الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ
وَاجِبَاتِ الْإِحْرَامِ
وَسُنَنِهِ وَمَنْدُوبَاتِهِ فَقَالَ:
(وَوَجَبَ) بِالْإِحْرَامِ (تَجَرُّدُ ذَكَرٍ مِنْ مُخَيَّطٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الذَّكَرُ مُكَلَّفًا أَمْ لَا. وَالْخِطَابُ يَتَعَلَّقُ بِوَلِيِّ الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُخَيَّطُ بِخِيَاطَةٍ كَالْقَمِيصِ وَالسَّرَاوِيلِ أَمْ لَا كَنَسْجٍ أَوْ صِبَاغَةٍ، أَوْ بِنَفْسِهِ كَجِلْدٍ سُلِخَ بِلَا شَقٍّ. وَمَفْهُومُ " ذَكَرٍ " أَنَّ الْأُنْثَى لَا يَجِبُ عَلَيْهَا التَّجَرُّدُ وَهُوَ كَذَلِكَ، إلَّا فِي نَحْوِ أَسَاوِرَ وَسَتَأْتِي الْمَسْأَلَةُ مُفَصَّلَةٌ إنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى فِي فَصْلِ مُحَرَّمَاتِ الْإِحْرَامِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْوَاجِبَ - فِي بَابِ الْحَجِّ - غَيْرُ الْفَرْضِ؛ إذْ الْفَرْضُ هُنَا هُوَ الرُّكْنُ وَهُوَ: مَا لَا تَحْصُلُ حَقِيقَةُ الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ إلَّا بِهِ، وَالْوَاجِبُ: مَا يَحْرُمُ تَرْكُهُ اخْتِيَارًا لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ، وَلَا يَفْسُدُ النُّسْكُ: بِتَرْكِهِ وَيَنْجَبِرُ بِالدَّمِ.
(وَ) وَجَبَ عَلَى الْمُحْرِمِ الْمُكَلَّفِ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى: (تَلْبِيَةٌ) .
ــ
[حاشية الصاوي]
[وَاجِبَات الْإِحْرَام]
قَوْلُهُ: [وَوَجَبَ بِالْإِحْرَامِ تَجَرُّدُ ذَكَرٍ] : ذَكَرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ هُنَا رَدًّا عَلَى الْقَائِلِ بِأَنَّ التَّجَرُّدَ مِمَّا تَتَوَقَّفُ صِحَّةُ الْإِحْرَامِ عَلَيْهِ، فَبَيَّنَ أَنَّهُ وَاجِبٌ غَيْرُ شَرْطٍ كَالتَّلْبِيَةِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
قَوْلُهُ: [مُكَلَّفًا أَمْ لَا] : لَكِنْ مَحَلُّ تَعَلُّقِ الْخِطَابِ بِتَجَرُّدِ الصَّغِيرِ إنْ كَانَ مُطِيقًا لِذَلِكَ، وَإِلَّا فَلَا يُؤْمَرُ وَلِيُّهُ بِتَجْرِيدِهِ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ فَيُحْرِمُ الْوَلِيُّ عَنْ كَرَضِيعٍ وَمُطِيقٍ وَجُرِّدَا قُرْبَ الْحَرَمِ.
قَوْلُهُ: [وَاعْلَمْ أَنَّ الْوَاجِبَ] إلَخْ: هَذَا اصْطِلَاحٌ لِلْفُقَهَاءِ مَخْصُوصٌ بِبَابِ الْحَجِّ، وَأَمَّا فِي غَيْرِهِ فَالْوَاجِبُ وَالْفَرْضُ شَيْءٌ وَاحِدٌ وَلَا مُشَاحَّةَ فِي الِاصْطِلَاحِ.
