الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(إلَّا أَنْ يُنَقِّيَ) أَيْ يُزِيلَ عَنْ جَسَدِهِ (الْوَسَخَ) بِدَلْكٍ وَنَحْوِهِ فَالْفِدْيَةُ.
ثُمَّ بَيَّنَ
ضَابِطَ مَا فِيهِ الْفِدْيَةُ
فَقَالَ: (وَالْفِدْيَةُ) وَأَنْوَاعُهَا ثَلَاثَةٌ عَلَى التَّخْيِيرِ كَمَا يَأْتِي؛ بَيْنَهَا جَلَّ وَعَلَا بِقَوْلِهِ: {مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} [البقرة: 196] كَائِنَةٌ وَمُنْحَصِرَةٌ (فِيمَا) : أَيْ فِي كُلِّ شَيْءٍ (يُتَرَفَّهُ) : أَيْ يُتَنَعَّمُ (بِهِ) .
(أَوْ) فِيمَا (يُزَالُ بِهِ) عَنْ النَّفْسِ (أَذًى) : أَيْ ضَرُورَةً (مِمَّا حَرُمَ) عَلَى الْمُحْرِمِ (لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ كَحِنَّاءٍ وَكُحْلٍ) فَيَحْرُمَانِ عَلَى الْمُحْرِمِ إلَّا لِضَرُورَةٍ، وَقَدْ يَتَرَفَّهُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا أَوْ يُزَالُ بِهِمَا ضَرَرٌ، (وَ) كَجَمِيعِ (مَا مَرَّ) ذَكَرَهُ مِنْ أَوَّلِ الْفَصْلِ إلَى هُنَا مِنْ سَتْرِ الْمَرْأَةِ وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا بِمُحِيطٍ إلَخْ.
(إلَّا فِي تَقْلِيدِ سَيْفٍ، أَوْ) مَسِّ (طِيبٍ) مُؤَنَّثٍ (ذَهَبَ رِيحُهُ) : فَلَا فِدْيَةَ فِيهِمَا، (وَإِنْ حَرُمَ) كُلٌّ مِنْهُمَا لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَذْهَبْ رِيحُهُ فَفِيهِ الْفِدْيَةُ كَمَا تَقَدَّمَ.
ثُمَّ الْأَصْلُ
تَعَدُّدُ الْفِدْيَةِ بِتَعَدُّدِ مُوجِبِهَا
إلَّا فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ أَشَارَ لِأَوَّلِهَا بِقَوْلِ:
(وَاتَّحَدَتْ) الْفِدْيَةُ (إنْ تَعَدَّدَ مُوجِبُهَا) بِكَسْرِ الْجِيمِ، أَيْ سَبَبُهَا (بِفَوْرٍ) : كَأَنْ يَمَسَّ الطِّيبَ، وَيَلْبَسَ ثَوْبَهُ وَيُقَلِّمَ أَظْفَارَهُ وَيَحْلِقَ رَأْسَهُ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ بِلَا تَرَاخٍ
ــ
[حاشية الصاوي]
[ضَابِط مَا فِيهِ الْفِدْيَة]
قَوْلُهُ: [عَلَى التَّخْيِيرِ] : أَيْ كَمَا تَقَدَّمَ فِي نَظْمِ الْأُجْهُورِيِّ فِي قَوْلِهِ: كَمَا خَيَّرُوا فِي الصَّوْمِ وَالصَّيْدِ وَالْأَذَى فَأَوْ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ لِلتَّخْيِيرِ.
قَوْلُهُ: [كَائِنَةٌ وَمُنْحَصِرَةٌ] : أَيْ مِنْ حَصْرِ الْمُسَبِّبِ فِي السَّبَبِ.
قَوْلُهُ: [وَقَدْ يَتَرَفَّهُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا] : أَيْ كَفِعْلِهِمَا لِلزِّينَةِ، وَقَوْلُهُ: أَوْ يُزَالُ بِهِمَا ضَرَرٌ أَيْ كَالتَّدَاوِي بِكُلٍّ.
[تعدد الْفِدْيَة بِتَعَدُّد مُوجِبهَا]
قَوْلُهُ: [إلَّا فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ] : أَيْ فَإِنَّ الْفِدْيَةَ فِيهَا تَتَّحِدُ وَإِنْ تَعَدَّدَ مُوجِبُهَا.
قَوْلُهُ: [بِلَا تَرَاخٍ] : أَيْ فَالْمُرَادُ بِالْفَوْرِ حَقِيقَتُهُ وَهَذَا مَا يُفِيدُهُ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ، وَأَقَرَّهُ ابْنُ عَرَفَةَ خِلَافًا لِمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ ابْنِ الْحَاجِبِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ التَّتَّائِيُّ مِنْ أَنَّ
فَعَلَيْهِ فِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ لِلْجَمِيعِ. وَمِنْ ذَلِكَ مَا يَفْعَلُهُ مَنْ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى إدَامَةِ التَّجَرُّدِ فَيَنْوِي الْحَجَّ أَوْ الْعُمْرَةَ، ثُمَّ يَلْبَسُ قُمْصَانَهُ وَعِمَامَتَهُ وَسَرَاوِيلَهُ بِفَوْرٍ، فَإِنْ تَرَاخَى تَعَدَّدَتْ.
