الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فلما تهيأت للدعوة ساعةُ الانتشار، وتردد صداها في معظم بلاد العرب، وأصغت لها آذان السامعين، وانفتحت أعينُ الناس إليها، ألهم اللهُ الأوسَ والخزرج - أهلَ مدينة يثرب - إلى الدخول في الإسلام إلهامًا خارقًا للعادة، فأصبح سكان تلك المدينة كلهم مسلمين، وبذلوا أنفسَهم وأموالهم ووطنهم لنصر هذا الدين، فأذن الله لرسوله وللمسلمين معه في الهجرة إلى هذه المدينة. فانتقل إليها الرسول بِمَنْ معه من المسلمين بمكة، ودعا اسمها "طيبة"، وخصها الله تعالى بشرف أن تكون محققةً أمنيةَ المدينةِ الفاضلة. ومن العجب أن الله ألهم الناس إلى أن يدعوا هذه البلدة باسم "المدينة"، وأنساهم اسم يثرب واسم طيبة أيضًا، ليكون ما جرى على الألسنة رمزًا إلَهيًّا لطيفًا إلى أنها المدينةُ المقصودة، والضالةُ المنشودة.
دخل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم المدينة (يثرب)، ودخلها خمسون رجلًا من أصحابه المهاجرين، وهم المسلمون الأولون. وكانت المدينة تحتوي على زهاء خمسة آلاف رجل من الأوس والخزرج وأحلافهم، كانوا مسلمين إلا قليلًا منهم لا يبلغون مائة رجل. فتلك مدينة سكانها أفاضلُ أهلِ عصرهم، قد تطهرت نفوسُهم بإقبالهم على الخير، والتزكية بمحض الاختيار.
[قوام المدينة الفاضلة وخصائصها وصفاتها]:
إن قوام المدينة الفاضلة يتقوَّم من صلاح الأفراد في خاصتهم، وصلاح المجتمع المتقوِّم منهم في حال معاملتهم؛ ومن سهولة طباعهم مع المسالمين، ومن الشدة والذب عن حوزتهم أمام العدو، ومن سياسة تدبير جماعتهم. فإذا تقومت هاتِهِ الأصولُ في المدينة حصل فيها الأمن، وهو جالبُ جميع الخيرات لكل أهل المدينة، وجاعلُها أفضلَ مدينة.
لا جرم أن المدينة كالجسد: فكما يتركب الجسدُ من الأعضاء والجوارح، كذلك تتركب المدينةُ من آحاد الناس. وإن سلامةَ المدينة وفضلَها كصحة المزاج، (1)
(1) يقصد المزاجَ العام لجسد الإنسان وجريان أحواله على استقامة واعتدال.
فكما لا يصح المزاجُ إلا بسلامة جميع أجزائه، كذلك لا تصلح المدينة إلا بصلاح جميع أفرادها. وكما أن بعض أجزاء الجسم أجدرُ بكمال السلامة ودوامها من بعض الأجزاء التي قد تشتكي، فتزول شكواها سريعًا عند سلامة البقية، وذلك البعض هو الأعضاء الرئيسية كالقلب والدماغ والرئة، كذلك المدينةُ تتطلب صلاحَ ولاة أمورها أكثرَ مما تتطلب صلاحَ عامتها. وإن صلاح ولاة الأمور يعود بصلاح العامة إذا عرض لها فسادٌ ما بخلاف العكس، كما تعود صحةُ الأعضاء الرئيسية بسلامة الجوارح والأعضاء إذا اشتكت وجعًا بخلاف العكس. فكان صلاحُ المدينة يتطلب صلاحَ ولاة الأمور، وصلاح أعوانهم، وصلاح عامة الناس على تفاوت في المقدار المطلوب من ذلك الصلاح.