قَوْلُهُ: [وَوَجَبَ عَلَى الْمُحْرِمِ الْمُكَلَّفِ] : أَيْ بِخِلَافِ الصَّبِيِّ فَلَا يُطَالَبُ بِهَا وَلِيُّهُ إنْ عَجَزَ عَنْهَا، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إنْ قَدَرَ عَلَيْهَا الصَّبِيُّ لَا يَجِبُ عَلَى وَلِيِّهِ أَمْرُهُ بِهَا، وَلَا يَكُونُ فِي تَرْكِهَا دَمٌ، مَعَ أَنَّ الْأَصِيلِيَّ. قَالَ عِنْدَ قَوْلِ خَلِيلٍ:" وَأَمْرُهُ مَقْدُورُهُ " أَيْ وُجُوبًا، لِأَنَّهُ كَأَرْكَانِ النَّافِلَةِ تَتَوَقَّفُ صِحَّةُ الْعِبَادَةِ عَلَيْهِ، فَعَلَى هَذَا لَوْ تَرَكَ الصَّبِيُّ التَّلْبِيَةَ مَعَ الْقُدْرَةِ يَكُونُ عَلَيْهِ الدَّمُ، فَلَا يَظْهَرُ تَقْيِيدُهُ بِالْمُكَلَّفِ فَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يُعَمَّمَ هُنَا كَمَا عُمِّمَ فِي التَّجَرُّدِ.
(وَ) وَجَبَ (وَصْلُهَا بِهِ) : أَيْ بِالْإِحْرَامِ، فَمَنْ تَرَكَهَا رَأْسًا أَوْ فَصَلَ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ بِفَصْلٍ طَوِيلٍ فَعَلَيْهِ دَمٌ. وَبَقِيَ مِنْ الْوَاجِبَاتِ كَشْفُ الرَّأْسِ لِلذَّكَرِ.
(وَسُنَّ) لِلْإِحْرَامِ (غُسْلٌ مُتَّصِلٌ) بِهِ مُتَقَدِّمٌ عَلَيْهِ كَالْجُمُعَةِ. فَإِنْ تَأَخَّرَ إحْرَامُهُ كَثِيرًا أَعَادَ، وَلَا يَضُرُّ فَصْلٌ بِشَدِّ رِحَالِهِ، وَإِصْلَاحِ حَالٍ. (وَ) سُنَّ (لُبْسُ إزَارٍ) بِوَسَطِهِ، (وَرِدَاءٍ) عَلَى كَتِفَيْهِ، (وَنَعْلَيْنِ) فِي رِجْلَيْهِ كَنِعَالِ التَّكْرُورِ، وَغَالِبِ أَهْلِ الْحِجَازِ أَيْ إنَّ السُّنَّةَ مَجْمُوعُ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ، فَلَا يُنَافِي أَنَّ التَّجَرُّدَ مِنْ الْمُخَيَّطِ وَاجِبٌ، فَلَوْ الْتَحَفَ بِرِدَاءٍ أَوْ كِسَاءٍ أَجْزَأَ وَخَالَفَ السُّنَّةَ. (وَ) سُنَّ (رَكْعَتَانِ) بَعْدَ الْغُسْلِ وَقَبْلَ الْإِحْرَامِ، (وَأَجْزَأَ) عَنْهُمَا (الْفَرْضُ) وَحَصَلَ بِهِ السُّنَّةُ، وَفَاتَهُ الْأَفْضَلُ.
ــ
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [أَوْ فَصَلَ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ بِفَصْلٍ طَوِيلٍ] : أَيْ وَأَمَّا اتِّصَالُهَا بِالْإِحْرَامِ حَقِيقَةً فَسُنَّةٌ لَا شَيْءَ فِي تَرْكِهَا، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ عَطْفُ خَلِيلٍ لَهَا عَلَى السُّنَنِ.
قَوْلُهُ: [مُتَّصِلٌ بِهِ] : وَاخْتُلِفَ هَلْ هَذَا الِاتِّصَالُ مِنْ تَمَامِ السُّنَّةِ؟ فَإِذَا اغْتَسَلَ غَدْوَةَ وَأَخَّرَ الْإِحْرَامَ لِلظُّهْرِ لَمْ يُجْزِهِ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِكَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ، وَقَالَ الْبِسَاطِيُّ: الِاتِّصَالُ سُنَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، فَلَوْ تَرَكَهُ أَتَى بِسُنَّةِ الْغُسْلِ وَفَاتَتْهُ سُنَّةُ الِاتِّصَالِ.
قَوْلُهُ: [أَعَادَهُ] : أَيْ عَلَى قَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ طَلَبِ الِاتِّصَالِ مَنْ كَانَ بِالْمَدِينَةِ وَيُرِيدُ الْإِحْرَامَ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، فَإِنَّهُ يُنْدَبُ لَهُ الْغُسْلُ بِالْمَدِينَةِ، وَيَأْتِي لَابِسًا لِثِيَابِهِ، فَإِذَا وَصَلَ لِذِي الْحُلَيْفَةِ تَجَرَّدَ وَأَحْرَمَ. وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ خَلِيلٍ:" وَنُدِبَ بِالْمَدِينَةِ لِلْحُلَيْفَى ".
