الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
حكم زكاة الأوراق المالية المعبَّر عنها بتذاكر البانكة:
علمتَ مما تقدم أن أوراقَ البانكة حججُ ديون، فتأخذ في الزكاة أحكامَ زكاة الدَّيْن. (1) وزكاةُ الدين مُلحَقةٌ بزكاة النقدين؛ إذ الدَّينُ مالٌ متقرِّرٌ بذمة المدين يمكنه الوفاءُ به عند طلبه أو لأجل، فهو مال وغنى معتبر. وكان شأنُ الدَّين أن يُزكَّى كلَّ سنة؛ لأنه مالٌ ثابت بمنزلة عين مكنوزة. إلا أن الشارع رخَّص ألا يُزكَّى في بعض أحواله حتى يقبضه ربُّ الدين خشيةَ أن يعترضه ما يمنع قبضَه، كما نقَل ذلك ابنُ شاس في كتاب "الجواهر" وخليل في "التوضيح" عن أشهب رحمه الله. (2) ثم الدين باعتبار إجراء الزكاة فيه تختلف أحكامُه، فمنه ما يزكى كلما مر عليه الحول، ومنه ما يزكى عند قبضه من المدين، ومنه ما يُزكى بعد أن يقبضه ربُّ الدَّين ويمر الحول عليه من يوم قبضه.
[والدَّين باعتبار إجراء الزكاة فيه خمسةُ أقسام: دين من وديعة، ودين من تجارة، ودين من قرض، ودين من فائدة، ودين من غصب. (3) فأما دين الوديعة - وهو المال الذي تحت المودع - فحكمه أن يزكيه المودِع (بالكسر) لكل سنة تمر على أصل اكتساب نصابه، كما صرح بذلك ابن عبد البر في الكافي. (4) وأما دين التجارة فلا يخلو، إما أن يكون صاحبه التاجر مديرًا أو محتكرًا. فالمدير، وهو الذي يشتري ويبيع ما يشتريه بالسعر الحاضر إذا وجد ربحه، ولا ينتظر نفاقَ الأسواق ولا شدةَ
(1) انظر بحثًا حديثًا ورصينًا في زكاة الدَّيْن في: حماد، نزيه: قضايا فقهية معاصرة في المال والاقتصاد (دمشق: دار القلم، ط 1، 1421/ 2001)، ص 109 - 132.
(2)
ابن شاس، جلال الدين عبد الله بن نجم: عِقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة، تحقيق حميد بن محمد لحمر (بيروت: دار الغرب الإسلامي، ط 1، 1423/ 2003)، ج 1، ص 243؛ المالكي: التوضيح، "كتاب الزكاة"، ج 2، ص 200.
(3)
ذكر ابن رشد هذه الأقسام ما عدا دين الوديعة. المقدمات الممهدات، "كتاب الزكاة الأول"، ج 1، ص 403 - 404.
(4)
ابن عبد البر: الكافي، ص 93.
الرغبات، فهذا حكمُ ديون تجارته كحكم سلعه، فيجعل لنفسه شهرًا من السنة يقوِّم فيه ما عنده من السلع وما عنده من الديون، ويزكي قيمة جميعها كما يزكي ما عنده من العين. (1)
وأما المحتكر وهو الذي لا يبيع السلعَ حتى يجد نفاقًا في السوق وربحًا قويًّا ويترصد الرغبات، فهذا لا يزكي ديونَه حتى يقبضها، ويكون قد مر الحولُ على أصلها. وإذا اجتمعت لتاجر واحد إدارةٌ واحتكار، فقال ابن رشد في البيان: ظاهر المدونة أنه يُغلِّب الإدارةَ على الاحتكار. (2)
وأما القسم الثالث وهو دين القرض، فحكمه أن يزكَّى زكاةً واحدة عند قبضه ولو مرت عليه سنون إن كان صاحبُه تاجرًا محتكرا. وأما إن كان تاجرًا مديرًا، فقال ابن رشد: ظاهر المدونة أنه يلحقه بديون تجارته، فيقَوِّمه كلَّ سنة ويزكيه. وقال ابن حبيب: لا يلحقه بها، بل هو فيه كالمحتكر. (3)
وأما القسم الرابع وهو الدين من فائدة (أعني: الذي استفاد ربه كسبه من غير أن يكون قد بذل مقداره أو بدلًا عن مقداره من يده، وذلك مثل أن يرث دينًا، أو يوهب له، أو كان مهر امرأة تقرر بذمة زوجها، أو معين خلع تقرر بذمتها، أو ثمن إجارة الشخص نفسه أو كراء مسكنه، أو يكون ثمن عرض استفاده بوجه من هاته الوجوه وباعه بدين مؤجل)، فهذا لا يزكى ما دام في الذمة حتى يقبض ويحول الحولُ عليه بعد قبضه. قال في الوسالة: "وإن كان الدين أو العَرْضُ من ميراث
(1) انظر مثلًا: الصقلي: النكت والفروق، ص 277 و 288؛ ابن عبد البر: الكافي، ص 93 - 94؛ ابن رشد: المقدمات الممهدات، "كتاب الزكاة الأول"، ج 1، ص 305، والبيان والتحصيل، "كتاب زكاة الذهب والورِق"، ج 2، ص 424؛ المالكي: التوضيح، ج 2، ص 222 - 223.
