الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
السلسلة البديعة "تحفة الحكام في نكت العقود والأحكام" ما قرب مصطلحات هذه الناحية من الفقه، وأشاعها بشيوع حفظ العاصمية وكثرة شروحها واعتمادها في الدراسة، حتى أصبحت مسائلُ التوثيق والأحكام غالبةً على مسائل الفقه المالكي، واصطلاحاتُها جاريةً سائغة على الألسن والأقلام.
[منهجان في الفقه المالكي]:
وبهذا أصبح الفقه المالكي منذ القرن السابع يسير على منهجين:
المنهج الأول: منهج متابعة التلخيص من التحرير والتهذيب لمسائل الأحكام الموضوعية على السلوب الذي تركناه في القرن الخامس. وقد ظهر على هذا المنهج في القرن السابع على التعاقب الفقهاء المصريون الذين طال باعُهم في تحرير المذهب المالكي واختصاره: ابن شاس، ثم ابن الحاجب، ثم القرافي، ثم خليل.
وكان لمنهج الاختصار المحكم الذي ظهر به الإمام الغزالي في المذهب الشافعي بكتاب "الوجيز" تأثيرٌ قويٌّ في دفع العمل الفقهي على ذلك المنهج، كما صرح بذلك مقدَّمُ هذه الحلبة ابن شاس في خطبة كتابه "الجواهر الثمينة"، (1) وهو الذي سار على خطته ابن الحاجب والقرافي ومن بعدهم.
= والفرائض، والقراءات. وله كتاب "حدائق الأزهار"(في مستحسن الأجوبة المضحكة والحكم والأمثال والحكايات والنوادر)، وغير ذلك. ولد سنة 760 هـ وتوفي سنة 829 هـ. - المحقق.
(1)
قال ابن شاس مبينًا اقتفاءه أثر الغزالي: "ولمَّا كان كتابُ الوجيز لأبي حامد الغزالي رحمه الله من آخر ما حُرِّر مما حرره غيرُه من متقدمي الأئمة ومتأخريهم، فكان غاية منتهى التحرير، لخصت المذهب في هذا المجموع على القرب من محاذاته، فنظمت فرائد درر أحكامه المكنونة، وأظهرت جواهر معانيه النفيسة المصونة، واستخرجت بالفحص والتأمل خفايا حكمه الدفينة، وسميته لانتظامه وكماله: عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة، تنبيهًا على مقصد الكتاب وإرشادًا إليه، وتعريفًا لصاحب المذهب بما عرفه صاحب الشريعة صلوات الله عليه". ابن شاس: عِقد الجواهر الثمينة، ج 1، ص 4. - المحقق.
المنهج الثاني: منهج التفاصيل في الصور العملية لمسائل الأحكام والتوثيق، ودراستها من حيث الوفاء بتحقيق المصالح الشرعية المنوطة بها حسب مقتضيات الأحوال. وقد ظهرت على هذا المنهج الثاني كتبُ الأحكام والتوثيق التي نوهنا بها، وتبعها ازدهارُ التحقيق الفقهي في جزئياتِ المسائل العملية الذي طفحت به الفتاوى والرسائل في مسائل الالتزام، وصيغ الأحباس، وعقود المغارسة، وبيع الصفقة، ومسائل الأبنية والجدران، وحقوق الجوار، والإنزال والخلو، وبيع الهواء، وأحكام العرصة، والساباط والدكانة، وحقوق الطريق.
إلى غير ذلك مما برزت به أنظارٌ فقهية جديدة، وقوالبُ تعبيرية مبتكرة، حققت مواضيعَ تلك الأنظار، وأضافت في كل المواضيع شيئًا جديدًا إلى المصطلح الفقهي مأخوذًا مما تطلَعُ به الحوادث وتنزل به صورُ الأقضية، ولا سيما في الأندلس والمغرب. وإن ذلك ليتمثل في مجاميع الفتاوى والرسائل، مثل كتاب "جامع مسائل الأحكام" للبرزلي فقيه تونس في القرن التاسع، (1) وكتاب "المعيار" للونشريسي فقيه الجزائر في القرن نفسه، وهو موسوعةٌ كاملة طُبعت بفاس في اثني عشر مجلدًا في أوائل هذا القرن. (2)
وقد نشأ من هذا الاتجاه القضائي التوثيقي في الفقه المالكي أن انفتحت للقضاء أبوابٌ واسعة للاجتهاد في الأخذ بالأحكام المنصوص عليها في دواوين المذهب على وجه قد يحملهم على مخالفة المنصوص أو المشهور، إذ يرون ذلك أدعى إلى تحقيق مقصد الشرع من صلاح الناس، فيصبح جريانُ العمل القضائي مخالفًا في جزئياته لما هو مأخوذ به في كتب الفقه.