قَوْلُهُ: [وَسُنَّ رَكْعَتَانِ] : أَيْ فَأَكْثَرُ وَلَيْسَ الْمُرَادُ ظَاهِرَهُ مِنْ أَنَّ السُّنَّةَ رَكْعَتَانِ فَقَطْ، بَلْ بَيَانٌ لِأَقَلَّ مَا تَحْصُلُ بِهِ السُّنَّةُ. ثُمَّ مَحَلُّ سُنِّيَّتِهِمَا إنْ كَانَ وَقْتَ جَوَازٍ وَإِلَّا انْتَظَرَهُ بِالْإِحْرَامِ مَا لَمْ يَكُنْ مُرَاهِقًا، وَإِلَّا أَحْرَمَ وَتَرَكَهُمَا، كَمَا أَنَّ الْمَعْذُورَ مِثْلَ الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ يَتْرُكُهُمَا.
قَوْلُهُ: [وَحَصَلَ بِهِ السُّنَّةُ] : الْحَاصِلُ أَنَّ السُّنَّةَ تَحْصُلُ بِإِيقَاعِ الْإِحْرَامِ عَقِبَ
وَلَا دَمَ فِي تَرْكِ السُّنَنِ، وَبِخِلَافِ الْوَاجِبِ، فَإِذَا اغْتَسَلَ وَلَبِسَ مَا ذُكِرَ وَصَلَّى.
(يُحْرِمُ الرَّاكِبُ) نَدْبًا (إذَا اسْتَوَى) عَلَى ظَهْرِ دَابَّتِهِ. (وَ) يُحْرِمُ (الْمَاشِي إذَا مَشَى) أَيْ شَرَعَ فِيهِ.
(وَنُدِبَ) لِلْمُحْرِمِ (إزَالَةُ شَعَثِهِ) قَبْلَ الْغُسْلِ؛ بِأَنْ يَقُصَّ أَظْفَارَهُ وَشَارِبَهُ وَيَحْلِقَ عَانَتَهُ؛ وَيَنْتِفَ شَعْرَ إبِطِهِ، وَيُرَجِّلَ شَعْرَ رَأْسِهِ أَوْ يَحْلِقَهُ إذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الْحِلَاقِ لِيَسْتَرِيحَ بِذَلِكَ مِنْ ضَرَرِهَا وَهُوَ مُحْرِمٌ.
(وَ) نُدِبَ (الِاقْتِصَارُ عَلَى تَلْبِيَةِ الرَّسُولِ عليه الصلاة والسلام) وَهِيَ: " لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَك لَبَّيْكَ
ــ
[حاشية الصاوي]
صَلَاةٍ وَلَوْ فَرْضًا، لَكِنْ إنْ كَانَتْ نَفْلًا فَقَدْ أَتَى بِسُنَّةٍ وَمَنْدُوبٍ، وَإِنْ فَعَلَهُ بَعْدَ فَرْضٍ فَقَدْ أَتَى بِسُنَّةٍ فَقَطْ. وَانْظُرْ هَلْ أَرَادَ بِالْفَرْضِ خُصُوصَ الْعَيْنِيِّ؟ أَوْ وَلَوْ جِنَازَةً وَهُوَ مَنْذُورُ النَّوَافِلِ، كَالْفَرْضِ الْأَصْلِيِّ أَمْ لَا؟ وَبَقِيَ مِنْ سُنَنِ الْإِحْرَامِ الْإِشْعَارُ وَالتَّقْلِيدُ لِلْهَدْيِ إنْ كَانَ مَعَهُ، وَيَكُونَانِ بَعْدَ الرُّكُوعِ.
قَوْلُهُ: [وَصَلَّى] : أَيْ وَأَشْعَرَ وَقَلَّدَ إنْ كَانَ مَعَهُ مَا يُشْعَرُ أَوْ يُقَلَّدُ.
