الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
27 - باب ما جاءَ في إِسْبالِ الإِزارِ
4084 -
حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنا يَحْيَى، عَنْ أَبي غِفارٍ، حَدَّثَنا أَبُو تَمِيمَةَ الهُجَيْمي -وَأَبُو تَمِيمَةَ اسْمُهُ طَرِيفُ بْنُ مُجالِدٍ-، عَنْ أَبي جُري جابِرِ بْنِ سُلَيْمٍ قالَ: رَأَيْتُ رَجُلًا يَصْدُرُ النّاسُ عَنْ رَأْيهِ لا يَقُولُ شَيْئًا إِلا صَدَرُوا عَنْهُ قُلْتُ: مَنْ هذا؟ قالُوا: هذا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. قُلْتُ: عَلَيْكَ السَّلامُ يا رَسُولَ اللَّهِ مَرَّتَيْنِ.
قالَ: "لا تَقُلْ عَلَيْكَ السَّلامُ. فَإنَّ عَلَيْكَ السَّلامُ تَحِيَّةُ الميِّتِ قُلِ السَّلامُ عَلَيْكَ". قالَ: قُلْتُ: أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قالَ: "أَنا رَسُولُ اللَّهِ الذي إِذا أَصابَكَ ضُرٌّ فَدَعَوْتَهُ كَشَفَهُ عَنْكَ وَإِنْ أَصابَكَ عامُ سَنَةٍ فَدَعَوْتَهُ أَنْبَتَها لَكَ وَإِذا كُنْتَ بِأَرْضٍ قَفْراءَ أَوْ فَلاةٍ فَضَلَّتْ راحِلَتُكَ فَدَعَوتَهُ رَدَّها عَلَيْكَ". قُلْتُ: اعهَدْ إِليَّ قالَ: "لا تَسُبَّنَّ أَحَدًا".
قالَ: فَما سَبَبْتُ بَعْدَهُ حُرًّا وَلا عَبْدًا وَلا بَعِيرًا وَلا شاةً.
قالَ: "وَلا تَحْقِرَنَّ شَيْئًا مِنَ المَعْرُوفِ وَأَنْ تُكَلِّمَ أَخاكَ وَأَنْتَ مُنْبَسِطٌ إِلَيْهِ وَجْهُكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنَ المَعْرُوفِ وارْفَعْ إِزارَكَ إِلَى نِصْفِ السّاقِ فَإِنْ أَبَيْتَ فَإِلَى الكَعْبَيْنِ وَإيّاكَ وَإِسْبالَ الإِزارِ فَإِنَّها مِنَ المَخِيلَةِ وَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المَخِيلَةَ وَإِنِ امْرُؤٌ شَتَمَكَ وَعَيَّرَكَ بِما يَعْلَمُ فِيكَ فَلا تُعيِّرْهُ بِما تَعْلَمُ فِيهِ فَإِنَّما وَبالُ ذَلِكَ عَلَيْهِ"(1).
4085 -
حَدَّثَنا النُّفَيْلي، حَدَّثَنا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَن سالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلاءَ لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ". فَقالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ أَحَدَ جانِبَي إِزاري يَسْتَرْخي إِنّي لأَتَعاهَدُ ذَلِكَ مِنْهُ.
(1) رواه البخاري في "الأدب المفرد"(1182)، والترمذي (2721)، والنسائي في "الكبرى"(9694)، وأحمد 3/ 482.
وصححه الألباني في "الصحيحة"(3422).
قالَ: "لَسْتَ مِمَّنْ يَفْعَلُهُ خُيَلاءَ"(1).
4086 -
حَدَّثَنا مُوسَى بْنُ اِسْماعِيلَ، حَدَّثَنا أَبانُ، حَدَّثَنا يَحْيَى، عَنْ أَبي جَعْفَرٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسارٍ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ قالَ: بَيْنَما رَجُلٌ يُصَلّي مُسْبِلًا إِزارَهُ فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "اذْهَبْ فَتَوَضَّأْ". فَذَهَبَ فَتَوَضَّأ ثُمَّ جاءَ ثُمَّ قالَ: "اذْهَبْ فَتَوَضَّأْ". فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما لَكَ أَمَرْتَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ ثُمَّ سَكَتَّ عَنْهُ قالَ: "إِنَّهُ كانَ يُصَلّي وَهُوَ مُسْبِلٌ إِزارَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لا يَقْبَل صَلاةَ رَجُلٍ مُسْبِلٍ"(2).
4087 -
حَدَّثَنا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنا شُعْبَةُ، عَنْ عَلي بْنِ مُدْرِكٍ، عَنْ أَبي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ خَرَشَةَ بْنِ الحُرِّ، عَنْ أَبي ذَرٍّ، عَنِ النَّبي صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قالَ:"ثَلاثَةٌ لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ". قُلْتُ: مَنْ هُمْ يا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ خابُوا وَخَسِرُوا؟ أَعادَها ثَلاثًا. قُلْتُ: مَنْ هُمْ يا رَسُولَ اللَّهِ خابُوا وَخَسِرُوا؟ فَقالَ: "المُسْبِلُ والمَنّانُ والمُنْفِقُ سِلْعَتَهُ بْالحَلِفِ الكاذِبِ". أَوِ: "الفاجِرِ"(3).
