الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
نشأة الصاع النبوي وما ظهر بعده من الأصواع:
لا شك في أن الصاع النبوي هو صاع أهل المدينة الذي كان متداولًا عندهم لما هاجر إليهم النبي صلى الله عليه وسلم إذ لم يُنقل في كتب السنة والسيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم وضع لهم مكيالًا غيَّر به مكيالَهم الذي ألفاهم عليه. وأخرج النسائي عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "المكيالُ مكيالُ أهل المدينة، والوزنُ وزنُ أهل مكة". (1) وإن قولَه في الدعاء لهم: "اللهم بارك لهم في مكيالهم، وبارك لهم في صاعهم ومُدِّهم" - كما في حديث الموطأ (2) - يزيدنا يقينًا بهذا.
فالصاع الشرعي هو صاع المدينة الموجود في زمن النبي صلى الله عليه وسلم. والمدُّ هو مد أهل المدينة؛ إذ به جرت التقاريرُ الشرعية. وبلادُ العرب معروفة بقلة الأقوات فيها وبقناعة أهلها، وذلك يقتضي أن تكون مكاييلُهم صغيرة. ويُسمَّى المد أيضًا المَكُّوك (بفتح الميم وتشديد الكاف)، كما في حديث الثلث عند النسائي. (3) وكانت وحدةُ المكاييل عندهم المد، ومن أربعة أمدادٍ يكون الصاع.
وقد استمر الصاعُ النبوي مكيالًا لأهل المدينة إلى زمن هشام بن المغيرة المخزومي أمير المدينة في خلافة هشام بن عبد الملك الأموي، فجعل هشام لهم مُدًّا أكبرَ من المد النبوي وصاعًا على نحو ذلك المد، ويُسَمَّى المدَّ الهشامي والمدَّ
(1) سنن النسائي، "كتاب الزكاة"، الحديث 2517، ص 414؛ سنن أبي داود، "كتاب البيوع"، الحديث 3340، ص 537. واللفظ للنسائي.
(2)
الموطأ برواياته الثمانية، "كتاب الجامع"، الحديث 1745، ج 4، ص 249 - 250؛ صحيح البخاري، "كتاب البيوع"، الحديث 2130، ص 342؛ "كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة"، الحديث 7331، ص 1261.
(3)
وهو ما أخرجه عن الجعيد: "سمعت السائبَ بن يزيد قال: كان الصاعُ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مُدًّا وثُلُثًا بمدكم اليوم، وقد زيد فيه". سنن النسائي، "كتاب الزكاة"، الحديث 2516، ص 414. والمكوك يعدل 3،06 كيلو غرام.
الأعظم. (1) أخرج النسائي عن السائب بن يزيد (من الصحابة المتوَفَّى في سنة 86 هـ) أنه قال: "كان الصاع على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مُدًّا وثُلُثًا بمدكم اليوم، وقد زيد فيه". (2)
ثُمَّ لمَّا انتشر الإسلامُ في الأقطار استمر أهلُ كل قطر على الكيل بمكاييلهم المتعارَفَة، فتكاثرت المكاييلُ في بلاد الإسلام كثرة شديدة. ولا نشك في أن دواعيَ لم نطلع عليها دعت بعضَ أمراء المدينة إلى إحداث مكاييل في المدينة لم تكن في الزمن النبوي ولا في مدة لخلفاء: أحدث هشام بن المغيرة أمير المدينة مدًّا وصاعًا أكبر من مد النبي صلى الله عليه وسلم وصاعه، وهما المعروفان بمد هشام وصاع هشام، وبالمد الأعظم والصاع الأعظم، وأحدث عمر بن عبد العزيز مدًّا دُعيَ بالمد العمري.
وأحسبهم ما أحدثوا ذلك إلا لتيسير سرعة كيل الأعطية من بيت المال، وما يؤخذ على التجار وأهل الخراج من الأرزاق العائدة إلى بيت المال. ولكنهم كانوا لقرب العهد ولدقة الضبط في مأمن من المخالفة لمقدار الصاع النبوي، ولذلك نجدهم يقدرون تلك الأصواعَ المتداولة بينهم بما يوازي الصاعَ النبوي.