قَوْلُهُ: [إذَا اسْتَوَى عَلَى ظَهْرِ دَابَّتِهِ] : أَيْ وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى مَشْيِهَا وَإِحْرَامُ الرَّاكِبِ إذَا اسْتَوَى، وَالْمَاشِي إذَا مَشَى عَلَى جِهَةِ الْأَوْلَوِيَّةِ، فَلَوْ أَحْرَمَ الرَّاكِبُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوِيَ عَلَى دَابَّتِهِ، وَالْمَاشِي قَبْلَ مَشْيِهِ كَفَاهُ ذَلِكَ مَعَ الْكَرَاهَةِ.
قَوْلُهُ: [وَيُرَجِّلُ شَعْرَ رَأْسِهِ] إلَخْ: هَذَا خِلَافُ مَا قَالَهُ الْخَرَشِيُّ وَالْمَجْمُوعُ، فَإِنَّ الْخَرَشِيَّ قَالَ فِي حِلِّ قَوْلِ خَلِيلٍ " وَإِزَالَةُ شَعَثِهِ ": أَيْ مَا عَدَا الرَّأْسَ، فَإِنَّ الْأَفْضَلَ بَقَاءُ شَعَثِهِ فِي الْحَجِّ - ابْنُ بَشِيرٍ - وَيُلَبِّدُهُ بِصَمْغٍ أَوْ غَاسُولٍ لِيَلْتَصِقَ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، وَيَقِلُّ دَوَابَّهُ (اهـ) . قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ: قَدْ وَرَدَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَبَّدَ رَأْسَهُ بِالْعَسَلِ كَمَا فِي أَبِي دَاوُد، قَالَ فِي الْقَامُوسِ: الْعَسَلُ بِمُهْمَلَتَيْنِ صَمْغُ الْعُرْفُطِ بِالضَّمِّ: شَجَرُ الْعِضَاهِ.
قَوْلُهُ: [وَهِيَ لَبَّيْكَ] : مَعْنَاهُ إجَابَةٌ بَعْدَ إجَابَةٍ، أَيْ أَجَبْتُك الْآنَ كَمَا أَجَبْتُك
إنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَك وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَك. (وَ) نُدِبَ (تَجْدِيدُهَا لِتَغَيُّرِ حَالٍ) : كَقِيَامٍ وَقُعُودٍ وَصُعُودٍ وَهُبُوطٍ وَرَحِيلٍ وَحَطٍّ وَيَقَظَةٍ مِنْ نَوْمٍ أَوْ غَفْلَةٍ (وَخَلْفِ صَلَاةٍ) وَلَوْ نَافِلَةً، (وَ) عِنْدَ (مُلَاقَاةِ رِفَاقٍ) أَوْ رُفْقَةٍ.
ــ
[حاشية الصاوي]
حِينَ أَذَّنَ إبْرَاهِيمُ بِهِ فِي النَّاسِ، وَكَمَا أَجَبْتُك أَوَّلًا حِينَ خَاطَبْت الْأَرْوَاحَ بِ {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} [الأعراف: 172] كَذَا وَقِيلَ الْأَحْسَنُ مَا قَالَهُ فِي الْمَجْمُوعِ: وَمَعْنَى لَبَّيْكَ إجَابَةٌ لَك بَعْدَ إجَابَةٍ فِي جَمِيعِ أَمْرِك وَكُلِّ خِطَابَاتِك.
قَوْلُهُ: [إنَّ الْحَمْدَ] : يُرْوَى بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ وَبِفَتْحِهَا عَلَى التَّعْلِيلِ، وَالْكَسْرُ أَجْوَدُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَقَالَ ثَعْلَبٌ: لِأَنَّ مَنْ كَسَرَ جَعَلَ مَعْنَاهُ إنَّ الْحَمْدَ لَك عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَمَنْ فَتْح جَعَلَ مَعْنَاهُ لَبَّيْكَ لِهَذَا السَّبَبِ. تَنْبِيهٌ: كَانَ عُمَرُ يَزِيدُ: " لَبَّيْكَ ذَا النَّعْمَاءِ وَالْفَضْلِ الْحَسَنِ، لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ مَرْهُوبًا مِنْك وَمَرْغُوبًا إلَيْك "، وَزَادَ ابْنُهُ:" لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ بِيَدَيْك، لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ وَالرَّغْبَاءُ إلَيْك "، وَهَذِهِ النِّيَّةُ تُكْرَهُ فِي غَيْرِ الْإِحْرَامِ لِقَوْلِ التَّهْذِيبِ: كَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يُلَبِّيَ بِهَا مَنْ لَا يُرِيدُ الْحَجَّ، وَرَآهُ سَخَافَةَ عَقْلٍ.
