الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عائشة في حديثها: "وكان النساء يومئذ خفيفاتٍ لم يثقلهن اللحم، إنما يأكلن العُلْقة (1) من الطعام". (2) ولقد بُعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ليتمم مكارم الأخلاق، فكان مفطورًا على ما فُطر عليه قومه من قلة الطعام وقلة الاحتفاء به، فلا جرم أن كان في نبوته يزيد اقترابًا من هذا الخلق الجليل، ولقد رُوي عنه أنه كان يعجبه قولُ عنترة:
وَلَقَدْ أَبِيتُ عَلَى الطَّوَى وَأَظَلُّهُ
…
كَيْمَا أَنَالَ بِهِ لَذِيذَ المَأْكَلِ (3)
فقال: "ما وُصِفَ لِي أعرابِيٌّ فأحببت أن أراه إلا عنترة" لقوله: "ولقد أبيت على الطوى" إلخ. (4) هذا وأراد عنترة بقوله: "لذيذ المأكل" قضاء أوطاره التي تتوجه إليها همته، على طريق المشاكلة.
المدد الروحاني:
إن لرسول الله صلى الله عليه وسلم قوتين: قوة ملكية وهي الغالبة عليه، وهي قوة الروح المشبعة بالنبوة المزال منها حظوظ الشيطان، كما أنبأ عنها حديث شق صدره الشريف وإزالة المضغة التي هي حظ الشيطان منه، وقوة بشرية وهي قوة جبلته وفطرته التي فطره الله عليها بشرًا سويًّا وهي أضعف قوتيه. وإن شئت فقل: إن القوة الأولى هي القوة المجددة عليه بالنبوة والمتزايدة في مراقي الرفعة، والقوة الثانية هي البقية الباقية من الفطرة التي أذابتها أشعة النبوة فلم تبق منها إلا ما تتوقف سلامة الهيكل الإنساني عليه بحسب الفطرة التي اقتضتها حكمة الله في تركيب المزاج، بقاعدة "لا تبديل لخلق الله"، بحيث لو أنزلت إلى ما دونها لاضمحل منه
(1) ما يُتبَلَّغ به من العيش. - المصنف.
(2)
جزء من رواية عائشة لقصة حديث الإفك ولفظه: "وكان النساء إذ ذاك خفافًا لم يُهبلهن ولم يغشهم اللحم، إنما يأكلن العُلْقة من الطعام". صحيح البخاري، "كتاب المغازي"، الحديث 4141، ص 702.
(3)
ديوان عنترة، ص 249 (وفيه "كريم" بدل "لذيذ").
(4)
الأصفهاني: الأغاني، ج 3/ 8، ص 386. وفيه جاء في البيت لفظ "كريم" بدل "لذيذ".
الهيكل الإنساني فذهب المقصود من بعثته رسولًا بشيرًا، ليكون إبلاغ مراد الله إلى الخلق بواسطة لها اتصال بعالم البشر المبلغ لهم، واتصال بعالم الملك الذي منه التلقي:{قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا (95)} [الإسراء: 95]، وقال:{وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (9)} [الأنعام: 9]. وهذا السر الإلهي قد عبر عنه بعضُ الحكماء المتألهين بقوله: "استفادة القابل من المبدأ تتوقف على المناسبة بينهما".
ولكلتا القوتين شعار ومدد، وإمداد كلتا القوتين يكسبها شدة، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لأجل رجحان قوته الملكية على قوته البشرية يمد الله تلك القوة بما يكسبها تزكية وإشعاعًا، وذلك بإفاضة الأنوار القدسية كل آن على الروح المحمدية. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مأمورًا بأن يتطلب إمدادًا من قبل ربه، ويجاهد في تحصيله بقيام الليل:{يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (3)} [المزمل: 1 - 3]، وبالصيام ووصاله وبالاستغفار، ففي الحديث:"إني ليغان على قلبي، فأستغفر الله في اليوم سبعين مرة"، (1) وبمجاهدة النفس.
