الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
660 -
وقال ابن أبي شيبة: حدثنا وكيع، عن معاذ بن العلاء، عن سعيد بن جُبير، قال:"سألتُه عن الوضوءِ بعد الغسلِ من الجنابة؛ فكرِهَهُ".
صحيح. أخرجه ابن أبي شيبة (1/ 68) أو (1/ 127/ رقم: 754).
وإسناده صحيح.
وقول الحافظ ابن حجر في "التقريب" عن معاذ بن العلاء: "صدوق"! غير دقيق؛ فإنه ثقة، وثقه ابن معين، وابن حبان، ولم يتكلم فيه أحد.
وقد تعقَّبه صاحبا "التحرير"؛ فانظره.
* * *
وأكتفي بهذا القدر من الآثار الصحيحة الواردة في الباب؛ وهي تدلُّ على عدم وجوب الوضوء بعد الغسل، وأن الغسل كافٍ في رفع الحدث.
قال الحافظ ابن عبد البرّ الأندلسي في "الاستذكار"(1/ 327 - 328): "المُغْتَسِلُ من الجنابةِ إذا لم يتوضأْ، وعمَّ جميع جسده؛ فقد أدَّى ما عليه، لأن الله تعالى إنما افترض على الجنب الغُسل من الجنابة دون الوضوء".
وقال ابن قدامة المقدسي في "المغني"(1/ 289 - 290)؛ "وهو إجماع لا خلاف فيه بين العلماء (1)؛ إلا أنهم أجمعوا على استحباب الوضوء قبل الغسل، تأسِّيًا برسول الله صلى الله عليه وسلم، ولأنه أعون على الغسل وأهذب منه".
* * *
-
خروج النساء إلى صلاة العيد:
661 -
قال ابن أبي شيبة -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: حدثنا ابن عُلَيَّة، عن أيوب، عن نافع، قال:"كان عبد الله بن عمر يُخْرِجُ للعيدين من استطاع من أهله".
صحيح. أخرجه ابن أبي شيبة (3/ 43/ رقم: 5834 - الرشد)، وابن المنذر في "الأوسط" (4/ 262 - 263/ رقم: 2128) من طريق: إسماعيل ابن عُليَّة به.
(1) أي: وجوب التطهر من الجنابة.
وهذا إسناد صحيح.
لكن جاء عن ابن عمر خلاف ذلك.
فقد روى ابن أبي شيبة في "مصنفه"(3/ 44/ رقم: 5842)، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن عبد الله بن جابر، عن نافع، عن ابن عمر: "أنه كان لا
يخرجُ نساءَه في العيدين".
وهذا إسناد حسن.
عبد الله بن جابر أبو حمزة البصري: صدوق حسن الحديث.
وقول الحافظ في "التقريب"(3244): "مقبول"! غير مقبول.
فقد وثَّقه ابن معين، وابن حبان، وقال البزار: لا بأس به.
وانظر: "تحرير تقريب التهذيب"(2/ 197/ رقم: 3244).
وأخرجه عبد الرزاق (3/ 303/ رقم: 5724) ومن طريقه ابن المنذر في "الأوسط"(263/ 4/ رقم: 2129) عن عبيد الله بن عمر، عن نافع به.
وقد وجَّه العلّامة ابن حزم هذا الخلاف، فقال في "المحلى" (5/ 63/ عند المسألة رقم: 545) - بعد أن ذكر الأحاديث التي تأمر بإخراج النساء إلى العيد-:
"فهذه آثار متواترة عنه صلى الله عليه وسلم من طريق: جابر، وابن عباس، وغيرهما: بأنه عليه السلام رأى حضور النساء المُصَلَّى، وأَمَرَ به؛ فلا وجه لقول غيره إذا خالفه.
ولا متعلَّق للمخالفِ إلا رواية عن ابن عمر أنه منعهنَّ، وقد جاء عن ابن عمر خلافها، ولا يجوز أن يُظَنَّ بابن عمر إلا أنه إذا منعهنَّ لم يكن بلغه أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا بلغه رجع إلى الحق، كما فعل إذْ سبَّ ابنه أشدّ السَّبِّ إذْ سمعه يقول: نمنع النساء المساجد ليلاً (1).
