الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قراءة القرآن في محطة الإذاعة
(1)
السؤال:
" ما قولكم - حفظكم الله - في حكم إذاعة القرآن الحكيم بواسطة المذياع المعبّر عنه بالراديو الذي تكاثر أخيرًا بالبيوت، ومحلات التجارة، والمقاهي، وديار البغاء والحانات بصورة لا تمرّ بشارع إلا وتسمع من هاته الأماكن بواسطة هذا المذياع كلام الرحيم الرحمن الذي لو أُنزل على جبل لرأيته خاشعًا متصدِّعًا من خشية الله، وفي الغالب أنّ هاته الآلة تعبث بالقرآن الكريم، وتقطّع حروفه بسبب تغيير أمواج المحطة، خصوصًا عند مزاحمة محطة إذاعة بروكسل لمحطة القاهرة؟
وما قولكم - أبقاكم الله - في حكم التالي لكتاب الله تعالى في محطة الإذاعة المتعمِّدة إذاعة القرآن بسائر أماكن اللهو والفساد، لأنّ التالي لكلام الله بمحطة الإذاعة ليس قصده التدبُّر في آياته، وليس غرضه من إذاعته نشر الدين كما يزعم بعضهم، بل القصد سماع صوت التالي بنغماته وألحانه، لأنّ أرباب محطات الإذاعة لا يختارون لإذاعة القرآن الكريم، الذي هو قول فصل وما هو بالهزل، إلا صاحب الصوت الرخيم؟ وإن قيل بجواز ذلك فما حكم استماع القرآن من المذياع الذي يظهر أنه منافٍ لما هو مطلوب بقوله تعالى:{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2)} [الأنفال: 2]، مع أنّ
(1) الهداية الإسلامية، المجلد 9، الجزء 12، رجب 1355 هـ (ص 12 - 20). وقد كان السؤال في المسألة نشر في جريدة الزهرة بتونس (العدد 8780، ربيع الثاني 1355/ 1933، ص 4)، ونشر الجواب عنه في الجريدة نفسها (العدد 8796، ربيع الثاني 1355/ 1933).
جُلَساء المقاهي والحوانيت غالبهم ممن لا يشتغل إلا بأحجار الطاولة والدومينو والكارطة [الورق] ولهو الحديث، مع أنّ الله يقول:{وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (204)} [الأعراف: 204]، وبعضهم يشتغل بشرب الدخان عند تلاوة القرآن الكريم بالمذياع. وقد ذكر الشيخ الأمير (1) في مجموعه في باب الجمعة أنه يحرم تعاطي ما له رائحة كريهة في المسجد والمحافل، وعند قراءة القرآن الكريم يشتدّ التحريم لما في ذلك من عدم التعظيم لكتاب الله.
ورأيت بعدد 16 من مجلة "هدى الإسلام" من سنتها الثانية أنّ وزارة الأوقاف أصدرت أوامرَها لرجال البوليس بالتنبيه على أصحاب محطات الإذاعة بمصر بعدم إذاعة القرآن الكريم في محطاتها منعًا لقراءته في الأماكن التي لا يليق بكرامة القرآن إذاعته فيها. ونشر هذا الأمر في بعض جرائد القاهرة التي صدرت في 30 يوليو سنة 1933. وفي العدد المذكور صرح بحرمة قراءة القرآن في الراديو الأستاذ علي فكري الأمين الأول لدار الكتب المصرية. كما رأيت بالمجلة نفسها فتوى من الشيخ محمد سليمان مخيمر من علماء مصر قال فيها: إنّ قراءة القرآن بالراديو من أكبر الكبائر.
ونشرت مجلة "الهداية الإسلامية" مسامَرة في الموضوع للعلّامة المرحوم الشيخ محمد بخيت المطيعي مفتي الديار المصرية سابقًا، أثبت فيها أنّ المسموع بواسطة الراديو هو قرآن حقيقة، وقال: إنّه يجوز في الأماكن غير الممتهنة، ويمنع فيها بالاختصار. وهنا ربما يقال: إنّ التحرُّز من المكان الممتهن غير ممكن ضرورة أنّ لكل مشترك أن يستمع ما بالراديو، ولا شكّ أنّ غالبهم من أصحاب المحلات الممتهنة، فهل يقال حينئذٍ بالمنع مطلقًا سدًّا للذريعة التي هي من قواعد المذهب؟
(1) هو أبو عبد الله محمد بن محمد الشهير بالأمير، من فقهاء المذهب المالكي في مصر، عالم مدقق وفقيه محقق، له تصانيف كثيرة. توفِّي سنة 1232/ 1816.