص: 753