4088 -
حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنا يَحْيَى، عَنْ سُفْيانَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ سُلَيْمانَ ابْنِ مُسْهِرٍ، عَنْ خَرَشَةَ بْنِ الحُرِّ، عَنْ أَبي ذَرٍّ، عَنِ النَّبي صلى الله عليه وسلم بهذا، والأَوَّلُ أَتَمُّ قالَ:"المَنّانُ الذي لا يُعْطي شَيْئًا إِلَّا مَنَّهُ"(4).
4089 -
حَدَّثَنا هارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنا أَبُو عامِرٍ -يَعْني: عَبْدَ المَلِكِ بْنَ عَمْرٍو- حَدَّثَنا هِشامُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ بِشْرِ التَّغْلِبي، قالَ: أَخْبَرَني أَبي -وَكانَ جَلِيسًا لأَبي الدُّرْداءِ- قالَ: كانَ بِدِمَشْقَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحابِ النَّبي صلى الله عليه وسلم يُقالُ لَهُ: ابن الحَنْظَلِيَّةِ. وَكانَ رَجُلًا مُتَوَحِّدًا قَلَّما يُجالِسُ النَّاسَ، إِنَّما هُوَ صَلاةٌ فَإِذا فَرَغَ فَإنَّما هُوَ
(1) رواه البخاري (3655).
(2)
سبق برقم (638).
(3)
رواه مسلم (106).
(4)
انظر ما قبله.
تَسْبِيحٌ وَتَكبِيرٌ حَتَّى يَأتي أَهْلَهُ، فَمَرَّ بِنا وَنَحْنُ عِنْدَ أَبي الدَّرْدَاءِ فَقالَ لَهُ أَبُو الدَّرْداءِ: كَلِمَةً تَنْفَعُنا وَلا تَضُرُّكَ قالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سَرِيَّةً فَقَدِمَتْ فَجاءَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَجَلَسَ في المَجْلِسِ الذي يَجْلِسُ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقالَ لِرَجُلٍ إِلَى جَنْبِهِ لَوْ رَأَيْتَنا حِينَ التَقَيْنا نَحْنُ والعَدُوُّ فَحَمَلَ فُلانٌ فَطَعَنَ فَقالَ: خُذْها مِنّي وَأَنا الغُلامُ الغِفاري كَيْفَ تَرى في قَوْلِهِ قالَ: ما أُراهُ إِلّا قَدْ بَطَلَ أَجْرُهُ فَسَمِعَ بِذَلِكَ آخَرُ فَقالَ: ما أَرى بِذَلِكَ بَأْسًا فَتَنازَعا حَتَّى سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقالَ: "سُبْحانَ اللَّهِ لا بَأْسَ أَنْ يُؤْجَرَ وَيُحْمَدَ". فَرَأَيْتُ أَبا الدَّرْداءِ سُرَّ بِذَلِكَ وَجَعَلَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ إِلَيْهِ وَيَقُولُ أَنْتَ سَمِعْتَ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؟ فَيَقُولُ نَعَمْ. فَما زالَ يُعِيدُ عَلَيْهِ حَتَّى إِنّي لأَقُولُ لَيَبْرُكَنَّ عَلَى رُكْبَتَيْهِ.
قالَ: فَمَرَّ بِنا يَوْمًا آخَرَ فَقالَ لَهُ أَبُو الدَّرْداءِ: كَلِمَةٌ تَنْفَعُنا وَلا تَضُرُّكَ قالَ: قالَ لَنا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "المُنْفِقُ عَلَى الخَيْلِ كالباسِطِ يَدَهُ بِالصَّدَقَةِ لا يَقْبِضُها".
ثُمَّ مَرَّ بِنا يَوْمًا آخَرَ فَقالَ لَهُ أَبُو الدَّرْداءِ: كَلِمَةٌ تَنْفَعُنا وَلا تَضُرُّكَ. قالَ: قالَ لَنا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "نِعْمَ الرَّجُلُ خُرَيْمٌ الأَسَدي لَوْلا طُولُ جُمَّتِهِ وَإِسْبالُ إِزارِهِ". فَبَلَغَ ذَلِكَ خُرَيْمًا فَعَجِلَ فَأَخَذَ شَفْرَةً فَقَطَعَ بِها جُمَّتَهُ إِلَى أُذُنَيْهِ، وَرَفَعَ إِزارَهُ إِلَى أَنْصافِ ساقَيْهِ. ثُمَّ مَرَّ بِنا يَوْمًا آخَرَ فَقَالَ لَهُ أَبُو الدَّرْداءِ كَلِمَةً تَنْفَعُنا وَلا تَضُرُّكَ فَقالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "إِنَّكُمْ قادِمُونَ عَلَى إِخْوانِكُمْ فَأَصْلِحُوا رِحالَكُمْ وَأَصْلِحُوا لِباسَكُمْ حَتَّى تَكُونُوا كَأَنَّكُمْ شامَةٌ في النّاسِ فَإنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفُحْشَ وَلا التَّفَحُّشَ".