ولنلتفت لفتةً تاريخية صادقة إلى حالة مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم وحالة مجتمعها، ونقارن بين تلك الحالة وبين الصفة التي عُيِّنت للمدينة الفاضلة حتى نرى تحقق معنى المدينة الفاضلة في مدينة الرسول عليه السلام. فأما ولاة الأمور فيها فإن سيد ولاة الأمور بالمدينة هو الرسول المؤيَّدُ بالعصمة، المسيَّر بالوحي والتوفيق الإلهيين، وهما ملاك الفضائل كلها.
وحسبُك برأس المدينة أن يكون بهذه المثابة؛ فإن الحكماء اشترطوا للمدينة الفاضلة أن يحكمها الحكماء المتصفون بصفات الكمال، وقد جمعها أفلاطون في عشر صفات، وهي: المعرفة، والإعراض عن التعلق بالدنيا، والصدق، ومحبة اللذات الروحية، والزهد، والعفة، والإقبال على الآخرة، والشجاعة، والإنصاف، وصحة العقل. وقد كانت هذه الصفات كمالات رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت العصمة فوقها كلها.
وأما أعضاءُ رأس المدينة وأصحابه فشرطهم المعرفة، أي أن يكونوا من العارفين. والعارف فسره الشيخ ابن سينا بأنه هو "الذي يريد الحقَّ الأول (سبحانه)
لذاته لا لشيء آخر، ولا يُؤْثِر شيئًا على عرفانه"، (1) و"العارف شجاعٌ جواد، صفّاح عن الذنوب، نسّاء للأحقاد". (2)
وإن أصحاب رسول الله وبطانته هم أولئك المهاجرون الذين نبذوا الشرك وآثاره كلَّها عن محض اختيار، ومحبة للخير، وتخلَّقوا من أجل ذلك بأخلاق الإسلام، وخاصة الأنصار وأعيانهم الذين رغبوا في الإسلام لما دعاهم إليه رسول الله يومي العقبتين؛ (3) فلم يترددوا في قبوله، على ما هم عليه يومئذ من كثرة ومنعة. فكانوا لاحقين بالمهاجرين في إقبالهم على الحق ونبذ الضلال، وكان سادتهم وأهل الرأي منهم ملازمين لرسول الله؛ للاقتباس منه وتنفيذ أوامره.
ثم إن الرسول آخى بين المهاجرين وبين زهاء خمسين من الأنصار بقدر المهاجرين، ليحصل من تلك المؤاخاة تماثلٌ في الأخلاق والفضائل، وقد حكى القرآن حالهم الجامعة للفضائل، ونبذ الرذائل بقوله:{مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا} [الفتح: 29]. وفي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "خير القرون قرني"، (4) وهم أصحابه الذين رأوه وآمنوا به؛ لأن شرف ذلك القرن إنما كان به وبهم؛ إذ كان آخرَهم وفاةً أنس بن
(1) ابن سينا: الإشارات والتنبيهات، القسم الرابع، ص 68.
(2)
أورد المصنف كلام ابن سينا بتصرف واختصار، ولفظه:"العارف شجاعٌ، وكيف لا وهو بمعزل عن تقية الموت؟ وجواد، وكيف لا وهو بمعزل عن محبة الباطل؟ وصفاح للذنوب، وكيف لا ونفسُه أكبرُ من أن تجرحها ذات بشر؟ ونسَّاءٌ للأحقاد، وكيف لا وذكره مشغول بالحق؟ " المرجع نفسه، ص 106.
(3)
أي بيعتي العقبة الأولى والثانية.
(4)
لم أجده بهذا اللفظ تحديدًا، على كثرة شيوعه على الألسنة، وإنها جاء بألفاظ مثل "خيركم قرني" و"خير الناس قرني"، و"خير أمتي قرني". انظر صحيح البخاري، "كتاب الشهادات"، الحديثان 2651 - 2652، ص 429؛ "كتاب فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم"، الحديثان 3650 - 3651، ص 612؛ "كتاب الرقائق"، الحديثان 6428 - 6429، ص 1116؛ "كتاب الأيمان والنذور"، الحديث 6695، ص 1156.