وكان لأجل بشريته يتنوال من شؤون الحياة ما هو سبب لاسبقاء الهيكل من لازم الطعام والشراب والنوم، وهو في تناوله ذلك لا يجانب مشايعة التكميل الروحاني، فالطعام يتناول منه قليلًا، ولذلك يكثر الصوم ويواصل الصوم، وقد نهى أصحابه عن مواصلة الصوم فقالوا: إنك تواصل، فقال:"إني لست كهيئتكم، إني أبيت يطعمني ربِّي ويسقيني"، (2) فأعلمنا أن لذاته إمدادًا إلهيًّا في حفظ مزاجها؛
(1) عن الأغر المزني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنه ليغان على قلبي، وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة". صحيح مسلم، "كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار"، الحديث 2702، ص 1040؛ سُنَنُ أبي دَاوُد، "كتاب الصلاة"، الحديث 1515، ص 247.
(2)
جمع المصنف بين ألفاظ حديثين. صحيح البخاري، "كتاب الصوم"، الحديثان 1963 - 1964، ص 315 - 316.
لأن المقدار الذي يستمده الرسول لها غير كاف وحده لاستبقائها، وأن الله فطر ذاته على أنها تتغذى غذاءً غير متعارف. وكذلك حال نومه كان كما قال في الحديث الصحيح:"إن عيني تنامان، ولا ينام قلبي". (1)
فالزهد في الحظوظ الدنيوية المحضة هو مقام الرسول صلى الله عليه وسلم، ففي الصحيح عن علي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"ما لي وللدنيا"، وفي ذلك قصة. (2) وفي الصحيح عن حفصة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت:"كان فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم مسحًا (3) نثنيه له ثنيتين فينام عليه، فلما كان ذات ليلة قلت: لو ثنيته بأربع ثنيات لكان أوطأ له فثنيناه بأربع ثنيات فلما أصبح قال: "ما فرشتموني الليلة؟ "، قالت: قلنا: هو فراشك إلا أنا ثنيناه أربع ثنيات، قلنا: هو أوطأ لك، قال: "ردوه لحاله الأولى، فإنه منعتني وطأته صلاتي الليلة"، (4) يعني صلاة آخر الليل النافلة.
(1) صحيح البخاري، "كتاب التهجد"، الحديث 1147، ص 183؛ "كتاب صلاة التراويح"، الحديث 2013، ص 322 - 323؛ "كتاب المناقب"، الحديث 3569، ص 598؛ سنن أبي داود، "كتاب الصلاة"، الحديث 1341، ص 219.
(2)
عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: "أتى النبيُّ صلى الله عليه وسلم بيتَ فاطمة فلم يدخل عليها، وجاء عليٌّ فذكرت ذلك له، فذكر للنبي صلى الله عليه وسلم، قال: "إني رأيت على بابها سترًا موشيًا"، فقال: "ما لي وللدنيا"، فأتاها علي فذكر ذلك لها، فقالت: لِيأمُرْنِي فيه بما شاء، قال: "ترسلي به إلى فلان، أهل بيت بهم حاجة"". صحيح البخاري، "كتاب الهبة وفضلها"، الحديث 2613، ص 423.
(3)
الْمِسح، بكسر الميم وسكون السين، كساء غليظ من الشعر. - المصنف.