قالَ أَبُو داوُدَ: وَكَذَلِكَ قالَ أَبُو نُعَيْمِ: عَنْ هِشامِ قالَ: حَتَّى تَكُونُوا كالشّامَةِ في النّاسِ (1).
* * *
(1) رواه أحمد 4/ 179.
وضعفه الألباني.
باب ما جاء في إسبال الإزار
[4084]
(حدثنا مسدد، ثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن أبي غفار) بكسر الغين المعجمة المثنى بن سعيد الطائي البصري، أخرج له البخاري في الأدب (ثنا أبو تميمة) طريف بن مجالد (الهجيمي) أخرج له البخاري، وقد تقدم (عن أبي جري) بضم الجيم، وفتح الراء (جابر بن سليم) مصغر، التميمي الهجيمي.
(قال: رأيت رجلًا يصدر) بضم الدال (الناس عن رأيه) أي: يرجعون إلى ما يظهر من صدره من الرأي الذي يرشدهم إليه (فلا يقول) لهم (شيئًا إلا صدروا) جميعهم (عنه) بعد استماع رأيه كما يصدر عن الورد بعد الري من شرب مائه، وكان للنبي صلى الله عليه وسلم[ركوة](1) تسمى الصادر (2)، سميت به لأنه يصدر عنها بالري.
(قلت لهم: من هذا؟ قالوا: هذا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم) فدنوت منه وقلت له (عليك السلام يا رسول اللَّه. مرتين) وذكره الترمذي أنه سلم ثلاثًا، ولفظه: طلبت النبي صلى الله عليه وسلم فلم أقدر عليه، فجلست، فإذا نفر هو فيهم ولا أعرفه، وهو يصلح بينهم، فلما فرغ قام معه بعضهم، فقالوا: يا رسول اللَّه. فلما رأيت ذلك قلت: عليك السلام يا رسول اللَّه، عليك السلام يا رسول اللَّه.
(1) الزيادة من "المجروحين" لابن حبان 2/ 108.
(2)
رواه الطبراني 11/ 111 (11208) من حديث ابن عباس مرفوعًا. ذكره الهيثمي في "المجمع" 5/ 272 وقال: رواه الطبراني، وفيه علي بن عروة، وهو متروك. وقال الألباني في "الضعيفة" (4225): موضوع.
عليك السلام يا رسول اللَّه (1).
(قال: لا تقل: عليك السلام، فإن عليك السلام تحية الميت) يعني: أنه الأكثر في عادة الشعراء في السلام على الميت، كما قال:
عليك (2) سلام اللَّه قيس بن عاصم
…
ورحمته ما شاء أن يترحما (3)
لا أن ذلك هو المشروع في السلام على الموتى؛ لأنه عليه السلام قد سلم على الموتى كما سلم على الأحياء، قال:"السلام عليكم دار قوم مؤمنين"(4) ويتأكد تقديم لفظ السلام على القول بأن السلام اسم من أسماء اللَّه تعالى، فإن أسماء اللَّه تعالى أحق بالتقديم. وقيل: إنما فعل ذلك؛ لأن المسلم على القوم يتوقع الجواب أن يقال له: عليك السلام. فلما كان الميت لا يتوقع منه جواب جعلوا السلام عليه كالجواب، وقيل: أراد بالموتى كفار الجاهلية، وهذا في الدعاء بالخير والمدح. وأما الشر والذم فيقدم الضمير كقوله تعالى:{وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي} (5)، وقوله:{عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ} (6).
(قل: السلام عليك) فيه جواز السلام عليك بالإفراد، والسلام
(1)"سنن الترمذي"(2721).
(2)
في الأصول: عليكم. وما أثبتناه أليق لاستقامة الاستشهاد به، وهو ما وجدناه في كتب الأدب. انظر:"الشعر والشعراء" ص 487.
(3)
البيت لعبدة بن الطيب، بحر الطويل، انظر:"الشعر والشعراء"(ص 487).
(4)
رواه مسلم (249) من حديث أبي هريرة.
(5)
ص: 78.
(6)
التوبة: 98، الفتح:6.
عليكم، وإن كان المسلم عليه واحدًا.
(قال: قلت: أنت) حذفت همزة الاستفهام (رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم؟ قال: أنا رسول اللَّه الذي إذا أصابك ضر فدعوته) بتضرع وافتقار (كشفه) أي: دفع البلاء (عنك) بعد نزوله.
وفيه: دليل على أن من مظان أوقات الإجابة حالة الاضطرار كما قال تعالى: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ} (1)، وروى الترمذي عن أبي هريرة: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "من سره أن يستجيب اللَّه له عند الشدائد والكرب فليكثر الدعاء في الرخاء"(2).
(وإن أصابك عام سنة) بالإضافة. وفي بعض النسخ: سنة. بتنوين (عام) ورفع (سنة) على الصفة، والأول أصوب، أي: عام شدة ومجاعة.
قال المنذري: السنة هي العام القحط الذي لم تنبت الأرض فيه شيئًا، سواء نزل عليها غيث أو لم ينزل (3).
(فدعوته أنبتها لك) أي: أنبت لك ما زرعته وأنماه بفضله وإنعامه، (وإذا كنت بأرضٍ) بالتنوين (قفر) وهي الأرض الخالية من الأنيس التي لا ماء بها ولا ناس، وجمع القفر قفار.