مالك وسهل بن سعد الساعدي، تُوُفيا في أوائل العشرة الأخيرة من القرن الأول من الهجرة.
وأما عامة أهل المدينة فهم المؤمنون السابقون بعد المهاجرين، كما وصفهم الله تعالى:{وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ} [التوبة: 100]. وهم أصحاب رسول الله الذين سكن بين ظهرانيهم، وتملَّوا من طلعته المباركة كل يوم، وشهدوا هديه، وأشرقت عليهم أنواره. ففيهم أشرقت الشريعة؛ فصلح اعتقادهم، وصلح عملهم، وصلح خُلُقُهم، ولم يزل رسول الله يبين لهم المكارم، ويحذرهم المآثم، حتى أصبحوا خيرة أهل الأرض. في الصحيح عن عبادة بن الصامت أنه قال:"بايَعْنا رسولَ الله على السمع والطاعة في [العسر واليسر]، والمنشط والمكره، [وعلى أثرة علينا، وعلى] أن لا نُنازعَ الأمرَ أهلَه. وأن نقوم بالحق أينما كنا، لا نخاف في الله لومة لائم". (1) فاستملوا صحةَ الإيمان، وفضل العمل، وحسن الخلق، ومحبة العدل.
يحق لأهل المدينة أن يكونوا أهلَ بأس شديد على أعدائهم، وأن يكونوا فضلاء. أما شدتهم على أعدائهم فلأنهم جند المدينة يدفعون عنها، وذلك وصفٌ تُحْفَظ به المدينة من تَطَرُّقِ أهل الفساد إليها، فإذا تطرقوها أفسدوا بهجتها، كما قال تعالى:{قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا} [النمل: 34]، تريد ما هو معهودٌ من ملوك الجور. وهذه الشدة أساسُها الشجاعة، وقد عُرف أهلُ المدينة بالشجاعة والبأس، كما خلدت لهم حرب بعاث (2) أجملَ الذكر في الشجاعة.
(1) صحيح مسلم، "كتاب الإمارة"، الحديث 1709، ص 738. وما بين المعقوفتين لم يورده المصنف.
(2)
كانت بين الأوس والخزرج معارك عديدة، بدأت بحرب سمير وانتهت بحرب بعاث قبل الهجرة بخمس سنين. وما بين هاتين الحربين نشبت أكثرُ من عشر حروب، وكان لليهود أثرٌ في إثارتها وإذكائها. وأهم تلك الحروب والوقائع حرب سمير، وحرب حاطب، ووقعة جحجبا، وموقعة السرارة، وموقعة الحصين بن الأسلت، وموقعة فارع، ويوم الربيع، وموقعتَيْ الفجار الأولى والثانية، وموقعة معبس ومضرس. وكان آخرها وأشدها حرب بُعاث، وقد استعد لها كلٌّ من الأوس والخزرج أكثر من شهرين بسبب الأحقاد المتراكمة عبر السنين. وتحالف الأوس مع =
ومن فضائل شجاعة أهل المدينة في الجاهلية أنها شجاعة فاضلة؛ لأنهم ما كانوا يغيرون على القبائل الآمنة، ولكنهم كانوا يذبون عن مدينتهم من كل طارق بسوء. فكانت مدينتهم من أحصن مدن العرب في الجاهلية، واشتهرت بسورها، وبحصونها المنيعة المسماة بالآطام؛ (1) يتحصنون بها إذا دهمهم العدو. وكانت تحف بها بساتين النخيل التي تمونهم إذا حاصرهم العدو، على أن تلك الحوائط كانت فيها آطام لهم للدفاع عن ثمارهم.