(1) هو أبو القاسم ابن أحمد البرزلي، القيرواني، التونسي، توفِّي سنة 844 هـ وقد طبع كتابه "جامع مسائل الأحكام مما نزل بالمفتين والحكام"(ويُعرف أيضًا بنوازل البرزلي والحاوي في النوازل) محققًا بعناية الدكتور محمد الحبيب الهيلة وصدر عن دار الغرب الإسلامي ببيروت سنة 2002 في ستة مجلدات. - المحقق.
(2)
وقد أعيد طبعه محققًا بإشراف الدكتور محمد حجي، وصدر عن دار الغرب الإسلامي ببيروت سنة 1401/ 1982. - المحقق.
وقد جرى هذا كثيرًا في الأندلس، وذكر ابنُ عاصم منه صورًا في "تحفة الحكام". وكان معاصره بتونس الشيخ ابن عرفة قد سار على منهجٍ في دراسته الفقهَ بُني على مناقشة الأنظار المختلفة بينها، وحسب ما يرى من أدلتها قوة وضعفًا، فانتهى به ذلك إلى الخروج في بعض اختياراته عما اختاره أصحاب المختصرات، مثل ابن الحاجب. تأثر بمنهجه ذلك تلاميذُه من التونسيين والجزائريين والمغاربة والأندلسيين والليبيين، وذهب القضاةُ منهم ينتهجون نهجَ الاختيار في أقضيتهم، وأكدت عليهم الاضطرابات الاجتماعية لزومَ اتباع ذلك المنهج قطعًا لِمَا فشا من الفساد والحيل.
فبدأ يتقرر بذلك في الأقطار المغربية عمل قضائي جار على خلاف المعروف من دواوين المذهب المالكي، وكانت اليد الطولى في اختيار أوجهه لقاضي القيروان في القرن التاسع الشيخ أبي القاسم ابن ناجي. فاهتم المعتنون بفقه القضاء بجمع تلك الأقضية، ونظموا فيها أراجيز عرفت باسم "كتب العمليات"، وألفت عليها شروح. فأصبحت العمليات وشروحها مادة لأسماء ومصطلحات كثيرة لا توجد إلا في القرون والأقطار التي جرى فيها العمل بتلك الأحكام، مثل "بيع الهواء" لإعطاء حق الاعتلاء على العقار بعوض، و"الخلو" لإعطاء حق الحبس "بوظيفة"، والإنزال للكراء المؤبد للحبس، و"المعاوضة" لدفع الحبس في مقابلة ما يشترى به عقار يعوض الحبس، و"الرسم" بمعنى وثيقة التملك، و"المفاصلة" لتصفية ما بين الشريكين عند انحلال الشركة، و"المبارأة" للاتفاق المنهي للمخالطة باعتراف كلٍّ من الطرفين ببراءة ذمة الآخر، و"العقلة" بمعنى توقيف الشيء وإخراجه من يد أحد المتنازعين، و"المناقلة" لتبادل وقفين بين المستحقين لهما، و"القطعة" بمعنى التبريء من تبعات أعمال الغير، و"شهادة اللفيف" بمعنى الذين لم يتحقق فيهم شرط العدالة الشرعية ويعتمد القاضي على استفسارهم. إلى غير ذلك مما أكثر في كتب العمليات وفي كتب التوثيق، وتجدد متتابعًا إلى أوائل القرن الحاضر، واختلف باختلاف البلدان بين تونس وقسنطينة وبجاية وتلمسان وفاس، وهي أم صناعة التوثيق ومصدر فقه القضاء وجريان العمل. واستتبع ذلك دخولَ ألفاظ كثيرة من لهجة التخاطب في استعمالات القضاء والتوثيق.
ولقد سبق هذا التطورَ الذي دخل على المعاني الفقهية وألفاظها الاصطلاحية نزعةٌ قوية إلى تحليل المعاني وتمحيصها، أنتجت تدقيقًا في المصطلحات والضوابط ارتبطت به التحاريرُ الفقهية في المذهب المالكي، وحفلت به الرسائل والفتاوى، واستندت إليه تصرفاتُ القضاة التي تولد عنها اختلافُ جريان العمل وتطوير الصيغ التوثيقية.