(2)
وكلام ابن رشد بلفظه: "وظاهر معنى المدونة. . . أنه يزكي المالين جميعًا على الإدارة". البيان والتحصيل، "كتاب زكاة الذهب والورق"، ج 1، ص 424. وانظر المقدمات الممهدات، "كتاب الزكاة الأول"، ج 1، ص 304.
(3)
ابن رشد: المقدمات الممهدات، "كتاب الزكاة الأول"، ج 1، ص 304.
فليستقبل حوله بما يقبض منه". (1) ويلحق بهذا القسم أن يكون الدَّيْنُ ثمنَ عرضٍ كان بيده للقنية ثم باعه بدين، فإن كان الدين على الحلول فلا زكاة عليه فيه حتى يقبضه، ويستقبل به حولًا من يوم قبضه. وإن كان الدين مؤجلًا فلا زكاة عليه حتى يقبضه إن كان مضى حولٌ على يوم التبايع. (2)
وأما القسم الخامس وهو الدين من غصب (أعني: بقاء المغصوب المثلي بذمة غاصبه إلى أن يدفعه)، فقال ابن رشد:"المشهور أنه يزكيه زكاة واحدة ساعة يقبضه (كدين القرض) ". (3)
هذه أقسام الديون، وقد تحصل أن منها ما يزكى ولو قبل قبضه وهو دين الوديعة ودين المدير، ومنها ما يزكى عند قبضه. ومنها ما يزكى بعد مرور حول من يوم قبضه. وشرط هذا التفصيل في زكاتها أن لا يكون صاحبه قد ترك قبضه فرارًا من الزكاة. وإنما يُتصور هذا في غير دين الغصب وفي غير دين الوديعة والمدير؛ لأن فيها الزكاة كل سنة، وذلك دين القرض ودين الفائدة ودين المحتكر]. (4)
فأما إن كان ربُّ الدين يمكنه قبضُه فتركه فرارًا من الزكاة، ففي ذلك طريقتان: الأولَى طريقةُ ابن عبد البر في "الكافي" وابن الحاجب في مختصره عن ابن القاسم أنه تجب فيه الزكاة كلَّ عام، ولم يفصِّلا فيه. والثانية طريقةُ ابن رشد في "المقدمات" بالتفصيل. (5)
(1) القيرواني: الرسالة الفقهية، ص 167.
(2)
ابن رشد: المقدمات الممهدات، "كتاب الزكاة الأول"، ج 1، ص 303.
(3)
المصدر نفسه، ص 304.
(4)
التوزري العباسي: الفتاوى التونسية، ج 2، ص 630 - 632.
(5)
ابن عبد البر: الكافي، ص 93؛ ابن الحاجب: جامع الأمهات، ص 72؛ ابن رشد: المقدمات الممهدات، "كتاب الزكاة الأول"، ج 1، ص 303 - 304.