(أو) أرض (فلاة) وهي الأرض التي لا ماء فيها، جمعها: فلًا. مثل حصاة جمعها حصا.
(1) النمل: 62.
(2)
"سنن الترمذي"(3382) وقال: هذا حديث غريب. وحسنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب" 2/ 276 (1628)، قال: حسن لغيره.
(3)
"الترغيب والترهيب" 1/ 16 - 17.
(فضلت راحلتك) في تلك الأرض (فدعوته ردَّها عليك) قال العلماء: لاستجابة الدعاء شروط لا بد منها، فمنها: أن يكون الداعي عالمًا بأن لا قادر على حاجته إلا اللَّه تعالى وحده، وأن الوسائط في قبضته ومسخرة بتسخيره، وأن يدعو باضطرار وافتقار، فإن اللَّه لا يقبل الدعاء من قلب غافل.
(قلت) يا رسول اللَّه (اعهد إلي) أي: أوصني، ومنه حديث علي: عهد إليَّ النبي الأمي (1). أي: أوصى إليَّ.
(قال: لا تسبنَّ أحدًا) والسب: الشتم. وللإمام أحمد والطبراني بإسناد جيد: قال أعرابي: يا رسول اللَّه، أوصني. قال:"عليك بتقوى اللَّه، ولا تسبنَّ شيئًا"(2).
ولأحمد وأبي داود الطيالسي عن عياض بن حمار: قلت: يا رسول اللَّه، الرجل من قومي يسبني وهو دوني، هل عليَّ بأس أن أنتصر منه؟ قال:"المستبان (3) شيطانان يتكاذبان ويتهاتران"(4).
(1) رواه مسلم (78).
(2)
"مسند أحمد" 4/ 65، 5/ 377 - 378 دون لفظ:"عليك بتقوى اللَّه"، "المعجم الكبير" 7/ 64 (6385)، 7/ 65 - 66 (6386)، (6388) بلفظ:"لا تسبن أحدًا" دون لفظ: "عليك بتقوى اللَّه".
وذكره الهيثمي في "المجمع" 8/ 72، وقال: رواه أحمد، وفيه الحكم بن فضيل، وثقه أبو داود وغيره، وضعفه أبو زرعة وغيره، وبقية رجاله رجال الصحيح. وبتمام هذا اللفظ رواه الخرائطي في "مساوئ الأخلاق"(26).
(3)
في (ل): المتسابان.
(4)
"مسند أبي داود الطيالسي" 2/ 407 (1176)، "مسند أحمد" 4/ 162. ذكره الهيثمي في "المجمع" 8/ 75 وقال: رواه أحمد والبزار والطبراني في "الكبير" =
وفيه تحريم السب، ولا يجوز للمسبوب أن ينتصر إلا بمثل ما سبه ما لم يكن كذبًا أو قذفًا، وإذا انتصر المسبوب استوفى ظلامته، وبرئ الأول من حقه، وبقي عليه حق الابتداء.
(قال) جابر (فما سببت بعده) شخصًا (حرًّا، ولا عبدًا، ولا بعيرًا، ولا شاةٌ) ولا هرةٌ، ولا كلبًا، ولا برغوثًا، ولا شيئًا من الأشياء.
ثم (1)(قال) رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم (ولا تحقِرن) بكسر القاف، يعني: لا تترك (شيئًا من) أفعال (المعروف) احتقارًا له، واستهانة لقدره، فكل معروف وإن قل نفعه فهو صدقة ينمو أجره إلى يوم القيامة.
(و) لا تحتقر (أَنْ) بفتح الهمزة (تُكلِّم) بضم التاء، وكسر اللام المشددة (أخاك) المؤمن (وأنت منبسط إليه وجهُك) بالرفع لأنه لا يتعدى (2)، والمراد أن تكلمه وفي وجهك البشر له وعدم الاحتشام، كأنك مستبشر بحديثه؛ لأن الإنسان إذا سر انبسط وجهه (إن ذلك من) فعل (المعروف) الذي أمر اللَّه تعالى به وحث عليه (وارفع إزارك) والثوب وما في معناه (إلى نصف الساق فإن أبيت) أن ترفعه إلى نصف الساق وتركت طاعة اللَّه التي تستوجب بها ارتفاع المنزلة في الجنة (فإلى) أي: فارفعه إلى (الكعبين) لأن من ترك التسبب إلى شيء لا يوجد بغيره فقد أباه، فلا جناح في إيصال الثوب إلى ما بين نصف
= و"الأوسط"، ورجال أحمد رجال الصحيح. وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب" 3/ 57 (2781).
(1)
ساقطة من (ح).
(2)
ساقطة من (ل، م).
الساق وبين الكعبين؛ لحديث: "إزرة المؤمن إلى نصف الساق"(1).
(وإيَّاكَ وَإسْبَالَ) بالنصب على التحذير (الإزار) وهو تطويله نازلا عن الكعبين ونازلا عنهما إلى الأرض إذا مشى، وإنما يفعل هذا في الغالب كبرا واختيالا (فَإِنَّهَا مِنَ المَخِيلَةِ) بفتح الميم وكسر الخاء المعجمة من الاختيال، وهو الكبر واستحقار الناس والعجب عليهم، وسميت الخيل خيلا لاختيال راكبها بها.