ولا حجة في أحد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو ادّعى امرؤ الإجماع على صحة خروج النساء إلى العيدين، وأنه لا يحل منعُهُنَّ؛ لصدق، لأننا لا نشكُّ في أن
(1) انظر: الجزء الأول من هذه السلسلة، (رقم: 239).
من حضر ذلك من الصحابة- رضي الله عنهم، أو بلّغه لمن لم يحضر؛ فقد سلَّم ورضي وأطاع، والمانع من هذا: مخالف للإجماع وللسُّنَّة" اهـ.
* * *
- قلتُ: وممّن كره خروج النساء للعيدين: إبراهيم النخعي، وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمد بن أبي بكر رحمهم الله جميعًا-:
662 -
قال ابن أبي شيبة: حدثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم، قال:"يُكْرَهُ خُروجُ النساءِ في العيدين".
صحيح. أخرجه ابن أبي شيبة (3/ 44/ رقم: 5841).
وإسناده صحيح.
ثم أخرجه (3/ 45/ رقم: 5845)، قال: حدثنا وكيع، عن حسن بن صالح، عن منصور، عن إبراهيم، قال:"كره للشابة أن تخرج إلى العيدين".
* * *
663 -
وقال أيضًا: حدثنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه:"أنه كان لا يَدعُ امرأة من أهلهِ تخرجُ إلى فطر، ولا إلى أضحى".
صحيح. أخرجه في "المصنف"(3/ 45/ رقم: 5843).
وإسناده صحيح.
* * *
664 -
ثم قال: حدثنا أبو داود، عن قُرة، قال: حدثنا عبد الرحمن بن القاسم، قال:"كان القاسمُ أشدَّ شيءٍ على العواتق؛ لا يَدَعهُنَّ يَخْرُجْنَ في الفطرِ والأضحى".
صحيح. أخرجه ابن أبي شيبة (3/ 45/ رقم: 5844).
وسنده صحيح.
وقُرَّة؛ هو: ابن خالد السَّدُوسي.
والعواتق: جمع عاتق: وهي البنت عندما تبلغ.
قال أبو عبد الله - عفا الله عنه -، وتجاوز عن زلاته وسيئاته-:
ولعل منع هؤلاء التابعين كان لخشية، أو لرأي خاص بهم، أو لسبب آخر، ويحتمل أيضًا: عدم بلوغ الحديث (حديث أم عطية) لهم.
وأيًّا كان؛ فقولهم هذا مخالف للصحيح الثابت من هدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأمره، فلا حجَّة فيه.
قال الحافظ أبو بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري في "الأوسط في السنن والإجماع والإختلاف"(4/ 263):
"وكرِهتْ طائفة خروجَ النساء إلى العيدين؛ كره ذلك إبراهيم النخعي، وكان عروة بن الزبير لا يدع امرأة من أهله تخرج إلى فطر ولا إلى أضحى.
وقال يحيى الأنصاري: لا نعرف خروج المرأة الشابة عندنا في العيدين.
وقال أصحاب الرأي في خروج النساء إلى العيد: أما اليوم؛ فإنا نكره لهنَّ ذلك، ونرخص للعجوز الكبير بأن تشهد العشاء والفجر والعيدين، وأما غير ذلك؛ فلا".
وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله في "فتح الباري في شرح صحيح البخاري"(6/ 139 - 141 ط. دار ابن الجوزي):
"وفي خروج النساء إلى العيدين أحاديثُ كثيرة -قد سبق بعضها، ويأتي بعضُها أيضَا-.
وقد اختلف العلماء فيه على أقوال:
أحدها: أنه مُستحَبٌّ، وحُكي عن طائفة من السلف؛ منهم: علقمة. ورُوي عن ابن عمر: أنه كان يُخرج نساءه. ورُوي عنه؛ أنه كان يحبسهن.
وروى الحارث عن علي، قال:"حق على كل ذاتِ نطاق أن تخرج في العيدين. ولم يكن يُرخصُ لهن في شيء من الخروج إلا في العيدين".
وهو قول إسحاق وابن حامد من أصحابنا.
وقال أحمد- في رواية ابن منصور-: لا أحبُّ منعهنَّ إذا أَرَدنَ الخروجَ.
والثاني: أنه مباح؛ غير مستحبّ ولا مكروه؛ حُكي عن مالك، وقاله طائفة من أصحابنا.