فأما دَيْنُ الفائدة إن كان غير ثمن عرض مستفاد ولا ثمن إجارة بدنٍ أو كراء مسكن، فلا زكاةَ فيه قولًا واحدًا، إن كان قُصد بتأخير قبضه الفرارُ من الزكاة. وأما إن كان ثمنَ عَرْض مستفاد أو ثمن إجارة بدنه أو كراء مسكنه، فابن القاسم يرى زكاتَه لكل حول، وغيرُه لا يرى ذلك. وأما الدَّين الذي هو من ثمن عرض اشتراه للقنية ثم باعه، فإن قَصد بتأخير قبضه الفرارَ من الزكاة، وجبت زكاتُه لكل حول قولًا واحدًا، ولم يتكلم على غيرهما. (1) وتبعه خليل فقال:"ولو فر بتأخيره إن كان عَنْ كَهِبَةٍ أو أرش لا عن مشترًى للقِنْية وباعه لأجَلٍ وعن إجارةٍ أو عرضٍ مفاد قولان". (2)
والأظهرُ هو ما لابن عبد البر وابن الحاجب من وجوب زكاة ما قُصِدَ بتأخيره الفرارُ من الزكاة مطلقًا؛ لأن إمكانَ القبض يُصَيِّر الدينَ بمنزلة العين الناضة. فتأخيرُ قبضه للفرار من الزكاة مقصدٌ فاسد تجب المعاملةُ بنقيضه، كما قالوا في نظائرها في باب الزكاة، مثل مَنْ فرَّق بين مجتمِعٍ أو جمع بين مفترِقٍ في زكاة الماشية، (3) ومثل مَنْ باع إبلَه قبل الحول بذهب فإنه يزكي الثمنَ لئلا يصير تحيُّلًا تنهدم به مقاصدُ الشريعة من التشريع. (4)
(1) انظر تفصيل ذلك في: المدونة الكبرى، "كتاب الزكاة الأول"، ج 1، ص 367 - 372؛ النوادر والزيادات، ج 2، ص 149، 154، 169.
(2)
المالكي: مختصر خليل، ص 51؛ التوضيح، "كتاب الزكاة"، ج 2، ص 201. وعبارة "عن كهبة" هكذا في الأصل وفي سائر الشروح على المختصر، ولم يتبين لي الوجه في إلحاق حرف الكاف بلفظة "هبة" ولم أجد من وجهه من ناحية اللغة. ولكن علق الحطاب على الكلام كله بقوله: "ولو قال المصنف: لا إن كان عن هبة أو أرش فيستقبل به حولًا ولا عن مشترى للقنية، لصح الكلام. واعلم أن المصنف حاول على [كذا! وهو زائد] اختصار كلام ابن رشد في المقدمات فلم يتيسر له الإتيان [به] على وجهه". الحطاب: مواهب الجليل، ج 3، ص 174. وكلام ابن رشد هو قوله: الديون في الزكاة تنقسم على أربعة أقسام: دين من فائدة، ودين من غصب، ودين من قرض، ودين من تجارة". المقدمات الممهدات، "كتاب الزكاة"، ج 1، ص 303.
(3)
انظر في ذلك مثلًا: ابن عبد البر: الكافي، ص 107؛ ابن الحاجب: جامع الأمهات، ص 79؛ ابن رشد: بداية المجتهد، ص 253 - 255.
(4)
وليس ذلك قاصرًا على باب الزكاة، وإنما ينطبق على غيره من مجالات الأحكام الشرعية، وذلك وفقًا للقاعدة الفقهية:"المعاملة بنقيض المقصود الفاسد"، المتفرعة عن القاعدة الكلية: "الأمور =
[ولم يسم ابنُ عبد البر ولا ابن رشد مخالفَ ابن القاسم في هاته المسألة، وقال ابن الحاجب:"ما لم يؤخر قبضه فرارًا من الزكاة، وخولف"، (1) فقال خليل في التوضيح:"ظاهرُ قوله: وخولف، أن غيره من الأصحاب مخالف له". (2) ولكن كلام ابن عرفة في مختصره يُشْعِرُ بأن المخالفَ له ظاهرُ المدونة، وفيه بحثٌ لابن غازي (3) في شفاء الغليل لا نطيل به. (4) كما أن توجيه صاحب التوضيح لمخالفة مَنْ
= بمقاصدها"، ووفقًا كذلك لقاعدة سد الذرائع وقاعدة إبطال الحيل، صيانةً للحقوق ومنعًا للتعسف في استعمالها. انظر في ذلك: الندوي، علي أحمد: القواعد الفقهية (دمشق: دار القلم، ط 6، 1425/ 2004)، ص 207 و 420؛ وله أيضًا جمهرة القواعد الفقهية في المعاملات المالية (الرياض: شركة الراحجي المصرفية للاستثمار، ط 1، 1421/ 2000)، ج 1، ص 136 - 138. وانظر كذلك للمؤلف مقاصد الشريعة الإسلامية، ص 353 - 370.