وَأَمَّا إجَابَةُ الصَّحَابَةِ لِلنَّبِيِّ بِالتَّلْبِيَةِ فَهِيَ مِنْ خَصَائِصِهِ - كَذَا فِي التَّوْضِيحِ، قَالَ (بْن) : وَهُوَ غَيْرُ مُسْلِمٍ، وَالظَّاهِرُ - كَمَا قَالَ ابْنُ هَارُونَ: إنَّ الَّذِي كَرِهَهُ الْإِمَامُ إنَّمَا هُوَ اسْتِعْمَالُ تَلْبِيَةِ الْحَجِّ فِي غَيْرِهِ، كَاِتِّخَاذِهَا وِرْدًا كَبَقِيَّةِ الْأَذْكَارِ لِمَا فِيهِ مِنْ اسْتِعْمَالِ الْعِبَادَةِ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَتْ لَهُ، وَأَمَّا مُجَرَّدُ قَوْلِ الرَّجُلِ لِمَنْ نَادَاهُ: لَبَّيْكَ، فَلَا بَأْسَ بِهِ، بَلْ هُوَ أَحْسَنُ أَدَبًا وَفِي الشِّفَاءِ عَنْ عَائِشَةَ:«مَا نَادَاهُ صلى الله عليه وسلم أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَلَا أَهْلِ مِلَّتِهِ إلَّا قَالَ: لَبَّيْكَ» ، وَبِهِ يُرَدُّ قَوْلُ ابْنِ أَبِي جَمْرَةَ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ مَعَهُمْ. (اهـ مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) .
قَوْلُهُ: [وَعِنْدَ مُلَاقَاةِ رِفَاقٍ] : أَيْ فَتَكُونُ شِعَارَهُمْ تُغْنِي عَنْ التَّحِيَّةِ، وَلِذَلِكَ
(وَ) نُدِبَ (تَوَسُّطٌ فِي عُلُوِّ صَوْتِهِ) فَلَا يُسِرُّهَا، وَلَا يَرْفَعُ صَوْتَهُ جِدًّا حَتَّى يُعْقِرَهُ. (وَ) نُدِبَ تَوَسُّطٌ (فِيهَا) أَيْ فِي ذِكْرِهَا؛ فَلَا يَتْرُكُ حَتَّى تَفُوتَهُ الشَّعِيرَةُ وَلَا يُوَالِيَ حَتَّى يَلْحَقَهُ الضَّجَرُ.
(فَإِنْ تُرِكَتْ) التَّلْبِيَةُ (أَوَّلَهُ) : أَيْ الْإِحْرَامِ (وَطَالَ) الزَّمَنُ طُولًا كَثِيرًا؛ كَأَنْ يُحْرِمَ أَوَّلَ النَّهَارِ وَيُلَبِّيَ وَسَطَهُ (فَدَمٌ)، لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ وَصْلَهَا بِالْعُرْفِ وَاجِبٌ. وَقَوْلُهُ:(لِلطَّوَافِ) غَايَةٌ لِقَوْلِهِ: " وَتَجْدِيدٌ " إلَى آخِرِهِ: أَيْ يَنْدُبُ تَجْدِيدُهَا وَإِعَادَتُهَا إلَى أَنْ يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَيَشْرَعَ فِي طَوَافِ الْقُدُومِ، فَيَتْرُكَهَا (حَتَّى) : أَيْ إلَى أَنْ (يَطُوفَ) لِلْقُدُومِ، (وَيَسْعَى) بَعْدَهُ، وَقِيلَ: يَتْرُكَهَا بِدُخُولِهِ مَكَّةَ حَتَّى يَطُوفَ وَيَسْعَى، (فَيُعَاوِدَهَا) بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ السَّعْيِ مَا دَامَ بِمَكَّةَ.
(وَإِنْ بِالْمَسْجِدِ) الْحَرَامِ: أَيْ فِيهِ وَيَسْتَمِرُّ عَلَى ذَلِكَ (لِرَوَاحٍ) : أَيْ وُصُولِ (مُصَلَّى) أَيْ مَسْجِدِ (عَرَفَةَ بَعْدَ الزَّوَالِ مِنْ يَوْمِهِ) أَيْ يَوْمِ عَرَفَةَ.