الثالث: أنه مكروه بعد النبي صلى الله عليه وسلم؛ وهو قول النخعي، ويحيى الأنصاري، والثوري، وابن المبارك.
وأحمد - في رواية حرب (1) -قال: لا يعجبني في زماننا- لأنه فتنة.
واستدلَّ هؤلاء: بأن الحال تغيَّر بعد النبي صلى الله عليه وسلم.
وقد قالت عائشة: "لو أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أَحْدَثَ النساءُ بعده؛ لمنعهنَّ المساجدَ". وقد سبق.
والرابع: أنه يُرَخَّصُ فيه للعجائز دون الشَّواب؛ روي عن النخعي -أيضًا-، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، ونقله حنبل عن أحمد.
وروي عن ابن عباس -بإسناد فيه ضعف-: أنه أفتى بذلك سعيد بن العاص؛ فامر مناديه: أن لا تخرج يوم العيد شابة، وكل العجائز يخرجْنَ.
الخامس: قول الشافعي: يُسْتَحَبُّ الخروجُ للعجائز ومن ليست من ذوات الهيئات.
وفسر أصحابه ذوات الهيئات: بذوات الحُسْنِ والجمال، ومن تميلُ النفوسُ إليها؛ فيُكره لهنَّ الخروج لما فيه من الفتنة".
وقال رحمه الله بعد ذكره لحديث أم عطية والكلام عليه (6/ 152 - 153): "فخرَّج الإمام أحمد (2) من رواية طلحة بن مصرف، عن امرأة من بني عبد القيس، عن أخت عبد الله بن رواحة الأنصاري، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "وجَبَ الخروجُ على كلّ ذات نطاق".
وفيه امرأة لا تُعْرَفُ.
(1) ورواية صالح (1/ 468). (منه).
(2)
في "المسند"(6/ 358).
وخرج ابنُ شاهين في كتاب "العيدين"، من حديث ابن عباس؛ عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:"العيدان واجبان على كل حالم؛ من ذكر وأنثى".
وفي إسناده: عمرو بن شمر = ضعيف جدًّا.
وروى الحارث، عن عليّ، قال:"حقٌّ على كل ذاتِ نطاق أن تخرج في العيدين".
وهذا مما لا يُعلم به قائل = أعني: وجوب الخروج على النساء في العيد" اهـ.
قال أبو عبد الله: إن أراد: من السَّلف؛ فلم أرَه صريحًا إلا في أثر أبي بكر وعلي؛ لكن لا يصح سندهما إليهما.
وإن أراد: من العلماء؛ فغير مسلَّم؛ فقد قال بوجوبه شيخ الإسلام ابن تيمية، حيث قال في "الإختيارات" (ص 123 - ط. العاصمة):"وقد يقال بوجوبها على النساء".
وانظر: "مجموع الفتاوى"(24/ 183).
والظاهر من كلام العلامة ابن حزم -المتقدّم- أنه يميل للقول بالوجوب.
وهو اختيار الأمير الصنعاني في "سبل السلام "(3/ 224 - ط. ابن الجوزي)، إذْ قال: "والحديث (أي: حديث أم عطية) دليلٌ على وجوب إخراجهِنَّ، وفيه أقوال ثلاثة:
الأول: أنه واجب. وبه قال الخلفاء الثلاثة: أبو بكر، وعمر، وعليّ.
ويؤيد الوجوب: ما أخرجه ابن ماجه (1) والبيهقي (2)، من حديث ابن عباس:"أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يُخْرِجُ نساءَه وبناته في العيدين". وهو ظاهر في استمرار ذلك منه صلى الله عليه وسلم، وهو عامٌّ لمن كانت ذات هيئة وغيرها، وصريح في الشواب (3)، وفي العجائز بالأَولى.
(1) في "السنن"(1309)، وضعفه البوصيري، والألباني.
(2)
في "السنن الكبير"(3/ 307).
(3)
في المطبوعة: في الثواب! وهو خطأ.
والثاني: سُنَّة، وحُمل الأمر بخروجهنَّ على الندب. قاله جماعة، وقؤاه الشارح؛ مستدلاً بأنه علّلَ خروجهنَّ: بشهود الخير ودعوة المسلمين.
قال: ولو كان واجبًا لما عقلَ بذلك، ولكان خروجهن لأداء الواجب عليهنَّ لامتثال الأمر.