(1)
ابن الحاجب: جامع الأمهات، ص 72.
(2)
ساق المصنف كلام خليل بتصرف، ولفظه:"وقوله: وخولف، يقتضي أنه انفرد بذلك (يعني من بين أصحاب مالك)، وذلك لأن العاقل لا يؤخر قبض دينه لأجل الزكاة، بل لو اشترى به أي شيء لكان استفاد به مقدارَ الزكاة وزيادة. واعلم أن مخالفة ابن القاسم ليست مطلقة، بل يتفق في بعض أنواع الدين على مثله". ثم ذكر أقسام الدين كما فصلها ابن رشد في المقدمات مبينا حكم كل قسم منها. المالكي: التوضيح، "كتاب الزكاة"، ج 2، ص 201.
(3)
هو أحمد بن محمد بن محمد بن علي بن غازي، العثماني، نسبة لبني عثمان أحد بطون كتامة بالمغرب، المكناسي - مولدًا ونشأة - نسبة لمكناسة الزيتون، الفاسي موطنًا ووفاة. فقيه مالكي، كان محققًا عارفًا بالشروط، وكان يقرض الشعر. بعد رحلته في طلب العلم عاد إلى مكناسة حيث تصدر للتدريس والإقراء وتولى الخطابة بجامعها الأعظم. ثم خرج منها قاصدًا المشرق ولكن استبقاه أهل فاس، فاستوطنها وولي الخطابة والإمامة بجامع القرويين. قيل ولد سنة 841 هـ وقيل 840، وتوفي سنة 919 هـ. لابن غازي العديد من التصانيف، منها "إنشاد الشريد من ضوال القصيد"(تقريرات على الشاطبية في القراءات)، "منية الحسَّاب"(ومنظومة في الحساب)، وشرحه "بغية الطلاب"، "تكميل التقييد وتحليل التعقيد على المدونة"، "تحرير المقالة في مهمات الرسالة"، "إرشاد اللبيب إلى مقاصد حديث الحبيب"(شرح على صحيح البخاري)، "شفاء الغليل في حل مقفل خليل".
(4)
ابن غازي العثماني، محمد بن أحمد: شفاء الغليل في حل مقفل خليل، دراسة وتحقيق أحمد بن عبد الكريم نجيب (القاهرة: مركز نجيبويه للطباعة والنشر، ط 1، 1429/ 2008)، ج 1، ص 274.