فأما المهاجرون، فمن أهل مكة. وأهلُ مكة وإن لم تكن لهم سابقةٌ في الحرب؛ إذ كان العرب مسالمين لهم، إلا أن الفئةُ الذين آمنوا منهم قد أكسبهم الإيمانُ واليقين بالله، والغيرة على الحق، والحنق على المشركين، إقدامًا على الانتصار للدين، ظهرت بوادرُه في صبرهم واستخفافهم بعداوة أعدائهم. وقد أيَّد الله المسلمين في مدينتهم بعصمة إلَهية من أن يتطرَّقها ما يفسد أهلها. ففي الحديث أن "على أنقاب المدينة ملائكةٌ، لا يدخلُها الطاعونُ ولا الدجال"، (2) وفي الحديث: "المدينة كالكير تنفي
= بني قريظة وبني النضير، بينما تحالف الخزرجيون مع مزينة وأشجع، والتقى الطرفان في منطقة تسمى بعاث. واقتتلوا قتالًا شديدًا، وتضعضع الأوسيون وحلفاؤهم، وقتل عدد كبير منهم وبدؤوا بالفرار، ولكن قائدهم حضير الكتائب ثبتهم، فقاتلوا بشجاعة وهزموا الخزرجيين وحلفاءهم، وهموا أن يقضوا عليهم نهائيًّا حتى صرخ رجل من الأوس:"يا معشر الأوس انسحبوا، ولا تهلكوا إخوانكم، فجوارهم خيرٌ من جوار الثعالب"، وكان يقصد اليهود. وبعد تلك الواقعة سئم الطرفان الحرب، وكرهوا الفتنة، وأجمعوا أن يتوجوا عبد الله بن أبي ابن سلول ملكًا عليهم ليستتب الأمن وتنتهي الفتن. وشاء الله أن تحدث بيعة العقبة الأولى في مكة، ثم تلتها العقبة الثانية التي شارك فيها ممثلون للقبيلتين المتصارعتين، فكانت بداية التأليف للقلوب وجمعها على الإسلام، مصداقًا لقوله تعالى:{هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (62) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (63)} [الأنفال: 62، 63].
(1)
الآطام بالمد جمع أُطُم بضم الهمزة وضم الطاء المهملة: الحصن بلسان أهل المدينة. - المصنف.
(2)
صحيح البخاري، "كتاب فضائل المدينة"، الحديث 1880، ص 302؛ "كتاب الفتن"، الحديث 7133، ص 1228؛ صحيح مسلم، "كتاب الحج"، الحديث 1379، ص 512.
خبثها، وينصع طيبها". (1) وأما كونهم فضلاء، فلكي لا يَختلُّ فضلُ المجموع باختلال فضيلة أجزائه، وقد أشرنا إلى فضل المجموع الذي تتركب منه مدينةُ الرسول آنفا.
ونريد أن ننبه هنا على أن أهل المدينة الفاضلة لا يكونون في الفضل سواسية، ولكن يُشترَط أن يكون الفضلُ متأصِّلًا في نفوسهم. وجماعُ ذلك هو الطاعة لولِيِّ أمرهم. وقد كان المسلمون في الطاعة للرسول أفضلَ مثل لأمة في طاعة قائدها، فكانوا إذا أمرهم رسولُ الله أمرًا في الشؤون العامة والقضايا الخاصة امتثلوا، سواء وافق مرغوبَهم أم لا. قال الله تعالى:{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب: 36]. وقال سهل بن حُنَيف: (2)"لقد رأيتُني يوم أبي جندل (يوم صلح القضية)، ولو أني أستطيع أن أرُدَّ أمرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم لرددته"، (3) والله ورسوله أعلم. وقال تعالى:{فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65)} [النساء: 65]، أراد بالحرج المنفي حرجَ توهُّمِ أن يكون قضاءُ الرسول غيرَ عادل.
لقد يندر أن يكون في المدينة الفاضلة سفلةٌ وأراذل؛ لأن المجتمع البشري لا يخلص جميعه من ذوي العاهات النفسية، إلا أن وجودهم لا يضر المجتمع؛ لأنهم
(1) صحيح البخاري، "كتاب فضائل المدينة"، الحديث 1883، ص 303؛ صحيح مسلم، "كتاب الحج"، الحديث 1383، ص 513 (بزيادة لفظة "إنما" في أوله).