(وَإنَّ اللَّه لَا يُحِبُّ) أي: لا يرضى عن ذي (الْمَخِيلَةَ) ولا يظهر عليه آثار نعمته في الآخرة، وفي هذا ضرب من التوعد على الاختيال، وهو الكبر ومن في قلبه مثقال ذرة منه.
(وإن) وجد (امرؤ شتمك) فلا تشتمه (أو عيرك (2) بما يعلم فيك) من الذنب أو الأفعال القبيحة (فَلَا تُعيِّرْهُ بِمَا تَعْلَمُ فِيهِ).
وقد روى الإمام أحمد (3) عن معاذ بن جبل قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "من عير أخاه بذنب لم يمت حتى يعمله"(4) يقال: عيرته بفعل كذا: إذا قبحته
(1) سيأتي قريبًا برقم (4093)، ورواه أيضًا ابن ماجه (3573)، وأحمد 3/ 30 - 31، ومالك 2/ 914 - 915 كلهم من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا، واللفظ لأحمد. وله شواهد من حديث أبي هريرة وابن عمر وأنس. وصححه الألباني في "صحيح الجامع"(921).
(2)
في حاشية (ح) وصلب (ل، م): نسخة: وعيرك.
(3)
يقصد أحمد بن منيع.
(4)
رواه الترمذي (2505) وقال: هذا حديث حسن غريب، وليس إسناده بمتصل، وخالد بن معدان لم يدرك معاذ بن جبل. وقال الألباني في "الضعيفة" (178): موضوع.
عليه ونسبته إليه (فَإِنَّمَا وَبَالُ) بفتح الواو (ذَلِكَ عَلَيْهِ) وأصل الوبال من وبل المرتع بضم الموحدة وبالا إذا وخم، ولما كان عاقبة المرعى الوخيم إلى سوء، قيل في سوء العاقبة: وبال. والمراد به في الحديث العذاب في الآخرة، وقد يعجل بعضه في الدنيا.
[4085]
(حَدَّثَنَا) عبد اللَّه (النُّفَيلِيُّ، حَدَّثَنَا زُهَيرٌ، حَدَّثَنَا مُوسى (1) بْنُ عُقْبَةَ) بن أبي عياش الأسدي (عَنْ سَالِمِ بْن عَبْدِ اللَّه، عَنْ أَبِيهِ) عبد اللَّه بن عمر رضي الله عنهما (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ) بضم الخاء على المشهور، والثوب يعم الإزار والرداء والقميص والعمامة والطيلسان (لَمْ يَنْظُرِ اللَّه تعالى إِلَيهِ) نظر رحمة ورضا (يَوْمَ القِيَامَةِ) إذا لم يتب منه (فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ) يا رسول اللَّه (إِن أَحَدَ جَانِبَيْ) لفظ البخاري: إن أحد شقي (2)(إِزَاري يَسْتَرْخِي)(3) وسبب استرخائه ما ذكره ابن قتيبة في كتاب "المعارف (4) ": كان أبو بكر رضي الله عنه نحيفا فلا يستمسك إزاره عليه؛ بل يسترخي عن حقويه (5). إذ الغالب أن النحيف لا يستمسك إزاره عليه و ([إنِّي] (6) لأَتَعَاهَدُ ذَلِكَ مِنْهُ) لفظ البخاري: يسترخي إلا أن أتعاهد ذلك منه (7).
(1) فوقها في (ح، ل): (ع).
(2)
"صحيح البخاري"(3665)، (5784).
(3)
في (م): ليسترخي. وفي حاشية (ح) وصلب (ل): نسخة: ليسترخي.
(4)
في الأصول: المغازي. وهو خطأ، والصواب ما أثبتناه.
(5)
ص 170 وعزا هذا القول لعائشة رضي الله عنها وهي تصف أباها.
(6)
ساقطة من جميع النسخ، والمثبت من "السنن".
(7)
"صحيح البخاري"(3665)، (5784).
(فقال: لَسْتَ) أنت (مِمَّنْ يَفْعَلُهُ خُيَلاءَ) فيه فضيلة أبي بكر رضي الله عنه. قال العلماء: المستحب في الإزار والثوب إلى نصف الساقين، والجائز بلا كراهة ما تحته إلى الكعبين، فما نزل عن الكعبين فهو ممنوع، فإن كان للخيلاء فهو ممنوع منع (1) تحريم، وإلا فمنع تنزيه (2).
[4086]
(حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التبوذكي (حَدَّثَنَا أَبَانُ)[بن تغلب، بفتح المثناة وسكون المعجمة وكسر اللام، أو أبان](3) بن يزيد البصري (حدثنَا يَحْيَى)(4) بن أبي كثير اليمامي (عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ) الأنصاري المدني المؤذن، قال الترمذي: لا يعرف اسمه (5). وقيل: اسمه: محمد بن علي بن الحسين. فإن صح ذلك فليس بأنصاري، أخرج له البخاري في "الأدب".
(عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ) بالرفع (يُصَلِّى مُسْبِلًا) منصوب على الحال (إِزَارَهُ) الى ما تحت الكعبين (فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: اذْهَبْ فَتَوَضَّأْ. فَذَهَبَ) في الحال (فَتَوَضَّأَ) وضوءه للصلاة، فإن الألفاظ الشرعية إذا أطلقت إنما تحمل على ما عرف في
(1) ساقطة من (ل، م).
(2)
انظر: "النتف في الفتاوى" 1/ 250، "الفتاوى الهندية" 5/ 333، "الاستذكار" 26/ 186، "المنتقى" 7/ 226، "عقد الجواهر الثمينة" 3/ 522، "المجموع" 4/ 338، "روضة الطالبين" 1/ 575، "المغني" 2/ 298، "كشاف القناع" 1/ 277، "الجامع لعلوم الإمام أحمد" 13/ 315 - 316.
(3)
ما بين المعقوفتين ساقط من (ل، م).
(4)
فوقها في (ح، ل): (ع).
(5)
انظر: "تهذيب الكمال" 33/ 191 (7283).
الشرع دونْ اللغة (ثُمَّ جَاءَ) إلى النبي صلى الله عليه وسلم (ثُمَّ قَالَ: اذْهَبْ فَتوَضَّأْ) ثانيا (فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ) عنده (يَا رَسُولَ اللَّه، مَا لَكَ أَمَرْتَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ) وهو قد دخل في الصلاة متوضئًا (ثُمَّ سَكَتَّ) بتشديد التاء، اجتمعت التاء التي هي لام الكلمة مع تاء المخاطب فأدغمتا بالتشديد أي: سكت عن الأمر بإعادة الصلاة.
(قَالَ: إِنَّهُ كَانَ يُصَلِّي وَهُوَ مُسْبِلٌ إِزَارَهُ) أي: يطول ثوبه ويرسله إذا مشى حتى يصل إلى الأرض، وإنما كان يفعل ذلك تكبرًا واختيالًا، فيحتمل -واللَّه أعلم- أنه أمره بإعادة الوضوء دون الصلاة؛ لأن الوضوء مكفر للذنوب كما ورد في أحاديث كثيرة منها رواية أبي يعلى والبزار [عن أنس](1)، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"طهور الرجل لصلاته يكفر اللَّه بطهوره ذنوبه، وصلاته له نافلة"(2).
وروى البزار بإسناد حسن عن عثمان: سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يسبغ عبد الوضوء إلا غفر اللَّه له ما تقدم من ذنبه وما تأخر"(3).
(1) ساقطة من (ل)، (م).
(2)
رواه البزار كما في "كشف الأستار" 1/ 133 - 134 (253)، وأبو يعلى 6/ 52 (3297). ذكره الهيثمي في "المجمع" 1/ 225 وقال: رواه أبو يعلى والبزار والطبراني في "الأوسط"، وفيه بشار بن الحكم، ضعفه أبو زرعة وابن حبان، وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به. وضعفه الألباني في "تمام المنة" ص 87: هذا حديث منكر.
(3)
"مسند البزار" 2/ 75 - 76 (422): ذكره الهثمي في "المجمع" 1/ 236 - 237 وقال: رواه البزار، ورجاله موثقون، والحديث حسن إن شاء اللَّه. وضعفه الألباني في "الضعيفة"(5036)، قال: منكر.
فلما كان إسبال الإزار فيه من الإثم العظيم ما فيه أمره بالوضوء ثانيا؛ ليكون تكفيرا لذنب إسبال الإزار وإثمه، ولم يأمره بإعادة الصلاة؛ لأنها صحيحة، وإن لم تقبل.
ويحتمل أن يكون أمره بإعادة الوضوء؛ لأن الوضوء كان فيه نوع اختيال بلبس كما في الصلاة أو بغيره، فإن الاختيال هو مذموم في الصلاة وغيرها، ولعل هذا هو السر في ذكر المصنف هذا الحديث بكماله في الصلاة، وترجم عليه باب: إذا كان ثوبا ضيقا فإن الضيق لا إسبال فيه ولا خيلاء، إذ الخيلاء في طول الأكمام والأطراف المرخية، ويحتمل أن يكون أمره بإعادة الوضوء لكونه علم بطلان وضوئه من لمعة بقيت من أماكن الوضوء، فأمره بإعادته ولم يأمره بإعادة الصلاة؛ لأنها كانت نفلا في أوقات الكراهة.
(وَإِنَّ اللَّه تعالى لَا يَقْبَلُ صَلاةَ رجُلٍ مُسْبِلٍ) إزاره من الكبر والخيلاء، ولا تكفر ذنوبه، ولا يطهر قلبه من الآثام، وإن صحت منه ظاهرا.
[4087]
(حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ) الحوضي (ثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَلِيِّ (1) بْنِ مُدْرِكٍ) النخعي الكوفي.
(عَنْ أَبِي زُرْعَة)(2) قيل: اسمه هرم، وهو الأشهر وقيل: عبد اللَّه. وقيل: عبد الرحمن (بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ) البجلي الكوفي (عَنْ خَرَشَةَ) بخاء معجمة ثم راء مفتوحتين (ابَنِ الحُرِّ) بضم الحاء وتشديد الراء
(1) فوقها في (ح، ل). (ع).