خالف ابن القاسم توجيه ظاهر الرد. ولذلك قال اللقاني في حاشية التوضيح: "إن ابن الحاجب يشير إلى أن قول ابن القاسم هو المشهور، ومثله كلام ابن عرفة"]. (1)
على أن صور ما ذكره ابن رشد وخليل في الأنواع التي لا يضرها قصدُ التأخير نادرةٌ جدًّا، ثم إن الديون في الزكاة تارة يعتبر عددها فتزكى على حسابه، وتارة تعتبر قيمتُها. فأما الدين الذي يعتبر عدده فهو الذي يكون في ملاء (2) وثقة، أي أن يكون المدين قادرًا على أداء جميعه حينئذ. وأما الدين الذي تُعتبر قيمتُه، فهو الذي نقص
(1) التوزري العباسي: الفتاوى التونسية، ج 2، ص 633 - 634. هذا ولم أعثر على هذا الكتاب المنسوب للقاني، ولا أدري إن كان طبع. واللقاني لعله إبراهيم بن إبراهيم بن حسن بن علي بن عبد القدوس بن الولي الشهير محمد بن هارون اللقّاني المالكي، المصري. لقبه برهان الدين، وكنيته أبو الأمداد، وأبو إسحاق. واللقاني نسبة إلى لقانة، قرية من قرى مصر. من أبرز شيوخه صدر الدين المناوي، وعبد الكريم البرموني، وسالم السنهوري الذي أكثر الأخذ عنه، ويحيى القرافي. كان للإمام اللقاني عدد كبير من التلاميذ، حتى قيل إنه لم يكن أحد من علماء عصره أكثر تلامذة منه. ومن أشهر تلاميذه: ابنه عبد السلام اللقاني، الإمام، المحقق، المتقن، المحدّث، الأصولي، المتكلّم، شيخ المالكية في وقته (توفي 1078 هـ/ 1668 م)، محمد الخرشي، الفقيه، العلامة، شيخ المالكية في عصره (توفي سنة 1101 هـ/ 1690 م)، عبد الباقي الزرقاني، الفقيه، المحقق، مرجع المالكية في زمنه (توفي سنة 1099 هـ/ 1688 م)، أبو إسحاق إبراهيم الشبرخيتي (توفي سنة 1106 هـ/ 1695 م). تنوعت مؤلفات الإمام اللقاني بين الفقه، والفتوى، والحديث، والعقيدة، واللغة. ومنها "البدور اللوامع من خدور جمع الجوامع" وهو حاشية على جمع الجوامع (في أصول الفقه)، "قضاء الوطر من نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر، للحافظ ابن حجر"(في مصطلح الحديث)، "توضيح ألفاظ الأجرومية"(في النحو)، منظومة "جوهرة التوحيد" وشروحه الثلاثة عليها، "حاشية على مختصر خليل" و"منار أصول الفتوى وقواعد الإفتاء بالأقوى". وغيرها كثير، ولكن لم يذكر مترجموه "حاشية التوضيح" التي ذكرها المصنف. توفي اللقاني أثناء عودته من الحج بالقرب من "أيلة" وذلك سنة 1041 هـ/ 1632 م.
(2)
الملاء: كثرة المال. يقال: ملُؤ يملُؤ ملاءً وملاءة: صار كثير المال. والمراد بالملاء هنا القدرة على الوفاء. ويطلق فقهاء المالكية مصطلح "ظاهر الملاء" على المدين الذي يغلب على الظن أنه قادرٌ على وفاء دينه، ولم تظهر له عروضٌ أو أموال تفي بدينه. فإن ظهر له ذلك سموه "معلوم الملاء". ويعبر بعضُهم عن معلوم الملاء المماطل بالمتقعِّد على أموال الناس، كما يُعبر عنه بالملد. حماد: معجم المصطلحات المالية والاقتصادية في لغة الفقهاء، ص 439.
ملاءً، ودَيْنُه كدين على المفلس حين تصير مائته خمسين. ففي سماع عيسى عن ابن القاسم في العتبية:"قلت: أرأيتَ لو كان الدينُ لا يُرتَجى قضاؤه، وهو لو باعه الساعةَ بعرض باعه بنصف ثمنه، أو ثلث ثمنه، هل يُحسب ذلك أم لا يُحسب؟ قال: إن كان يجزيه ذلك، حسب الذي يجده (1) وتمام الدين فيما في يديه، وزكَّى ما بقيَ إن كان بقي ما تجب فيه الزكاة. قال سحنون: يزكي قيمةَ الدين ولا يزكي عددَه". (2) قال ابن رشد في كتاب "البيان والتحصيل": "وقوله إن الدَّيْن الذي لا يُرتَجَى إذا كانت له قيمةٌ يحسب تلك القيمة، ينبغي أن يُحمل على التفسير لِمَا في المدونة، فيكون قوله فيها: إنه لا يُزكَّى الدَّيْنُ الذي لا يُرتجى، معناه إذا لم تكن له قيمة". (3)
[قلتُ: ومثلُه في شرح أبي الحسن عليها، وعليه درج ابنُ الجلاب (4) في مختصره. (5) واعلم أن ذلك لا يختص بالمدير، بل يعم كل دين تجب زكاته، كما أشار
(1) وفي نسخة: يُجديه.
