الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الضعف والخناعة عندما يحرمون شهواتهم ولذاتهم، فالواجب عليهم في هذا المقام التدبر والاستهداء بأهل العلم ليفهموا غاية هذا المعنى، وأرى أن معظم الصحابة لم يكن يخفى عنه ما في إعراض الرسول عن الاهتمام بالطعام من الحكم، ولولا ذلك لما قصرت كثرتهم ووفرة أموالهم عن إمداد بيت رسول الله بخيرات أموالهم، ولم ينقل إلينا أن ذلك كان يحصل منهم إنما كانوا يهدون إليه طرفًا من باكورة الثمار أو من عسل ونحوه في مناسبات قليلة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بدعوته إلى الطعام، كما ورد في حديث أبي شعيب الأنصاري إذ دعا رسول الله في خمسة من أصحابه فجاءه رسول الله بعدد كثير، وبارك الله في الطعام فكانت معجزة.
تنافس آل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في الاقتداء به:
كان آل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أشد الناس حرصًا على الاقتداء به في الكمال، وأشدُّ الناس قربًا إليه أشدهم اقتداءً به. وقد كان صلى الله عليه وسلم يحمل أقرب الناس إليه على ذلك، ففي البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بيت فاطمة ابنته فلم يدخل فجاء علي فذكرت فاطمة ذلك له فذكره علي للنبي صلى الله عليه وسلم فقال:"إني رأيت على بابها سترًا موشيًّا فقلت ما لي وللدنيا"، فأخبر علي فاطمة فقالت ليأمرني فيه بما شاء، فقال الرسول:"ترسل به إلى فلان أهل بيت بهم حاجة"، (1) فكرهه لابنته ولم يكرهه للذين أرسل إليهم. وفي البخاري وغيره عن علي أن فاطمة رضي الله عنها بلغها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي برقيق، فجاءته تشكو ما تلقى في يدها من الرحى وتسأله خادمًا من ذلك الرقيق الذي أُتي به إليه فلم تجده فذكرت ذلك لعائشة، فلما جاء رسول الله أخبرته، قال علي: فجاءنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أخذنا مضاجعنا فقال: "ألا أدلكما على خير لكما من خادم؟ إذا أويتما إلى فراشكما فكبرا ثلاثًا وثلاثين وسبحا ثلاثًا وثلاثين
(1) صحيح البخاري، "كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها"، الحديث 2613، ص 423.
واحمدا ثلاثًا وثلاثين، فهذا خير لكما من خادم". (1)
أفترى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشح على ابنته بخادم من جملة رقيق أفاءه الله عليه؟ كلا، ولكنه اختار لها الزهد على الترفه، وقد قال لأبي الهيثم في الحديث الذي سأذكره:"إذا أتانا سبي فإننا نعطك خادمًا"، ومن أجل ذلك أيضًا خير رسول الله أزواجه أمهات المؤمنين لما نزلت آية التخيير:{يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (28) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا (29)} [الأحزاب: 28، 29]، وقال لعائشة وكانت الصغرى فيهن قبل أن تختار:"ما عليك أن تستأمري أبويك"، وكذلك كان أبو بكر وعمر.
وأوضح ما يبين ذلك ما روي عن حفصة أم المؤمنين أنها قالت لأبيها عمر بن الخطاب: "لو لبست ثوبًا ألين من ثوبك وأكلت طعامًا أطيب من طعامك فقد وسع الله في الرزق وأكثر من الخير، فقال عمر: يا بنية كيف رأيت عيش رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: والله يقيم الشهر لا يوقد في بيته سراج ولا تغلي له قدر، قال: فكيف رأيت عيش صاحبه؟ (يعني أبا بكر)، قالت مثل ذلك. قال: فما تقولين في ثلاثة أصحاب مضى اثنان على طريقة واحدة وخالفهما الثالث أفيلحق بهما؟ قالت: لا، قال: فأنا ثالثهما ولا أزال على طريقهما حتى ألحق بهما. "فسماها عمر طريقة، وعلم أنها طريقة فاضلة ومرادة لصاحبيه، وأنه إن عدل عنها لم يلحق في الدرجة بصاحبيه.