فلما اتسعت الأقطارُ وتباعدت العهود، تطرقت الغفلةُ أو الجهالة رويدًا بمقدار الانتساب بين مكاييل الأمصار وبين الصاع النبوي، ومن ثم تجد الفقهاء إذا أرادوا أن يقدروا المكاييل الشرعية قارنوها بمقادير مكاييل أمصارهم وموازينها من مكي وشامي وبغدادي وأندلسي، كما يراه المزاول كتب الفقه.
(1) انظر مزيدَ بيان للمصنف في هذا الشأن في كتابه كشف المغطَّى، ص 156 - 157. قال ابن العربي في مسألة الأوزان في شرحه لكتاب الزكاة من الموطأ:"والذي يكشف الغطاء فيه أن تعلم أن الله تعالى استأثر رسولَه بجميع العلوم. فلما مات غُيِّرت الشرائعُ شيئًا بعد شيء، من الأذان إلى الصلاة إلى آخر رزمة الشرائع، حتى انتهى التغيير إلى الكيل، فغيَّره هشام والحجاج، فغلب المدُّ الهاشمي والحجَّاجي على مد الإسلام. وغُيِّرت الدراهم والدنانير واختلط ضربها، ودخل عليها من الزيادة والنقصان واضطراب الأقوال ما لو سمعتموه لعلمتم أنها لا تتحصل أبدًا. . ." المسالك، ج 4، ص 21.
(2)
سبق تخريجه.
ومن العجب أن زجت الغفلةُ ببعض أهل العلم في اعتقاد أن الأخذَ بما هو محقق الوفرة أسلم؛ لأنه أحوط؛ لأن فيه يتحقق مقدارُ الصاع النبوي وزيادة! وقد غفلوا عما يفوت بذلك من فضل اتباع السنة، وعما يجر إليه ذلك من الإجحاف؛ إذا كانت بعضُ المكاييل الرائجة أو التي ستوجد ناقصةً عن مقدار الصاع النبوي.
وقد روى البخاري في كتاب الأيمان عن منذر بن الجارود عن أبي قتيبة البصري عن مالك عن نافع، قال:"كان ابن عمر يعطي زكاةَ رمضان بِمُدِّ النبي صلى الله عليه وسلم المدِّ الأول، وفي كفارة اليمين بمدِّ النبي صلى الله عليه وسلم. قال أبو قتيبة: قال لنا مالك: مدُّنا أعظمُ من مدكم (يعني البركة والفضل)، ولا نرى الفضل إلا في مد النبي صلى الله عليه وسلم. وقال لي مالك: لو جاءكم أميرٌ فضرب مُدًّا أصغرَ من مد النبي صلى الله عليه وسلم بأي شيء كنتم تعطون؟ قلت: كنا نعطي بمدِّ النبي صلى الله عليه وسلم، قال: أفلا ترى أن الأمر إنما يعود إلى مد النبي؟ "(1)
وفي "المعيار" نقل جوابَ الحفار والقاضي (2) عن سؤال عن العمل بقول فقيه قال إن زكاة الفطر بالوزن إعطاءُ أربعةِ أرطالٍ من الطعام ما نصُّه:
"وأما الفقيه الذي قال إن زكاة الفطر تخرج بالوزن أربعة أرطال، فقد أخلَّ بقاعدة شرعية. فإنه لو استفتاه رجلان يجب على أحدهما قمح؛ لأنه قوتُ بلده، فأفتاهما بأن يخرج كلٌّ منهما أربعةَ أرطال، فقد جزمنا بأن أحدهما خالف السنة؛ لأن الصاع النبوي إن كان يسع أربعة أرطال من الشعير، فإنه يسع أكثرَ من ذلك من القمح والعكس بالعكس. فإنا وجدنا أهلَ المدينة لا يختلفون في أن مده صلى الله عليه وسلم ليس
(1) صحيح البخاري، "كتاب كفارات الأيمان"، الحديث 6713، ص 1159. والمقصود بالمد الأول مُدُّ النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يُزاد فيه.
(2)
الحفار هو أبو عبد الله محمد بن علي المشهور بالحفار الأنصاري الغرناطي، وإمامها ومحدثها ومفتيها، ملحق الأحفاد بالأجداد، الفقيه العلّامة القدوة الصالحة الفهامة، أخذ عن ابن لب، لازمه وانتفع به وغيره، وعنه خلق كابن سراج وأبي بكر بن عاصم، له فتاوى نقل بعضها في "المعيار". توفي عن سن عالية سنة 811 هـ/ 1408 م. "شجرة النور الزكية" 1/ 355، الترجمة (917).