(2)
ابن رشد: البيان والتحصيل، "كتاب زكاة الذهب والورق"، ج 2، ص 395.
(3)
المصدر نفسه، ص 395.
(4)
هو أبو القاسم عبيد الله بن الحسين بن الحسن ابن الجلاب، فقيه مالكي بصري. لم يعين المترجمون له تاريخ ولادته. تفقه ابن الجلاب بالشيخ أبي بكر الأبهري (289 - 375 هـ) شيخ الملكية بالعراق، ولزمه زمنًا طويلًا وكان من كبار أصحابه، وغيره ممن لم يذكر المترجمون أسماءهم. وأخذ عنه كثيرون، منهم ابن أخته المسدد بن جعفر بن محمد بن أيوب البصري شارح كتاب "التفريع"، والقاضي أبو محمد عبد الوهاب بن نصر البغدادي وأبو الحسن علي بن القاسم بن محمد بن إسحاق الطابثي البصري. ويقال إنه كان ضريرًا، وكان من أحفظ أصحاب الأبهري وأنبلهم. له تآليف عدة منها كتاب في مسائل الخلاف، و"شرح المدونة"(يوجد منه مخطوط بجامعة القرويين)، وكتاب "التفريع" المشهور الذي بلغت شروح العلماء عليه ثلاثة وعشرين شرحًا، من أشهرها شرح ابن أخته المسدد التقدم ذكره، وشروح ابن بشير وابن ناجي والتلمساني والتتائي. توفي عند منصرفه من الحج في شهر صفر من سنة 378 هـ.
(5)
ابن الجلاب البصري، أبو القاسم عبيد الله بن الحسين بن الحسن: التفريع، تحقيق حسين بن سالم الدهماني (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1987)، ج 1، ص 276.
له ابن رشد بقوله: "هذا في المدير الذي يلزمه أن يزكي ماله من الديون". (1) إلا أن الفرق بين المدير وغيره يزكيه ولو كان يبيع دينه بعرض؛ لأن عروض المدير تزكَّى، وأما غير المدير فإنما يزكي قيمة دينه إذا كان يبيعه بالنقدين.
فلْنَرْجِعِ الآن إلى تطبيق هاته الأحكام على أوراق البنوك التي تقرر أنها ديون. فهي إما أن تكون وصلت لمن بيده حسبما وُضع مقدارها في البانكة، فهي حينئذ دينٌ من وديعة، فيجب زكاتُها كلَّ حول مطلقًا. وإما أن يكون قبضها التاجرُ في تجارته، وحُكمُها كذلك إن لم يكن محتكرًا محضًا، وهو نادرٌ جدًا. وإما أن يكون قبَضَها في تجارة احتكار كانت من سلف، أو في إجارة بدن شخص، أو في كراء مسكنه، وهذه لا تُزكَّى إلا بعد قبضها، فإن ترك قبضَها فرارًا من الزكاة وجبت زكاتُها. وإن كانت دُفعت له في فائدة بميراث أو مهر أو أرش جناية، فكذلك على طريقة ابن عبد البر وابن الحاجب دون طريقة ابن رشد، والأُولى أصح. (2)] (3)
ولا شك أن هاته الأوراق يمكن قبضُها في غالب الأحوال، فلا يتركه أحدٌ إلا فرارًا من الزكاة، لذلك تجب عليه زكاتُها كلَّ سنة. فإذا عرض ما أوجب تعطيلَ قبضها، فحكمُ زكاتها حينئذ فيه تفصيلٌ يُبَيَّن عند الحاجة إليه. ثم إن زكاتَها إما على قدر عددها وهو الغالب، فإن عرض لها انحطاطٌ في مثل هاته الأزمان المتعاقبة للحرب فإنها تُزكَّى على قيمتها لو صُرفت بالنقود. ولا يلزم أن يكون إمكانُ قبضها
(1) وقد جاء كلام ابن رشد تعليقًا على قول سحنون السابق. البيان والتحصيل، "كتاب زكاة الذهب والورق"، ج 2، ص 395.
