الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قاتل لتكون كلمةُ الله هي العليا"، قال الراوي: وما رفع رأسه إليه إلا أن السائل كان قائمًا". (1)
وكان الملازمون مجلسَ رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابَه من الرجال. وفي صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري أنه قال: "قال النساء للنبي: غلبنا عليك الرجال فاجعلْ لنا يومًا لنفسك، فوعدهن يومًا لقيهن فيه فوعظهن وأمرهن". . . إلخ. (2) وظاهرُ ترجمة البخاري لهذا الحديث أن اليومَ المجعولَ للنساء لم يكن يومًا مفردًا وحيدًا، بل جعل لهن نوبةً من الأيام؛ فيحتمل أنه جعل لهن يومًا في الأسبوع، أو في الشهر، أو بعد مدة غير معينة يعين لهن موعده من قبل، والله أعلم.
هيئة المجلس الرسولي:
تدل الآثارُ على أن مجلسَ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان على صورة الحلقة الواحدة، أو الحِلَق المتداخلة، كما ورد في حديث أبي واقد الليثي في صحيح البخاري؛ إذ قال فيه:"فأما أحدُهما فرأى فرجة في الحلقة فجلس فيها، وأما الآخر فجلس خلفهم"، وقد تقدم آنفًا.
بل صرح بعضُ الرواة بأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يجلسون حوله حِلَقًا. أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان مجلسه في وسطهم؛ ففي الصحيح عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن ضمامًا بن ثعلبة السعدي رضي الله عنه لمَّا دخل المسجد قال: "أيُّكم محمد؟ قال أنس والنبي متكئ بين ظهرانيهم"، وسيأتي الحديث. ومعنى بين ظهرانيهم أنه في وسطهم. (3)
(1) صحيح البخاري، "كتاب العلم"، الحديث 123، ص 27؛ صحيح مسلم، "كتاب الإمارة"، الحديث 1904، ص 759.
(2)
صحيح البخاري، "كتاب العلم"، الحديث 101، ص 23؛ "كتاب الجنائز"، الحديث 1249، ص 200؛ "كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة"، الحديث 7310، ص 1258.
(3)
صحيح البخاري، "كتاب العلم"، الحديث 63، ص 15.
ومن الغريب ما ذكره القرطبي في كتاب "المفهم على صحيح مسلم" عن مسند البزار عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يجلس بين ظهراني أصحابه، فيجيءُ الغريبُ فلا يدري أهُوَ هُوَ حتى يسأل، فطلبنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن نجعل له مجلسًا كي يعرفه الغريب، فبنينا دكانًا من طين يجلس عليه". (1) وهذا غريب؛ إذ لم يُذكر هذا الدكان فيما ذكروه من تفصيل صفة المسجد النبوي في الكتب المؤلفة في ذلك.
وكانت هيئةُ جلوس رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلسه غالبًا الاحتباء، فقد ذكر الترمذي في كتاب الشمائل عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جلس في المجلس احتبى بيديه". (2) وقول الراوي: كان يفعل، يدل على أنه السُّنةُ المتكررة. والاحتباء هو الجلوس وإيقاف الساقين، فتجعل الفخذان تجاه البطن بإلصاق، ويلف الثوب على الساقين والظهر، فإذا أراد المحتبي أن يقوم أزال الثوب.
وأما الاحتباء باليدين فهو أن يجعل المحتبي يديه يشد بهما رجليه عوضًا عن الثوب، فإذا قام قالوا: حلَّ حِبوته (بكسر الحاء وضمها). وكان الاحتباءُ أكثرَ جلوس العرب، وربما جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم القُرْفُصَاء (بضم القاف وسكون الراء
(1) يبدو أنه وقع سهو أو سبق قلم من المصنف عليه رحمة الله؛ إذ ذكر مسند البزار وأن الحديث رواه عمر ناسبًا ذلك إلى القرطبي، والصحيح أن القرطبي قال في سياق شرحه حديثَ جبريل عن الإسلام والإيمان والإحسان الذي رواه عمر:"وقد روى النسائيُّ هذا الحديث من حديث أبي هريرة وأبي ذر وزاد فيه زيادة حسنة، فقالا: كان رسول الله يجلس بين ظهراني أصحابه، فيجيء الغريب فلا يدري أهو هو حتى يسأل، فطلبنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن نجعل له مجلسًا يعرفه الغريب إذا أتاه، فبنينا له دكانًا من طين يجلس عليه"، إلى آخر الحديث. القرطبي: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، ج 1، ص 138. وانظر الحديثَ في: سنن أبي داود، "كتاب السنّة"، الحديث 4698، ص 739؛ سنن النسائي، "كتاب الإيمان وشرائعه"، الحديث 5001، ص 799 وهو عنده كذلك في السنن الكبرى برقم 5843)؛ البزار: البحر الزخار، الحديث 4025، ج 9، ص 419 (مسند أبي ذر الغفاري).
(2)
الترمذي: الشمائل المحمدية، الحديث 124، ص 58.
بالمد والقصر) وهي الاحتباء باليدين، وربما جعلت اليدان تحت الإبطين وهي جلسة الأعراب والمتواضعين.
وقد وُصِف جلوسُ رسول الله صلى الله عليه وسلم القرفصاء في حديث قيلة بنت مخرمة رضي الله عنها وقد تقدم آنفًا، وربما اتكأ رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلسه في المسجد. وفي الصحيح عن أبي بكرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ " - ثلاثًا - قلنا: بلى يا رسول الله، قال:"الإشراك بالله وعقوق الوالدين"، وكان متكئًا فجلس فقال:"ألا وقول الزور. . ." إلخ. (1) وفي حديث جابر بن سَمُرة رضي الله عنه: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم متكئًا على وسادة على يساره"، (2) وربما اتكأ على يمينه. وفي حديث جابر بن سَمُرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس متربعًا. (3) ويُؤخذ ذلك من حديث جبريل في الإيمان والإسلام من صحيح مسلم. (4) وقد تُجعل له وسادة، روى
(1) صحيح البخاري، "كتاب الأدب"، الحديث 5976، ص 1046 - 1047، والحديث الذي يليه (5977)، وقد خرجه كذلك في "كتاب الشهادات"، الحديث 2653، ص 430؛ صحيح مسلم، "كتاب الإيمان"، الحديثان 87 - 88، ص 53.
(2)
سنن الترمذي، "كتاب الأدب"، الحديثان 2770 - 2771، ص 649؛ سُنَنُ أبي دَاوُد، "كتاب اللباس"، الحديث 4143، ص 650.
(3)
سُنَنُ أبي دَاوُد، "كتاب الأدب"، الحديث 4850، ص 761.
(4)
عن عبد الله بن عمر عن عمر بن الخطاب قال: "بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، إذ طلع علينا رجلٌ شديدُ بياضِ الثياب، شديدُ سواد الشعر، لا يُرى عليه أثرُ السفر، ولا يعرفُه منا أحد، حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد! أخبرني عن الإسلام. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقيم الصلاة، وتؤتِيَ الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا". قال: صدقت. قال فعجبنا له يسأله ويصدقه. قال: فأخبرني عن الإيمان. قال: "أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر. وتؤمن بالقدر خيره وشره""، قال: صدقت. قال: فأخبرني عن الإحسان. قال: "أن تعبد الله كأنك تراه. فإن لم تكن تراه، فإنه يراك". قال: فأخبرني عن الساعة. قال: "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل"، قال: فأخبرني عن أمارتها. قال: "أن تلد الأمة ربتها. وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء، يتطاولون في البنيان". قال: ثم انطلق، فلبثت مليًّا، =