ــ
[حاشية الصاوي]
قَالُوا: يُكْرَهُ السَّلَامُ عَلَى الْمُلَبِّي.
قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ تَوَسُّطٌ فِيهَا] إلَخْ: وَيُقَالُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي تَكْبِيرِ الْعِيدِ وَكُلِّ مَنْدُوبٍ مُرَغَّبٍ فِيهِ مِنْ الْأَذْكَارِ، لِأَنَّ خَيْرَ الْأُمُورِ أَوْسَاطُهَا.
قَوْلُهُ: [فَإِنْ تَرَكْت التَّلْبِيَةَ أَوَّلَهُ] : وَمِثْلُ التَّرْكِ وَالطَّوْلِ فِي الدَّمِ مَا لَوْ تَرَكَهَا رَأْسًا كَمَا تَقَدَّمَ، وَمَفْهُومُ الظَّرْفِ أَنَّهُ إذَا تَرَكَهَا فِي أَثْنَائِهِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ كَمَا فِي التَّوْضِيحِ، وَصَرَّحَ بِهِ عَبْدُ الْحَقِّ وَالتُّونُسِيُّ وَصَاحِبُ التَّلْقِينِ وَابْنُ عَطَاءِ اللَّهِ، قَالُوا أَقَلُّهَا مَرَّةٌ وَإِنْ قَالَهَا ثُمَّ تَرَكَ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ، قَالَ (ح) : وَشَهَّرَ ابْنُ عَرَفَةَ وُجُوبَ الدَّمِ. وَنَصُّهُ: فَإِنْ لَبَّى حِينَ أَحْرَمَ وَتَرَكَ فَفِي لُزُومِ الدَّمِ ثَالِثُهَا إنْ لَمْ يُعَوِّضْهَا بِتَكْبِيرٍ وَتَهْلِيلٍ. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَإِنْ ابْتَدَأَ بِهَا وَلَمْ يُعِدْهَا فَعَلَيْهِ دَمٌ فِي أَقْوَى الْقَوْلَيْنِ؛ فَتَحَصَّلَ أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ أَقْوَالًا ثَلَاثَةً.
قَوْلُهُ: [فَيُعَاوِدُهَا بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ السَّعْيِ] : أَيْ اسْتِحْبَابًا كَمَا قِيلَ، وَفِي الْمَجْمُوعِ: وَعَاوَدَهَا وُجُوبًا بَعْدَ سَعْيٍ، فَإِنْ لَمْ يُعَاوِدْهَا أَصْلًا فَدَمٌ عَلَى الْمُعَوَّلِ عَلَيْهِ. (اهـ) . وَتَقَدَّمَ أَنَّ هَذَا قَوْلُ ابْنِ الْعَرَبِيِّ.
قَوْلُهُ: [أَيْ مَسْجِدُ عَرَفَةَ] : بِالْفَاءِ لِأَنَّهُ كَائِنٌ فِيهَا، وَيُقَالُ أَيْضًا عُرَنَةُ بِالنُّونِ مَكَانٌ غَيْرُ عَرَفَةَ، وَأُضِيفَ الْمَسْجِدُ لَهُ لِمُجَاوَرَتِهِ لَهَا لِأَنَّ حَائِطَهُ الْقِبْلِيَّ يَلْصَقُهَا.
فَغَايَةُ التَّلْبِيَةِ مُقَيَّدَةٌ بِقَيْدَيْنِ: الْوُصُولُ لِمَسْجِدِ عَرَفَهُ. وَكَوْنُهُ بَعْدَ الزَّوَالِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ. فَإِنْ وَصَلَ قَبْلَ الزَّوَالِ لَبَّى إلَى الزَّوَالِ، وَإِنْ زَالَتْ الشَّمْسُ قَبْلَ الْوُصُولِ لَبَّى إلَى الْوُصُولِ، فَعُلِمَ أَنَّهُ إنْ وَصَلَ عَرَفَةَ قَبْلَ يَوْمِهَا - كَمَا يَفْعَلُ غَالِبُ النَّاسِ الْآنَ - فَإِنَّهُ يَسْتَمِرُّ عَلَى التَّلْبِيَةِ حَتَّى يُصَلِّيَ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمْعَ تَقْدِيمٍ يَوْمَهَا، فَإِذَا صَلَّاهُمَا قَطَعَهَا وَتَوَجَّهَ لِلْوُقُوفِ مَعَ النَّاسِ مُتَضَرِّعًا مُبْتَهِلًا بِالدُّعَاءِ، وَجِلًا خَائِفًا مِنْ اللَّهِ، رَاجِيًا مِنْهُ الْقَبُولَ، وَلَا يُلَبِّي كَمَا يَفْعَلُهُ غَالِبُ النَّاسِ الْآنَ. هَذَا فِيمَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ مَكَّةَ. وَلَمْ يَفُتْهُ الْحَجُّ؛ وَأَمَّا الْمُعْتَمِرُ وَمَنْ أَحْرَمَ مِنْ مَكَّةَ، أَوْ فَاتَهُ الْحَجُّ.