وَأَشَارَ لِثَانِيهَا بِقَوْلِ: (أَوْ) تَرَاخَى مَا بَيْنَ الْمُوجِبَاتِ، لَكِنْ (نَوَى) عِنْدَ فِعْلِ الْأَوَّلِ (التَّكْرَارَ) : كَأَنْ يَنْوِيَ فِعْلَ كُلَّ مَا احْتَاجَ لَهُ مِنْ مُوجِبَاتِ الْكَفَّارَةِ، أَوْ مُتَعَدِّدًا مُعَيَّنًا فَفَعَلَ فِي الْكُلِّ أَوْ الْبَعْضِ فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ.
وَلِثَالِثِهَا بِقَوْلِ: (أَوْ) لَمْ يَنْوِ التَّكْرَارَ، وَلَكِنْ (قَدَّمَ) فِي الْفِعْلِ (مَا نَفْعُهُ أَعَمُّ؛ كَثَوْبٍ) قَدَّمَهُ فِي اللُّبْسِ (عَلَى سَرَاوِيلَ) ، أَوْ غِلَالَةٍ أَوْ حِزَامٍ فَتَتَّحِدُ؛ بِخِلَافِ الْعَكْسِ. وَهَذَا (مَا لَمْ يُخْرِجْ لِلْأَوَّلِ) كَفَّارَتَهُ (قَبْلَ) فِعْلِ (الثَّانِي) وَإِلَّا أَخْرَجَ لِلثَّانِي أَيْضًا.
وَأَشَارَ لِلرَّابِعِ بِقَوْلِ: (أَوْ ظَنَّ) الَّذِي ارْتَكَبَ مُوجِبَاتٍ مُتَعَدِّدَةً (الْإِبَاحَةَ)
ــ
[حاشية الصاوي]
الْيَوْمَ فَوْرٌ وَأَنَّ التَّرَاخِيَ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ لَا أَقَلُّ.
قَوْلُهُ: [فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ] : أَيْ لَوْ اخْتَلَفَ الْمُوجِبُ كَاللُّبْسِ مَعَ الطِّيبِ وَالتَّدَاوِي لِقُرُوحٍ مَثَلًا، وَنِيَّةُ التَّكْرَارِ تَصْدُقُ بِثَلَاثِ صُوَرٍ: أَنْ يَنْوِيَ فِعْلَ كُلِّ مَا أَوْجَبَ الْفِدْيَةَ فَيَفْعَلُ الْجَمِيعَ أَوْ بَعْضًا مِنْهُ، أَوْ يَنْوِيَ فِعْلَ كُلِّ مَا احْتَاجَ إلَيْهِ مِنْهَا، أَوْ يَنْوِيَ مُتَعَدِّدًا مُعَيَّنًا فَفِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ.
قَوْلُهُ: [مَا نَفْعُهُ أَعَمُّ] : أَيْ إلَّا أَنْ يَكُونَ لِلْخَاصِّ الَّذِي أَخَّرَهُ زِيَادَةُ نَفْعٍ عَلَى الْعَامِّ كَمَا إذَا أَطَالَ السَّرَاوِيلَ طُولًا لَهُ بَالٌ يَحْصُلُ بِهِ انْتِفَاعٌ أَوْ دَفْعُ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ فَتَتَعَدَّدُ.
قَوْلُهُ: [أَوْ غِلَالَةٍ] : وَالْمُرَادُ بِهِ الصَّدِيرِيّ الْمَعْلُومُ قَالَ الشَّاعِرُ:
لَا تَعْجَبُوا مِنْ بَلْيِ غِلَالَتِهِ
…
قَدْ زَرَّرَ أَزْرَارَهُ عَلَى الْقَمَرِ
قَوْلُهُ: [هَذَا مَا لَمْ يَخْرُجْ لِلْأَوَّلِ] إلَخْ: هَذَا التَّقْيِيدُ رَاجِحٌ لِمَا إذَا نَوَى لِلتَّكْرَارِ، وَتَرَاخَى مَا بَيْنَ الْفِعْلَيْنِ كَمَا قَيَّدَ بِهِ فِي الْأَصْلِ، وَقَيَّدَ بِهِ فِي الْمَجْمُوعِ أَيْضًا وَلَا يَظْهَرُ بِالنِّسْبَةِ لِتَقْدِيمِ الْأَعَمِّ عَلَى الْأَخَصِّ، فَإِنَّ الْأَخَصَّ لَا شَيْءَ فِيهِ مُطْلَقًا فَالْمُنَاسِبُ لِلْمُصَنِّفِ تَقْدِيمُهُ عَلَيْهِ.