قلتُ: وفيه تأمُّلٌ؛ فإنه قد يُعَلَّلُ الواجبُ بما فيه من الفوائد، ولا يُعلَّلُ بأدائه.
وفي كلام الشافعي في "الأم"(1) التفرقة بين ذوات الهيئات والعجائز؛ فإنه قال: وأُحبُّ شهود العجائز وغير ذوات الهيئات من النساء الصلاة، وأنا لشهودهنَّ الأعياد أشدّ استحبابَّا.
والثالث: أنه منسوخ. قال الطحاوي: إن ذلك كان في صدر الإسلام للإحتياج في خروجهنَّ لتكثير السواد، فيكون فيه إرهاب للعدو. ثم نُسِخَ.
وتُعُقَّبَ: أنه نسخٌ بمجرد الدعوى!
ويدفعه: أن ابن عباس شهد خروجهنَّ وهو صغير، وكان ذلك بعد فتح مكة، ولا حاجة إليهنَّ لقوة الإسلام حينئذٍ.
ويدفعه: أنه علّل في حديث أم عطية حضورهنَّ لشهادتهنَّ الخيرَ ودعوة المسلمين.
ويدفعه: أنه أفتت به أم عطية بعد وفاته صلى الله عليه وسلم بمدة، ولم يخالفها أحدٌ من الصحابة.
وأما قول عائشة: "لو رأى النبي صلى الله عليه وسلم ما أحدَثَ النساءُ؛ لمنعهنَّ عن المساجد"؛ فهو لا يدلُّ على تحريم خروجهنَّ، ولا على نسخ الأمر به؛ بل فيه دليلٌ على أنهن لا يُمنعن؛ لأنه لم يمنعهنَّ صلى الله عليه وسلم؛ بل أمر بإخراجهن، فليس لنا أن نمنع ما أمرَ به" اهـ.
(1)(1/ 275) طبعة دار الفكر. (منه).
والقول بالوجوب هو اختيار الشوكاني، وصديق حسن خان، واختاره الشيخ المحدّث محمد ناصر الدين الألباني في "صلاة العيدين"(ص 15 - 16).
وهو اختيار العلامة الأصولي الفقيه الشيخ محمد بن صالح العثيمين في "الشرح الممتع"(5/ 149 - 152).
- رحم الله الجميع-.
وسألتُ شيخنا الأريب العلّامة الفقيه أبا عبد الرحمن عبد الله بن صالح العبيلان عن قوله في المسألة، فأجاب -أيده الله-: بأن الظاهر الوجوب.
والحمد لله على ما أنعم وتفضل.
تنبيه: استفدتُ في المبحث المذكور من كتاب الشيخ أبي الحسن مصطفى بن إسماعيل المأربي "تنوير العينين بأحكام الأضاحي والعيدين"(ص 62 - وما بعدها)؛ فَلْيُعلَم.
* * *
- وجوبُ حُبِّ الصحابةِ رضي الله عنهم:
665 -
قال أيوب السختياني رحمه الله: "مَنْ أَحَبَّ أَبَا بَكْرِ فَقَد أَقَامَ الذينَ، وَمَنْ أَحَبَّ عُمَرَ فَقَد أَوْضَحَ السَبيلَ، وَمَنْ أَحَبَّ عثمانَ فَقَد اسْتَنَارَ بِنُورِ الله عز وجل، وَمَنْ أَحَبَّ عَليًّا فَقَد اسْتَمْسَكَ بالعُروَةِ الوُثْقَى، وَمَنْ قَالَ الحُسْنَى في أَصْحَابِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فَقَدْ بَرِئَ مِنَ النِّفَاقِ".
حسن. أخرجه الآجري في "الشريعة "(3/ 22 - 23/ رقم: 1291)، وأبو يعلى الفراء في "جزء فيه ستة من أماليه" (رقم: 22 - ط. دار البشائر البيروتية)، واللالكائي في "شرح أصول الإعتقاد"(2333)، وابن حبان في "الثقات"(9/ 87)، وأبو القاسم التيمي الأصبهاني في "الحجة في بيان المحجة"(2/ 368 - 369).
من طرق؛ عن محمد بن مقاتل العباداني، عن حماد بن سلمة، قال: قال أيوب به.
ورواه عن محمد بن مقاتل: ابنه عبد الصمد، وعبد الصمد بن يزيد، ومصلح بن الفضل الأسدي.