(2)
فوقها في (ح، ل): (ع).
المهملتين، الفزاري، رباه عمر رضي الله عنه، قال المصنف: له ولأخته (1) سلامة صحبة (2)(عَنْ أَبِى ذَرٍّ) جندب بن جنادة رضي الله عنه.
(عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: ثَلاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ) تكليم أهل الخير بإظهار الرضا، بل بكلام أهل السخط والغضب.
(وَلَا يَنْظُرُ إِلَيهِمْ) نظر رحمة ولطف بهم؛ بل يعرض عنهم (يَوْمَ القِيَامَةِ وَلَا يُزَكيهِمْ) أي: لا يطهرهم من دنس ذنوبهم. وقال الزجاج: لا يثني عليهم (3).
(وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) قال الواحدي. هو العذاب الذي يصل إلى قلوبهم وجعه (4).
قال أبو ذر (قُلْتُ: مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَدْ خَابُوا) من الثواب وافتقروا (وَخَسرُوا) أعمالهم (فأعادها ثَلاثًا. قُلْتُ: مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّه [خَابُوا وَخَسرُوا؟ ] (5) قَالَ: المُسْبِلُ) أي: المرخي إزاره خيلاء (وَالْمَنَّانُ) فعال من المن، وقد فسره في الحديث فقال: هو"الذي لا يعطي شيئا إلا مَنَّهُ"(6). أي: إلا أمتن به على المعطى له، ولا شك فى أن الامتنان بالعطاء مبطل لأجر الصدقة؛ ولذلك قال اللَّه تعالى: {لَا
(1) في (ل، م): لأخيه. وهو خطأ، والصواب لأخته، انظر:"سؤالات الآجري لأبي داود"(596)، و"تهذيب الكمال" 8/ 237 (1682).
(2)
"سؤالات الآجري لأبي داود"(596).
(3)
"معاني القرآن وإعرابه" 1/ 245، 434.
(4)
"التفسير الوسيط" 1/ 88.
(5)
ساقطة من (ل، م).
(6)
الحديث التالي، ورواه أيضًا مسلم (106).
تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى} (1)؛ وإنما كان المن كذلك لأنه لا يكون غالبا إلا عن البخل والكبر والعجب.
(وَالْمُنَفِّقُ) بتشديد الفاء من النَّفاق وهو ضد الكساد (سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الكَاذِبِ)[وفي رواية لمسلم: (أَوِ) "بالحلف" (2) (الْفَاجِرِ) وهو بمعنى الكاذب](3).
[4088]
(حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيد القطان (عَنْ سُفْيَانَ) ابن عيينة (عَنِ) سليمان (الأَعْمَشِ، عَنْ سُلَيمَانَ بْنِ مُسْهِرٍ) الكوفي، أخرج له مسلم (عَنْ خَرَشَةَ بْنِ الحُرِّ) تقدم (عَنْ أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه، عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بهذا) الحديث (وَالأَوَّلُ) الذي قبله (أَتَمُّ) من هذا (قَالَ: المَنَّانُ) هو (الَّذِي لَا يُعْطِي شَيئًا إِلَّا مَنَّهُ) أي: منَّ به على من يعطيه، ويحمله ذلك على النظر لنفسه بعين العظمة، وأنه متفضل عليه، وله عليه به حق يجب عليه مراعاته بقضاء حوائجه.
[4089]
(حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّه) بن مروان البغدادي، شيخ مسلم (حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ عَبْدُ المَلِكِ بنُ عَمْرٍو) القيسي العقدي (ثنا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ) القرشي، أخرج له مسلم (عَنْ قَيسِ بنِ بِشْرٍ التَّغْلِبِيِّ) بالمثناة والغين المعجمة، قال أبو حاتم: ما أرى بحديثه بأسا (4).
(1) البقرة: 264.
(2)
"صحيح مسلم"(106).
(3)
ما بين المعقوفتين ساقط من (م).
(4)
"الجرح والتعديل" 7/ 94 (537).
(قال: أَخْبَرَنِى أَبِي) بشر بن قيس التغلبي القنسري [بفتح القاف](1) وتشديد النون، صدوق (وَكَانَ جَلِيسًا لأَبِي الدَّرْدَاءِ) عويمر رضي الله عنه (قَالَ: كَانَ بِدِمَشْقَ) بكسر الدال وفتح الميم (رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يُقَالُ لَهُ) سهل بن الربيع بن عمرو بن عدي (ابْنُ الحَنْظَلِيَّةِ) وهي أمه، وقيل: أم جده، وهي من بني حنظلة بن تميم، وسهل أوسي بايع تحت الشجرة، [كان](2) زاهدًا معتزلا عابدًا، نزل دمشق (وَكَانَ رَجُلًا مُتَوَحِّدًا) أي: يحب الاعتزال عن الناس وحده و (قَلَّمَا يُجَالِسُ النَّاسَ إِنَّمَا هُوَ) أي: إنما شغله (صَلاةٌ) تطوع بها للَّه عز وجل (فَإِذَا فَرَغَ) منها (فَإِنَّمَا هُوَ تَسْبِيحٌ) للَّه تعالى (وَتَكْبِيرٌ) وتهليل وتحميد للَّه تعالى (حَتَّى يَأْتِيَ أَهْلَهُ) لقضاء حاجتهم.