(1)"عن شعبة قال: حدثني الحكم، عن ابن أبي ليلى: حدثنا علي: أن فاطمة عليها السلام أتت النبي صلى الله عليه وسلم تشكو إليه ما تلقى في يدها من الرحى، وبلغه أنه جاءه رقيق، فلم تصادفه، فذكرت ذلك لعائشة، فلما جاء أخبرته عائشة، قال: فجاءنا وقد أخذنا مضاجعنا، فذهبنا نقوم، فقال: "على مكانكما". فجاء فقعد بيني وبينها حتى وجدت برد قدميه على بطني، فقال: "ألا أدلكما على خير مما سألتما؟ إذا أخذتما مضاجعكما، أو أويتما إلى فراشكما، فسبحا ثلاثًا وثلاثين، واحمدا ثلاثًا وثلاثين، وكبرا أربعًا وثلاثين، فهو خير لكما من خادم"". صحيح البخاري، "كتاب النفقات"، الحديث 5361، ص 958.
وفي حديث الترمذي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر خرجوا إلى منزل أبي الهيثم بن التَّيِّهان الأنصاري وكان رجلًا كثير النخل والشاء ولم يكن له خدم، فلم يجدوه فسألوا عنه امرأته، فقالت ذهب يستعذب لنا الماء، فلم يلبثوا أن جاء أبو الهيثم بقربته فوضعها ثم جاء يلتزم رسول الله صلى الله عليه وسلم ويفديه بأبيه وأمه، ثم انطلق بهم إلى حديقته فبسط لهم سماطًا، ثم انطلق إلى نخلة فجاء بقنو فوضعه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:"أفلا تنقيت لنا من رطبه؟ " قال: إني أردت أن تختاروا من رطبه وبسره، فأكلوا وشربوا فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"والذي نفسي بيده هذا النعيم الذي تسألون يوم القيامة: ظل بارد ورطب طيب وماء بارد"، (1) فأراد تذكيرهم بأن إعراضهم عن ذلك أنفع لهم يوم القيامة وأرفع. وقال لأبي الهيثم:"هل لك خادم؟ " قال: لا، قال:"فإذا أتانا سبي فأتنا"". وفي الحديث قصة. (2)
وأحسب أن ما ألممت به بفتح مشاكي (3) نيرة في التحقق بسر مجاهدة رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه، وقد قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك وقيل له: إن الله غفر له ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال:"أفلا أكون عبدًا شكورًا"، وفيه إيماءٌ إلى أن الشكر وسيلة الزيادة فيما يشكر عليه وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يرقى بكل ذلك درجات عنه الله تعالى.
(1) صحيح البخاري، "كتاب التهجد"، الحديث 1130، ص 181؛ "كتاب التفسير"، الحديمث 4836، ص 856؛ "كتاب الرقاق"، الحديث 6471، ص 1122؛ صحيح مسلم، "كتاب صفة القيامة والجنة والنار"، الحديثان 2819 - 2820، ص 1085؛ سنن الترمذي، "أبواب السهو"، الحديث 412، ص 125.
(2)
سنن الترمذي، "كتاب الزهد"، الحديث 2369، ص 564. والقصة - كما أخرجها الترمذي - هي أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج "في ساعة لا يخرج فيها ولا يلقاه فيها أحد فأتاه أبو بكر فقال ما جاء بك يا أبا بكر؟ فقال خرجت ألقى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنظر في وجهه والتسليم عليه، فلم يلبث أن جاء عمر، فقال: ما جاء بك يا عمر؟ قال: الجوع يا رسول الله، قال: وأنا قد وجدت بعض ذلك، فانطلقوا إلى منزل أبي الهيثم بن التيهان الأنصاري" إلخ.
(3)
جمع مشكاة. - المصنف.