(2)
هو سهل بن حُنيف بن واهب بن العكيم بن ثعلبة بن مجدعة بن الحارث بن عمر بن خناس الأنصاري الأوسي، أخو عثمان بن حُنيف. كان من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد البدريِّين، شهد المواقع كلها مع النبي صلى الله عليه وسلم، وكان من الذين ثبتوا عندما اشتدَّ القتال في معركة أحد. كان ممن ناصر علي بن أبي طالب لما رأى من أحقيته بالخلافة، وقد اختاره علي لولاية الشام، لكنَّ جنود معاوية حالُوا دون وصوله إليها، ثمّ ولَّاه على المدينة. توفِّيَ بالكوفة سنة 38 هـ بعد عودته من صفين.
(3)
صحيح مسلم، "كتاب الجهاد والسير"، الحديث 1785، ص 712. والمقصود بصلح القضية صلح الحديبية.
مغمورون بالصالحين؛ ففسادُهم يقتصر على أنفسهم، ثُمَّ يُرجَى لهم الصلاحُ بتأثير الوسط فيهم. فقد كان في المدينة المنافقون، وعن ابن عباس كانوا ثلاثمائة من الرجال، ومائة وسبعين من النساء، فانقرض معظمُهم؛ إذ كانوا كلهم شيوخًا إلا قيس بن عمرو بن سهل (1) المختلف في بقائه. ومنهم مَنْ تاب وحسن إسلامه، مثل ثعلبة بن حاطب، ومُعَتِّب بن قشير. ومنهم من بقي على نفاقه، وقد عد بعضُهم مَنْ بقي على النفاق اثنين وأربعين. وقد حدثت في المدينة في حياة الرسول أحداثٌ قليلة، منها ثلاثةُ حوادث في السرقة، وحادثان أو ثلاثة في الزنا، وحوادثُ قليلة في شرب الخمر، وثلاثة حوادث في القتل. على أن بعض هذه الحوادث منسوب إلى اليهود، ونوازل قليلة في الخديعة والغصب والجراح مما لا يخلو من مثله مجتمع بشري.
وكلُّ ذلك إذا عرَض في المدينة الفاضلة لا يُكدِّر صفاءَ المدينة؛ لأن الصلاح الغالب يغطي على تلك العوارض النادرة. فَوِزَانُ ذلك وِزَانُ ما يعرض للجسم السليم من صداع أو انحراف مزاج، ثم لا يلبث الجسم أن يدفع ذلك عنه، ويسرع العود إلى معتاده من السلامة. ولا تخلو المدينة الفاضلة أيضًا من العوارض الخفية اللازمة للاجتماع والمعاشرة، مثل ما ينشأ بين بعض الأزواج من عدم الملاءمة في المعاشرة، وما يعرض بين الشركاء والجيران من النزاع، وما يعرض بين الناس من الحوادث كالجراح الخفيفة والدعاوي.
كلُّ ذلك لا يقدح في فضل المدينة إذا كان العدل قائمًا، والقضاء نافذًا، وكانت نفوسُ أهلها مطيعةً لِمَا تقضى به العدالة، وقد قال الله تعالى:{مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ} [التوبة: 120].
(1) هو قيس بن عمرو، وقيل قيس بن قهد، وقيل قيس بن سهل، وهو جد يحيى بن سعيد الأنصاري. فقيل قيس بن عمرو ابن قهد بن ثعلبة، وقيل قيل قيس بن عمرو بن سهل بن ثعلبة بن الحارث بن زيد بن ثعلبة بن عبيد بن غنم بن مالك بن النجار، وقد اختُلِف في نسبه. روى عنه ابنه سعيد، وعطاء بن أبي رباح، ومحمد بن إبراهيم.
