الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فيجعله مَجْعَلَ مال الله، فجعل بذلك رسول الله حياته"، ثم التفت إلى النفر الحاضرين فقال: أنشدكم بالله هل تعلمون ذلك؟ قالوا: نعم"، إلخ. (1)
فلو كان القصد في عيش رسول الله عن خصاصة أو حاجة، لكان قد عاش أربم سنين من بقية عمره في سعة ورفاهية عيش؛ إذ ما كان يعوزه من ذلك شيء، وقد رأيت أن عمر بن الخطاب قال:"فكان رسولُ الله ينفق على أهله من هذا المال نفقة سنته"، فسمى ذلك التمر والشعير نفقة رسول الله لسنته؛ لأن ذلك عيشه المعروف.
توجع بعض السلف عند ذكر ذلك:
أما توجع بعضِ السلف لذلك وكمده عند ذكراه، فهو واردٌ على أنحاء. منها أن بعضهم قد ينفعل بمشاهدة حالة اعتادت النفوسُ أن تتأثر لمثلها، فيسبق من نفسه ذلك الانفعال المعتاد إذ يريد التحقق في معرفة حكمته ثم يزول ذلك بالتذكير أو بالتذكر، ويكون ذلك سببًا لإدراكه حقيقة الكمال بإرشاد الرسول أو بتفطن نفوسهم للغاية السامية ما يزيد نفوسهم ارتقاءً في المعارف. ونحو هذا ما ورد في الصحيح عن عمر بن الخطاب في حديث الإيلاء وكيف دخل عمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم والرسول في مشربة وهو مضطجع على سرير مرمل قد أثر رُمال السرير (2) في جنبه، قال عمر: فقلت يا رسول الله ادع الله فليوسع على أمتك فإن فارس والروم وسع عليهم وأُعطوا الدنيا وهم لا يعبدون الله، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أوَفِي شك أنت يا ابن الخطاب؟ أولئك قوم قد عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا"". (3)
(1) انظر تمام الحديث في: صحيح البخاري، "كتاب فرض الخمس"، الحديث 3094، ص 512؛ صحيح مسلم، "كتاب الجهاد والسير"، الحديث 1757/ 49، ص 697.
(2)
المرمل: المنسوج من السعف بزينة لعل بعض نسجه كان ناتئًا على بعض، والرمال - بضم الراء - ما رمل، أي نسج على ترميل.
(3)
صحيح البخاري، "كتاب المظالم"، الحديث 2468، ص 398 - 399؛ صحيح مسلم، "كتاب الطلاق"، الحديث 1479/ 34، ص 565 - 566؛ سنن الترمذي، "كتاب تفسير القرآن"، الحديث 3318، ص 764 - 766.
ومن تلك الأنحاء ما هو تذكر للحالة التي فارق عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم الدنيا، وخشيتهم أن يكون تغير حالهم إلى الرفاهية يبعد بهم عن مقامات الكمال التي ألفوها من أفضل الناس. ومن هذا النحو حديث عبد الرحمن بن عوف وحديث عائشة اللذين تقدما في طالع هذه المحاضرة.
ومن تلك الأنحاء نحو قصد بأهله تذكير المسلمين بنعمة الله ببسط الرزق لهم، إذ كانت مراتبهم في التعلق بالدنيا لم تبلغ مراتب أصحاب رسول الله بله رسول الله نفسه صلى الله عليه وسلم، أو قصدوا به موعظة أنفسهم، أو تذكر نعم الله عليهم. ومن هذا النحو حديث النعمان بن بشير المتقدم:"ألستم في طعام وشراب ما شئتم، لقد رأيت نبيكم وما يجد من الدقل ما يملأ بطنه". (1)
ومنه حديث أبي هريرة أنه تمخط في ثوب ممشق من كتان ثم قال: "بخ بخ، يتمخط أبو هريرة في الكتان، لقد رأيتني وإني لأخر فيما منبر رسول الله وحجرة عائشة فيجيء الجائي فيضع رجله على عنقي يرى أن بي جنونًا وما بي جنون وما هو إلا الجوع". (2)
وربما عرضت لبعض الناس حين المرور على هذه الآثار من السيرة النبوية انفعالات شفقة، فذلك ناشئ عن قلة تدبر في حال زهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن اشتباه لهم في مراقي روحه الزكية في معارج الكمال والإعراض عن الحظوظ العاجلة، فيخالونها حرمانًا أو نحوه تخيلًا مثله لهم ما ألفوه في إحساس عامة الناس من
(1) صحيح مسلم، "كتاب الزهد والرقائق"، الحديث 2977، ص 1138؛ سنن الترمذي، "كتاب الزهد"، الحديث 2373، ص 565.
(2)
عن محمد بن سيرين قال: "كنا عند أبي هريرة وعليه ثوبان ممشقان من كتان فمخط في أحدهما ثم قال بخ بخ يتمخط أبو هريرة في الكتان، لقد، رأيتني وإني لأخر فيما بين منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وحجرة عائشة من الجوع مغشيًا علي فيجيئ الجائي فيضع رجله على عنقي يرى أن بي الجنون وما بي جنون وما هو إلا الجوع". قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح غريب". سنن الترمذي، "كتاب الزهد"، الحديث 2367، ص 564.