(2)
طريقةُ ابن عبد البر وابن الحاجب هي وجوبُ الزكاة في الدين الذي يتركه صاحبُه مع إمكان قبضه من المدين، وهي كذلك طريقةُ ابن الجلاب. أما طريقة ابن رشد فهي أن ترك قبض الدين فرارًا من الزكاة لا يوجبها فيه. انظر: الكافي، ص 92 - 93؛ جامع الأمهات، ص 72؛ ابن الجلاب: التفريع، ج 1، ص 277؛ المقدمات الممهدات، "كتاب الزكاة الأول"، ج 1، ص 303 - 305.
(3)
التوزري العباسي: الفتاوى التونسية، ج 2، ص 635.
من البانكة التي هي المروجة لها، لِمَا علمتَ من أن القيمةَ تُعتبر ولو بإمكان بيعها للغير بما تجب زكاتُه، كبيع المدين لها بعرض وبيع غيره لها بالنقدين، وكما هو نصُّ سماع عيسى بن دينار وظاهرُ المدونة، واعتمده ابنُ الجلاب. (1)
هذا ومن المقرَّر في الشريعة أن حكمةَ مشروعية الزكاة مواساة الفقير، كما أومأ إليه حديثُ ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ بن جبل حين أرسله إلى اليمن:"فأعْلِمْهم أن الله افترض عليهم صدقةً في أموالهم تُؤخذ من أغنيائهم وتُردُّ على فقرائهم". (2) قال الإمام أبو عبد الله المازري في كتاب "المعلم على صحيح مسلم": "قد أفهم الشرعُ أن الزكاة شرعت للمواساة في مال له بال، ولهذا حد النصاب وكأنه لم ير فيما دونه محملًا، وتلك هي الأموال المعرضة للنماء". (3)
(1) قال في سماع عيسى بن دينار: "قلت [أي لابن القاسم]: أرأيت لو كان دينًا لا يُرتجى قضاؤه، وهو لو باعه الساعة بعرض، باعه بنصف ثمنه أو ثلث ثمنه، هل يحسب ذلك أم لا يُحسب؟ قال: إن كان يجزيه ذلك، حسب الذي يجده (أو يجديه) وتمام الدين فيما في يديه، وزكى ما بقي إن كان بقي ما تجب فيه الزكاة. قال سحنون: يزكي قيمة الدين ولا يُزكي عدده، إذا كان صاحبه موسرًا، وابن القاسم يقول: يزكي عدده". وعلق عليه ابن رشد بقوله: "وقد اختلف إذا كان الذي عليه الدين موسرًا: هل يزكي عدده أو قيمته على ثلاثة أقوال: أحدها أنه يزكي عدده حالًّا أو مؤجلًا، وهو ظاهر قول ابن القاسم ههنا. والثاني أنه يزكي قيمته لا عدده، وهو قول سحنون وظاهر ما في المدونة؛ قال محمد بن المواز: وهو القياس، غير أني ما علمت أحدًا من أصحاب مالك يقول به. والثالث أنه إن كان حالًّا زُكِّي عدده، وإن كان مؤجلًا زكي قيمته. ومن الناس من يجعل هذا القولَ مفسِّرًا لقول ابن القاسم ههنا، ولما في المدونة، وكتاب ابن المواز. والأظهر أنه قولٌ ثالث في المسألة، والله الموفق". ابن رشد: البيان والتحصيل، "كتاب زكاة الذهب والورق"، ج 2، ص 394 - 395؛ المدونة الكبرى، "كتاب الزكاة الأول"، ج 1، ص 366 - 367؛ ابن الجلاب: التفريع، ج 1، ص 278.
(2)
صحيح البخاري، "كتاب الزكاة"، الحديث 1395، ص 224 - 225؛ صحيح مسلم، "كتاب الإيمان"، الحديث 29 (19)، ص 33؛ سنن الترمذي، "كتاب الزَّكاة"، الحديث 625، ص 180؛ سُنَنُ أبي دَاوُد، "كتاب الزكاة"، الحديث 1584، ص 259.