تحتاج المدينةُ الفاضلة إلى الاستكثار من الأفاضل فيها، حتى تعتضد عزتُهم النفسانية بالعزة الجثمانية، وإن كانت العزة الجثمانية في الدرجة الثانية، كما قال السموأل:
وَمَا ضَرَّنَا أنَّا قَلِيلٌ وَجَارُنَا
…
عَزِيزٌ وَجَارُ الأَكْثَرِينَ ذَلِيلُ (1)
يريد: ما ضرنا القلةُ إذا كنا أعزاء؛ لأن عزةَ الجار هنا كنايةٌ عن عزة مَنْ أجاره.
ومن أجل هذا قصد الإسلامُ إزواء المؤمنين كلهم إلى المدينة، فكانت الهجرةُ إليها واجبةً على المسلمين الذين يسلمون بمكة. قال الله تعالى:{وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا} [الأنفال: 72]، وقال:{إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (97) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (98)} [النساء: 97، 98]، إلا من أذن له النبي صلى الله عليه وسلم في الالتحاق بأفقه، مثل الأعرابي الذي قال له:"ويلك إن الهجرة شأنُها شديد"، ثم قال له:"اعمل من وراء البحار". (2) وقد كان الأعراب
(1) ديوان السموأل، ص 90. والبيت من قصيدة من أربعة وعشرين بيتًا في معاني الكرم والعزة والنجدة طالعها:
إِذَا الْمَرْءُ لَم يَدْنَسْ مِنَ اللُّؤْمِ عِرْضُهُ
…
فَكُلُّ رِدَاءٍ يَرْتَدِيهِ جَمِيلُ
(2)
عن أبي سعيد الخدري قال: "جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن الهجرة، فقال: "ويحك إن الهجرة شأنها شديد، فهل لك من إبل؟ " قال: نعم، قال:"فتعطي صدقتها؟ "، قال: نعم، قال:"فهل تمنح منها شيئًا؟ "، قال: نعم، قال:"فتحلُبُها يومَ وِرْدِها؟ "، قال: نعم، قال:"فاعمل من وراء البحار، فإن الله لن يترك من عملك شيئًا"". صحيح البخاري، "كتاب الهبة وفضلها"، لحديث 2633، ص 425 - 426.
النازلون حول المدينة من مزينة وجهينة وأشجع وغفار معدودين كالنازلين بالمدينة، ولما فُتحت مكة نُسخ حكمُ الهجرة. (1)
تحتاج المدينةُ الفاضلة إلى سلامة سكانها من الآفات الجسدية؛ ليتم لهم التمتعُ بالصحة، فيكونوا أهلَ مقدرة على الأعمال العظيمة، ويطولَ الانتفاع بفضلهم. وقد متع الله المدينة بهذه النعمة بدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد كانت المدينةُ مشهورةً بالحمى المستوبئة قد اعتادها سكانُها، ولا يطيقها مَنْ وفد عليها. فلما قدم المهاجرون أصابت الحمَّى كثيرًا منهم، منهم أبو بكر الصديق وبلال وعائشة، فدعا النبي ربه أن تنقل حماها إلى الجحفة، واستجيب له، فما بقيت الحمى المستوبئة تصيب سكانَ المدينة. وقد دعا لها رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن لا يدخلها الطاعون، فلم يدخل المدينةَ قط، ولا يدخلها أبدًا إن شاء الله.
وإن جدوى المدينة الفاضلة على المجتمع الإسلامي أنها إذا قامت على الفضيلة والعدالة كانت قدوة المجتمع كله؛ إذ هي قلبه، وبصلاح القلب صلاحُ الجسد كله. فتكون هي المرجعَ عند اضطراب الناس، وهي الآخذةُ على يد كلِّ مَنْ يحاول فسادًا في المجتمع. ولقد يسر الله لمدينة الرسول هذه الخصلة الكاملة؛ فصارت قدوة الإسلام مدة قيام الخلافة فيها، ثم أخذ أمرها في اضطراب بعد الفتنة التي أثارها الثائرون على عثمان رضي الله عنه، فكانت تلك الفتنةُ أولَ بوارق اضطراب الحكومة الإسلامية؛ فبئست فئةً الفئةُ التي أثارت تلك المصيبة.