فَأَشَارَ لَهُمْ بِقَوْلِهِ: (وَمُحْرِمُ مَكَّةَ) : أَيْ وَالْمُحْرِمُ مِنْهَا - لِكَوْنِهِ مِنْ أَهْلِهَا أَوْ مُقِيمًا بِهَا - وَلَا يَكُونُ إلَّا بِحَجٍّ مُفْرِدًا لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ إنْ كَانَ قَارِنًا أَوْ مُعْتَمِرًا أَحْرَمَ مِنْ الْحِلِّ - (يُلَبِّي بِالْمَسْجِدِ مَكَانَهُ) : أَيْ فِي الْمَكَانِ الَّذِي أَحْرَمَ مِنْهُ. وَظَاهِرٌ أَنَّهُ يُؤَخِّرُ سَعْيَهُ بَعْدَ الْإِفَاضَةِ إذْ لَا قُدُومَ عَلَيْهِ وَيَسْتَمِرُّ يُلَبِّي إلَى رَوَاحِ مُصَلَّى عَرَفَةَ بَعْدَ الزَّوَالِ كَمَا تَقَدَّمَ.
ــ
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [فَغَايَةُ التَّلْبِيَةِ مُقَيَّدَةٌ] إلَخْ: أَيْ فَمَتَى وُجِدَ الْقَيْدَانِ تَمَّتْ التَّلْبِيَةُ وَلَا يُعَاوِدُهَا أَصْلًا، هَذَا هُوَ الَّذِي رَجَعَ إلَيْهِ مَالِكٌ وَالْمَرْجُوعُ عَنْهُ: أَنَّهُ يَسْتَمِرُّ يُلَبِّي إلَى أَنْ يَصِلَ لِمَحِلِّ الْوُقُوفِ، وَلَا يَقْطَعُ إذَا وَصَلَ لِمُصَلَّى عَرَفَةَ، قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ: لَوْ أَحْرَمَ مِنْ مُصَلَّى عَرَفَةَ فَإِنَّهُ يُلَبِّي إلَى أَنْ يَرْمِيَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ إذَا كَانَ إحْرَامُهُ بَعْدَ الزَّوَالِ. فَإِنْ أَحْرَمَ مِنْهَا قَبْلَهُ فَإِنَّهُ يُلَبِّي لِلزَّوَالِ بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَحْرَمَ مِنْ غَيْرِهَا (اهـ) . فَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَتَكُونُ الْقُيُودُ ثَلَاثَةً.
قَوْلُهُ: [إنْ وَصَلَ عَرَفَةَ قَبْلَ يَوْمِهَا] : أَيْ وَخَالَفَ الْمَشْرُوعَ مِنْ كَوْنِهِ يَخْرُجُ يَوْمَ الثَّامِنِ إلَى مِنًى قَدْرَ مَا يُدْرِكُ بِهَا الظُّهْرَ، فَيُصَلِّي بِهَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، وَيَبِيتُ بِهَا حَتَّى يُصَلِّيَ الصُّبْحَ، ثُمَّ يَرْتَحِلُ يَوْمَهَا لِعَرَفَةَ فَإِنَّ هَذَا مَتْرُوكٌ الْآنَ.
قَوْلُهُ: [وَلَا يُلَبِّي] إلَخْ: أَيْ فَيَنْهَى عَنْ التَّلْبِيَةِ حَيْثُ كَانَ مَالِكِيًّا، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مَذْهَبُهُ يَرَى ذَلِكَ فَلَا نَتَعَرَّضُ لَهُ.
قَوْلُهُ: [هَذَا فِيمَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ] : أَيْ مُفْرَدًا أَوْ قَارِنًا.