(3)
أورد المصنف كلام المازري بتصرف، وتمامه: "أصل الزكاة في اللغة النماء. فإن قيل: كيف يستقيم هذا الاشتقاق ومعلوم انتقاص المال بالإنفاق؟ قيل: وإن كان نقصًا في الحال، فقد يفيد النمو =
ومن المعلوم أن الغنى هو قلة الاحتياج للغير بأن يكون بيد صاحبه ما فيه فضلٌ عن قوام حياته بكيفية ثابتة، وذلك كنصاب الحبوب والأنعام، أو بيده ما يصلح أن يكون عوضًا لذلك وهو النقود التي اصطلح البشر على جعلُها أعواضًا لما يُطلب من الأعيان، وكلا القسمين يعتبره الناس مالًا ثابتًا قابلًا للنماء بذاته أو باستعماله.
ولا شك أن الديون المتقررة في الذمم الصحيحة هي أموالٌ ضرورةَ إمكان قبضها. وهذه الأوراق المالية وإن كانت ديونًا، إلا أنها قاربت النقدين في سرعة الرواج ودوامه، بحيث يُحصِّل مَنْ هِيَ بيده طلباتِه من دون احتياج إلى استخلاصها من ذمم مَن هي في ذمته، أعني البانكات، ومن دون احتياج المبذولة إليه إلى البحث عن ملاء أصحابها وصحة التداين بها. ولو قيل بإسقاط الزكاة عنها لتعطلت زكاةُ ثروة عظيمة عن المسلمين، وذلك ما لا يرضاه هذا الدينُ المبين.
[وبهذا يُعلم أن مَنْ أفتى بسقوط الزكاة عن هاته الأوراق قياسًا على سكة الجلود (1) لم يُصَوَّرْ له حقيقةٌ هاته الرقاع حتى يعلم الفرق بين بينها وبين المقيس عليه؛ لأن شرطَ القياس انتفاء الفارق المعتبر؛ لأن تلك الجلود مظلمة وليس لها رأس مال يرجع عليه، فلذلك لا مطمعَ لصاحبها في استخلاص مقدارها. وإن كانت أوراقُ البانكة قد شاركتها في اعتبار رواجها كرواج النقدين، فإنما ذلك لشدة ثقة الناس بالدين، كما علمت. على أن هذا الرواج لا يخرج ماهية الدين عن أصلها الشرعي، وإذا لم يزدها قوةً لا يُكسبها ضعفًا.
= في المآل، ويزيد في صلاح الأموال. وقد أفهم الشرعُ أنها شرعت للمواساة، وأن المواساة إنما تكون فيما له بالٌ من الأموال. فلهذا حدَّ النُّصُبَ كأنه لم ير فيما دونها محملًا لذلك، ثم وضعها في الأموال النامية". المازري: المعلم، ج 2، ص 5.
(1)
سكة الجلود.
والعجبُ لِمَن جعل أوراق البنوك عروضًا، فزعم أن لا زكاةَ فيها حتى تكون تجارة. وهل سمعنا أن أحدًا يتخذ هاته الأوراق للتجارة في أعيانها فتجد عنده رزمًا للبيع! ولو كانت كذلك لكانت الورقة ذات ألف فرنك تساوي خمسة صانتيمات نظرًا إلى كونها قطعةً من الكاغد عليها صورة، ولمَا كان وجهٌ للتفاوت بين ورقة ذات ألف فرنك وورقة ذات خمسمائة فرنك مستويتين حجمًا وتلوينًا. وكيف يُقدَم على الإفتاء بسقوط الزكاة عن ثروة عظيمة رائجة متعامَلٍ بها في معظم البلاد؟ ] (1)
محمد الطاهر ابن عاشور
باش مفتي المالكية بتونس
جمادى الأولى سنة 1349 هـ
(1) التوزري العباسي: الفتاوى التونسية، ج 2، ص 636. وعلى المنوال نفسه سار غالب العلماء بعد ابن عاشور في التكييف الفقهي للأوراق النقدية وتصوير ما يترتب على التعامل بها من أحكام. انظر على سبيل المثال: العثماني، محمد تقي: بحوث في قضايا فقهية معاصرة (دمشق: دار القلم، ط 2، 1424/ 2003)، ص 145 - 197 (بحث بعنوان "أحكام الأوراق النقدية وتغير العملة وربطها بقائمة الأسعار").