ومن أجل هذا قُصِدَتْ أن تبقى مدينة الرسول مدينة فاضلة، فَخُصَّت بمزايا أشرنا إلى بعضها آنفًا، ثم حيطت بأن جعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم حرمًا، وبدعائه لها بقوله: "فمن أحدث فيها أو آوى مُحدِثًا، فعليه لعنةُ الله والملائكةِ والناسِ أجمعين، لا
(1) وذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم يوم افتتح مكة: "لا هجرةَ بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإذا استُنْفرتم فانفروا". صحيح البخاري، "كتاب الجهاد والسير"، الحديث 2783، ص 461 والحديث 2825، ص 468؛ صحيح مسلم، "كتاب الحج"، الحديث 1353، ص 505. واللفظ للبخاري.
يقبل الله منه يوم القيامة صَرْفًا ولا عدلا". (1) ولذلك أمر رسول الله بتعمير المدينة، وكره أن تعرى المدينة، وقال لبني سلمة لمَّا أرادوا أن ينتقلوا بالسكنى إلى قرب المسجد النبوي: "يا بني سَلِمة، ألا تحتسبون خطاكم؟ " (2)
وفي الموطأ عن سفيان بن أبي زهير قال: سمعت رسول الله يقول: "يُفتح اليمن فيأتِي قومٌ يبِسُّون، (3) فيتحمَّلون بأهليهم ومَنْ أطاعهم، والمدينةُ خيرٌ لهم لو كانوا يعلمون، ويُفتح الشام فيأتِي قوم يبِسُّون فيتحملون بأهليهم ومَنْ أطاعهم، والمدينةُ خيرٌ لهم لو كانوا يعلمون، وُيفتح العراق فيأتي قوم يبِسّون فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم، والمدينةُ خيرٌ لهم لو كانوا يعلمون". (4)
(1) جزء من حديث من طريق الأعمش عن علي بن أبي طالب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "المدينةُ حَرَمٌ ما بين عائر إلى ثور، من أحدث فيها حدثًا، أو آوى محدثًا، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرف ولا عدل"، وقال:"ذمة المسلمين واحدة، فمن أخفر مسلمًا فعليه لعنةُ الله والملائكة والناس أجمعين، لا يُقبل منه صرفٌ ولا عدل، ومن تولَّى قومًا بغير إذن مواليه، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرف ولا عدل". صحيح البخاري، "كتاب فضائل المدينة"، الحديث 1870، ص 301؛ "كتاب الجزية والموادعة"، الحديث 3179، ص 529 - 530؛ صحيح مسلم، "كتاب الحج"، الحديث 1370، ص 509 (وقد خرجه كذلك في "كتاب العتق"، ص 582)؛ سنن الترمذي، "كتاب الهبةِ والولاء"، الحديث 2125، ص 513. واللفظ لمسلم.
(2)
لم أجده بهذا اللفظ، وإنما جاء بلفظ:"يا بني سلمة، ألا تحتسبون آثاركم". صحيح البخاري، "كتاب الأذان"، الحديث 655، ص 107؛ "كتاب فضائل المدينة"، الحديث 1887، ص 303؛ سنن ابن ماجه، "أبواب المساجد والجماعات"، الحديث 784، ص 112.
(3)
يبسون، بفتح المثناة التحتية أو ضمها مع كسر الموحدة أو ضمها وشد السين، من البس وهو سَوْقٌ بلين، أي يسوقون دوابَّهم إلى المدينة، ومعناه يزينون لأهلهم البلاد التي تفتح ويدعونهم إلى سكناها. - المصنف.
(4)
الموطأ برواياته الثمانية، "كتاب الجامع"، الحديث 1751، ج 4، ص 254؛ صحيح البخاري، "كتاب فضائل المدينة"، الحديث 1875، ص 302؛ صحيح مسلم، "كتاب الحج"، الحديث 1388 (497)، ص 514. واللفظ لمالك.