الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إقليم آخر، زيادةً على ما قد يقتضيه طبعُ الفقيه نفسه وطريقتُه التعبيرية وذوقُه البياني من اختلاف في جوهر الموضوع.
فإن القيود والشروط التي يرى أحدُ الفقهاء أن يضبط بها الماهيةَ المسؤول عنها حتى لا تُحمل فتواه على غير محملها، ثم ما يقرر لمحل السؤال من حكم يرجع إلى معنى الحظر أو معنى الإباحة، وما يوجه به الحكمَ الذي اهتدى إلى تقريريه مما يرجع إلى شرح ماهية الموضوع، كلُّ ذلك يقتضي لا محالة جريانَ ألفاظٍ على لسان الفقيه من التعبير عن صورة الواقع وشرحها، وتوجيه ما ينبغي أن تُعتبر به في مجال تطبيق الحكم الشرعي. وهي الألفاظ التي تتقرر بها الماهيةُ، أو أركانُها وشروطُها، وتصبح أمرًا مصطَلَحًا عليه في تقرير الأحكام الشرعية.
وبذلك يختلف طبعًا التعبيرُ عن الموضوع وصوره بين فقيه وفقيه، اختلافًا يكون بعضُه راجعًا إلى ما لاختلاف الأقاليم من أثر في تصور الوقائع يتبع اختلافَ العوائد أو اختلاف الألفاظ الجارية، ويكون بعضُه الآخر راجعًا إلى ما اختار الفقيهُ من الألفاظ أو ابتكر من أساليب لضبط الموضوع وتحقيق أركانه وشروطه، زيادةً على أن الحكم المقرر للمسألة إن كان راجعًا إلى معنى الإباحة والمشروعية، فإنه يقتضي دخولَ الاسم الدال على موضوع المسألة في المصطلح الفقهي إذ يصير من عناوين الأبواب المعقودة للمعاملات المشروعة والعقود الشرعية الصحيحة. بخلاف ما إذا كان الحكمُ راجعًا إلى معنى الحظر وعدم المشروعية، فإنه يقتضي إلغاءه وإسقاط عنوانه، ولا يبقي احتمالًا لضبط ماهيته وبيان أركانه وشروطه. وعلى ذلك توجد أسماء في مذهب ولا توجد في آخر لا يقر مشروعيتَها، فلا يوجد الحبسُ عند الإمام أبي حنيفة وإن وُجد عند صاحبيه وبقية الأئمة، ولا يوجد ميراثُ ذوي الأرحام عند مالك وإن وُجد عند أبي حنيفة.
[فقه الإمام مالك في الموطأ وتأسيس المصطلح الفقهي]:
على هذه الأصول جرى وضعُ المصطلح الفقهي في المذهب المالكي: ابتداءً على يد الإمام مالك بن أنس، وتطورًا على أيدي أصحابه وأتباع مذهبه حتى القرن
العاشر بالمشرق والمغرب. كان مالك حجازيًّا مدنيًّا، وبذلك عرف عند معاصريه من الفقهاء وغيرهم. وكانت نشأتُه الفقهية على منهج جامع بين النظر والأثر، ولكنه بمراعاة الأثر أعلق. وكانت المدينةُ قد ظهرت فيها نزعةٌ قوية إلى الرأي والفقه، عدَّلت نزعتَها الأصلية إلى الحديث والعلم، وذلك بظهور ربيعة بن عبد الرحمن، المعروف بربيعة الرأي، الذي هو شيخُ الإمام مالك، وذو الأثر القوي في تكوينه الفقهي.
فكانت طريقةُ الفقه الجديدة معتمدةً على الفقه المتأصِّل في المدينة الذي عرفت به من عهد الصحابة وعهد فقهاء التابعين، ولا سيما الفقهاء السبعة المشاهير. وكان مالك لم يدرك الطبقة من الفقهاء السبعة وكبار التابعين، ولكنه تلقى فهمَهم ورواياتهم عن الذين أدركوهم، فلم يتلقَّ الذي تلقى من ذلك إلا وهو مفصَّلٌ إلى علم وفقه أو سنة ورأي. فلما ظهر مالك وانتهت إليه إمامةُ دار الهجرة وقصده الناس، وعرفوا فيه شخصية فيها جانبين: جانب العلم وجانب الفقه، فقُصِد للأمرين. وكان القاصدون إليه ثلاثة أصناف:
1 -
[الصنف الأول] صنفُ طالبي الرواية الذين شدوا الرحلةَ إلى المدينة ليروُوا عن إمامها الأحاديثَ الصحيحة المنتقاة التي عُرف مالك بتمام التحرِّي في روايتها وضبطها. ومن هؤلاء مَنْ كانوا متكونين تكونًا فقهيًّا كاملًا في أمصار أخرى، وعلى مناهج فقهية لا تساير المنهج الفقهي لمالك بن أنس. فمنهم بالغٌ درجة الاجتهاد المطلق، مثل عبد الله بن المبارك، ومنهم مَنْ هو قريبٌ منها في درجة الاجتهاد المقيد، مثل محمد بن الحسن الشيباني. وعدد هؤلاء الرواة كثير جدًّا، أحصى منهم علماءُ الحديث أكثر من ألف، وقد خصهم بالتصنيف الخطيب البغدادي والقاضي عياض. (1)
2 -
الصنف الثاني: طالبو التخرُّج الفقهي من أهل المدينة، مثل عبد الله بن نافع وابن الماجشون، أو من غير المدينة من المكيين والعراقيين والمصريين والأفارقة والأندلسيين، هؤلاء هم الذين قصدوا مالكًا ليلازموه، ويتتبعوا إفتاءَه في المسائل،
(1) تنوير الحوالك شرح موطأ الإمام مالك، السيوطي ص 10 ج 1 ط الحلبي بمصر.