وهذه النزعة النظرية هي التي ظهر بها شهاب الدين القرافي بمصر في أواخر القرن السابع، وأبرزها في كتابه الشهير "كتاب الفروق" بما أحكم فيه من تحقيق المعاني الفقهية الهامة، وتدقيق العبارات المفصحة عنها بصورة تدفع الالتباس وتقابل بين المعاني بأسلوب حكيم، إذ تنبه إلى معاقد الفرق بينها.
وذلك ما زاد الفقهاء تعلقًا بالضبط، وحرصًا على وضع المعاني في نصابها، وأجرى على أقلامهم في القرن الثامن وما بعده دقائقَ العبارات التي اخترعها القرافي. فأصبحت مصطلحاتٍ مرجوعًا إليها ومحالًا عليها في تحقيق مناط الأحكام، مثل الفرق بين تمليك الانتفاع وتمليك المنفعة، والفرق بين مَنْ مَلَك أن يملك ومن انعقد له سبب المطالبة بالملك، والفرق بين الملك والتصرف، والفرق بين الذمة وأهلية المعاملة، والفرق بين الحكم والثبوت، والفرق بين النقل والإسقاط.
وذلك ما زاد في صقل المصطلحات الفقهية وجلائها بإرجاعها إلى هذه الفروق والضوابط العامة وربطها إليها، وفتح الباب لرجال من أئمة الفقه بالمغرب في القرن الثامن والقرن التاسع أن يمضوا في وضع القواعد والفروق مثل المقري والونشريسي.
وقد انضم إلى هذا العمل عملٌ آخر قُصِد به إلى ضبط المعاني الفقهية الفرعية بذاتها، بوضع حدود لأبواب العبارات وضروب المعاملات والعقود، بطريقة التحديد المنطقي الجامع المانع، وذلك ما قام به الإمام ابن عرفة التونسي في "المختصر" الذي ألفه في الفقه المالكي، واهتم فيه على الخصوص بما سماه "تعريف ماهيات
الحقائق الفقهية الكلية". (1) والتزم ذلك بصورة مطردة في كل باب من أبواب الفقه التي اشتمل عليها مختصره، حتى إن تعاريفه تلك جُرِّدت عن المختصر فكُتب عليها شرحٌ مستقل من وضع أحد تلاميذه وهو الشيخ محمد الرصاع التونسي في آخر القرن التاسع. والتزم دارسو الفقه حدودَ ابن عرفة عمدةً يقيمون عليها بحوثهم وتجاربَهم، فتداولتها الكتب والدروس شرقًا وغربًا على توالِي القرون.
ومن أمثلة هذه التعاريف: تعريف الرهن بقوله: "مالٌ قبضه توثُّقٌ به في دين"، (2) والحوالة بقوله:"طرحُ الدين عن ذمة بمثله في أخرى"، (3) والإقرار بقوله:"خبَرٌ يوجب حُكمَ صدقه على قائله فقط بلفظه أو لفظ نائبه"، (4) والشفعة بقوله:"استحقاقُ شريكٍ أخذ مبيعِ شريكه بثمنه". (5)
ولا يخفى أن هذا العمل قد كان مُعِينًا على ضبط المصطلحات الفقهية بتعيين معانيها وإقرار أسمائها، وتكوين ملكة التصرف فيها والتوليد منها. كما كان مدخلًا لألفاظٍ كثيرة استُعْمِلت في التعاريف، فراجت في اصطلاح الفقهاء، مثل "الصفة الحكميّة"، و"المكايسة"، و"التمليك"، و"الإعطاء"، و"المنفعة"، و"ذي المنفعة".
فهذه على الإجمال هي الصورة التي تكون بها المصطلح الفقهي المالكي.
(1) ابن عرفة الورغمي، محمد بن محمد بن حماد: المختصر الفقهي، تحقيق سعيد سالم فاندي وحسن مسعود الطوير (بيروت: دار المدار الإسلامي، ط 1، 2003)، ص 53. وانظر كذلك: الرصاع: شرح حدود ابن عرفة، ج 1، ص 64.
(2)
الرصاع: شرح حدود ابن عرفة، ج 2، ص 409.
(3)
المرجع نفسه، ص 423.
(4)
المرجع نفسه، ص 443.
(5)
المرجع نفسه، ص 474.