لَهَا أَيْ ظَنَّ أَنَّهُ يُبَاحُ لَهُ فِعْلُهَا فَفَعَلَهَا، لَكِنْ لَا مُطْلَقًا - كَمَا يَتَبَادَرُ مِنْ كَلَامِ الشَّيْخِ - بَلْ (بِظَنِّ) : أَيْ بِسَبَبِ ظَنِّ (خُرُوجِهِ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْإِحْرَامِ؛ كَمَنْ طَافَ لِلْإِفَاضَةِ أَوْ لِلْعُمْرَةِ بِلَا وُضُوءٍ مُعْتَقِدًا أَنَّهُ مُتَوَضِّئٌ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ حَجِّهِ أَوْ عُمْرَتِهِ بِالسَّعْيِ بَعْدَهُمَا فِي اعْتِقَادِهِ فِعْلَ مُوجِبَاتِ الْكَفَّارَةِ، ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ فَسَادَهُمَا وَأَنَّهُ بَاقٍ عَلَى إحْرَامِهِ؛ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ. وَكَذَا مَنْ رَفَضَ حَجَّهُ أَوْ عُمْرَتَهُ أَوْ أَفْسَدَهُمَا بِوَطْءٍ فَظَنَّ خُرُوجَهُ مِنْهُ وَأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ إتْمَامُ الْمُفْسَدِ أَوْ الْمَرْفُوضِ فَارْتَكَبَ مُوجِبَاتٍ مُتَعَدِّدَةً، فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا كَفَّارَةٌ فَقَطْ. وَأَمَّا مُحْرِمٌ جَاهِلٌ ظَنَّ إبَاحَةَ أَشْيَاءَ تَحْرُمُ بِالْإِحْرَامِ فَفَعَلَهَا - إلَّا فِي فَوْرٍ - فَعَلَيْهِ لِكُلٍّ فِدْيَةٌ وَلَا يَنْفَعُهُ جَهْلُهُ. وَكَذَا مَنْ عَلِمَ الْحُرْمَةَ وَظَنَّ أَنَّ الْمُوجِبَاتِ تَتَدَاخَلُ وَأَنْ لَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا فِدْيَةٌ فَقَطْ لِمُوجِبَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ لَمْ يَنْفَعْهُ ظَنُّهُ.
(وَشَرْطُهَا) : أَيْ الْكَفَّارَةِ - أَيْ شَرْطُ وُجُوبِهَا - (فِي اللُّبْسِ) لِثَوْبٍ أَوْ خُفٍّ أَوْ غَيْرِهِمَا:
ــ
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [كَمَا يَتَبَادَرُ مِنْ كَلَامِ الشَّيْخِ] : أَيْ فَيَتَبَادَرُ مِنْ كَلَامِ الشَّيْخِ خَلِيلٍ أَنَّ ظَنَّ الْإِبَاحَةِ نَافِعٌ فِي جَمِيعِ الْمَسَائِلِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ مَفْرُوضٌ فِيمَا مَثَّلَ بِهِ شَارِحُنَا.
قَوْلُهُ: [فِعْلَ مُوجِبَاتِ الْكَفَّارَةِ] : أَيْ الْفِدْيَةِ أَيْ فِعْلِ أُمُورٍ مُتَعَدِّدَةٍ كُلٍّ مِنْهَا يُوجِبُ الْفِدْيَةَ بِنَفْسِهِ، كَلُبْسِ مُحِيطٍ وَدَهْنٍ بِمُطَيَّبٍ، وَتَقْلِيمِ أَظْفَارٍ وَحَلْقِ شَعْرٍ كَثِيرٍ لَكِنْ اُعْتُرِضَ تَمْثِيلُهُ بِطَوَافِ الْإِفَاضَةِ، فَإِنَّهُ فِي فَسَادِ الْإِفَاضَةِ يَرْجِعُ حَلَالًا يَفْعَلُ كُلَّ مَا يَفْعَلُهُ الْحَلَالُ إلَّا النِّسَاءَ وَالصَّيْدَ، فَإِذَا فَعَلَ غَيْرَهُمَا فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ اتَّحَدَ أَوْ تَعَدَّدَ. وَأُجِيبُ بِحَمْلِ كَلَامِ الشَّارِحِ عَلَى مَا إذَا خَالَفَ الْوَاجِبَ وَطَافَ لِلْإِفَاضَةِ قَبْلَ الرَّمْيِ، وَكَانَ طَوَافُهُ بِغَيْرِ وُضُوءٍ مُعْتَقِدًا الطَّهَارَةَ، ثُمَّ بَعْدَ تَحَلُّلِهِ فَعَلَ أُمُورًا كُلٌّ مِنْهَا يُوجِبُ الْفِدْيَةِ.
قَوْلُ: [فَارْتَكَبَ مُوجِبَاتِ] إلَخْ: أَيْ ظَانًّا إبَاحَةَ فِعْلِهَا، أَوْ مُعْتَقِدًا ذَلِكَ. وَأَمَّا الشَّكُّ فِي الْإِبَاحَةِ فَلَا يَنْفِي التَّعَدُّدَ، وَيَتَأَتَّى لَهُ الشَّكُّ فِي غَيْرِ مَسْأَلَةِ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ بِغَيْرِ وُضُوءٍ، وَأَمَّا هُوَ فَلَا يَتَأَتَّى لَهُ شَكٌّ فِي الْإِبَاحَةِ بَلْ يَعْتَقِدُهَا أَوْ يَظُنُّهَا.