(4)
قال المناوي في التعليق على هذا الحديث: ""كان فراشه مِسْحًا"، بكسر فسكون، لباس من شعر أو ثوب خشن يعد للفراش من صوف يشبه الكساء أو ثياب سود يلبسها الزهاد والرهبان وبقية الحديث عند مخرجه الترمذي يثنيه ثنيتين فينام عليه فلما كان ذات ليلة قلت لو ثنيته أربع ثنيات لكان أوطأ فثنيناه له بأربع ثنيات فلما أصبح قال: "ما فرشتموه الليلة؟ " قلنا: هو فراشك إلا أنا ثنيناه بأربع ثنيات، قلنا هو أوطأ لك. قال: "ردوه لحاله الأول؛ فإنه منعني وطاؤه صلاتي الليلة". قال ابن العربي: "وكان المصطفى صلى الله عليه وسلم يمهد فراشه ويوطئه ولا ينفض مضجعه، كما يفعل الجهال بسنته" اهـ. وأقول: قد جهل هذا الإمام سنته في هذا المقام، فإنه قد جاء من عدة طرق أنه قال عليه الصلاة والسلام: إذا أوى أحدُكم إلى فراشه فلينفضه بداخلة إزاره. (ت - يعني الترمذي - في كتاب الشمائل) النبوية عن حفصة) بنت عمر، رمز المصنف لحسنه وليس بجيد، فقد قال الحافظ =
من أجل هذا لم يكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم تعلق بلذائذ الحياة الدنيا، ولذلك قال في الحديث الصحيح:"حبب إلي من دنياكم النساء والطيب، (1) وجعلت قرة عيني في الصلاة". (2) ولذة النساء ولذة الطيب لذتان تُفضيان إلى كمالات روحانية، فقرب النساء فيه تكميلُ الملكية بتهذيب القوة الحيوانية ليصفوَ ما في النفس من الكدر فتتغلب القوة الملكية؛ لأن الله أعطى رسوله صلى الله عليه وسلم قوة زائدة، كما ورد في حديث أنس البخاري:"كنا نتحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أُعطي قوة ثلاثين رجلًا". (3) وحكمةُ خلق هاته القوة في جسده الشريف أن تكون تلك تلك القوةُ غير المعتادة مناسِبةً لأَنْ تَحُلَّ فيه روحٌ ملكية غير معتادة؛ لأن بين إمداد قوى الجسد وقابلية القوة الروحية ملابسةً وثيقة.
وكما أن القوى الجسدية تمد القوة الروحية بما تحتاجه كذلك تمد الهيكل البشري بقوى زائدة؛ لأن شأن المادة الجسدية أن تكون أوزاعًا بين ما يحتوي عليه الجسم الروحاني من الجهاز الملائكي الذي يوقده ويشعه العقل الذي مقره القلب والدماغ، ومن الجهاز الجثماني الذي به حفظ بقاء الهيكل المحتوي على العقل الموقد
= العراقي: هو منقطع. فيض القدير، "باب كان، وهي الشمائل الشريفة"، الحديث 6841، ج 5، ص 172 - 173.
(1)
روي هكذا، وروي:"حبب إلي من دنياكم ثلاث: النساء" إلخ، فقيل لم يذكر الخصلة الثالثة، وقيل: إن زيادة كلمة ثلاث وهم من الراوي، والرواية بترك زيادة ثلاث أصح. - المصنف.
(2)
سنن النسائي، "كتاب عشرة النساء"، الحديثان 3945 - 3946، ص 644؛ النيسابوري: المستدرك على الصحيحين، "كتاب النكاح"، الحديث 2733، ج 2، ص 190 (قال الحاكم:"هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه"). مسند الإمام أحمد، الحديث 12293، ج 19، ص 305؛ البزار: البحر الزخار، الحديث 6879، ج 13، ص 296.
(3)
حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا معاذ بن هشام قال: حدثني أبي، عن قتادة قال: حدثنا أنس بن مالك قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يدور على نسائه في الساعة الواحدة، من الليل والنهار، وهن إحدى عشرة. قال: قلت لأنس: أو كان يطيقه؟ قال: كنا نتحدث أنه أعطي قوة ثلاثين". صحيح البخاري، "كتاب الغسل"، الحديث 268، ص 48. قال البخاري:"وقال سعيد، عن قتادة: إن أَنَسًا حدثهم: تسعُ نسوة".