(فمر بنا) يومًا (ونحن) جلوس (عند أبي الدرداء رضي الله عنه فقال له أبو الدرداء: كلمة) بالنصب بفعل محذوف. أي: قل لنا كلمة (تنفعنا) ونعمل بها (ولا يضرك) شيء إذا قلتها (قال: بعث رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم سرية) هي الطائفة من الجيش نحو الأربعمائة يبعثها الإمام إلى العدو، جمعها سرايا، سميت بذلك؛ لأنها تكون خلاصة العسكر، وخلاصة الشيء هو النفيس منه (فقدمت) من الغزو (فجاء رجل منهم) إلى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم (فجلس في المجلس (3) الذي) كان (يجلس فيه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم) فيه أن من ألف جلوسًا في مسجد أو رباط ونحوه لقراءة أو
(1) ساقطة من (م).
(2)
ليست في جميع النسخ، وأثبتناها ليستقيم السياق.
(3)
في (م): المسجد.
حديث أو لاستفتاء ثم قام منه وفارقه لغير عذر بطل حقه منه وجاز لغيره الجلوس فيه.
(فقال لرجل) جالس (إلى جنبه) من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين يحضرون مجلسه (لو رأيتنا) بفتح تاء الخطاب (حين التقينا نحن والعدو) بالرفع (فحمل فلان) على شخص من العدو (فطعن) فيه بالسلاح طعنة (فقال: ) عند طعنته (خذها مني وأنا الغلام الغفاري) من بني غفار.
وفيه دليل على جواز قول الإنسان في الحرب: أنا فلان بن فلان وتعريفه بنسبه وشهرته التي هو مشهور بها إذا كان بطلًا شجاعًا؛ ليرهب عدوه، كقول سلمة بن الأكوع:
خذها وأنا ابن الأكوع
…
واليوم يوم الرضع (1)
قال ذلك حين صرخ فيهم وجعل يرميهم بالنبل، وكقول علي:
أنا الذي سمتني أمي حيدره
…
أكيلهم بالسيف كيل السندره (2)
(1) رواه البخاري (3041)، (4194)، ومسلم (1806)، (1807) من حديث سلمة، واللفظ لمسلم.
(2)
رواه مسلم (1807) واللفظ كالتالي:
أنا الذي بالصاع كيل السندره
كليث غابات كريه المنظره
أوفيهم بالصاع كيل السندره
ورواه ابن المغازلي في "مناقب علي"(218) بلفظ: =
وقوله صلى الله عليه وسلم: "أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب"(1). (كيف ترى في قوله) هذا وافتخاره (قال) الرجل (ما أراه) بضم الهمزة. أي: ما أظنه (إلا قد بطل أجره) لأنه أظهر عمله وافتخر على القوم.
(فسمع بذلك) رجل (آخر) الى جنبه (فقال: ما أرى) بفتح الهمزة (بذلك) القول (بأسًا) لأن فيه إرهابًا للعدو (فتنازعا) في ذلك (حتى سمع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم) تنازعهما في ذلك.
(فقال: سبحان اللَّه) كلمة تقال عند التعجب من الشيء، وكذا لا إله إلا اللَّه، ونحوهما (لا بأس أن يؤجر) بالثواب في الدار الآخرة (ويحمد) في دار الدنيا، وهذا حث وترغيب من الشارع في قول الإنسان في الحرب: أنا فلان بن فلان. كما تقدم، وقد صرح بجوازه علماء السلف رضي الله عنهم (2).
قال النووي: وفيه حديث صحيح -ولعله هذا الحديث- قالوا: وإنما يكره قول ذلك على وجه المفاخرة والمباهاة كما كانت الجاهلية تفعل (3).
(قال) بشر (4)(فرأيت أبا الدرداء رضي الله عنه) قد (سر بذلك) الذي سمعه
= أنا الذي سمتني أمي حيدرة
كليث غابات كريه المنظره
أكيلكم بالسيف كيل السندرة
(1)
رواه البخاري (2864)، ومسلم (1776) من حديث البراء بن عازب الأنصاري.
(2)
انظر: "شرح ابن بطال" 5/ 201، "كشف المشكل" لابن الجوزي 2/ 244، "عمدة القاري" 14/ 287.
(3)
"شرح مسلم" 12/ 120.
(4)
بعدها في (ح): الحنظلية.
سرورًا كثيرًا (وجعل يرفع رأسه إليه) بعدما كان مطأطئًا رأسه (ويقول: أنت) أصله: أأنت بهمزتين فحذفت همزة الاستفهام أو الثانية (سمعت ذلك من رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فيقول) له (نعم) له.
(فما زال) أبو الدرداء (يعيد عليه) هذا القول (حتى إني) بكسر الهمزة؛ لأن اللام دخلت في خبر إن (لأقول) إنه (ليبركن على ركبتيه) مبالغة في التواضع له والخضوع كما برك عمر رضي الله عنه على ركبتيه حين أكثر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أن يقول: "سلوني"(1). احتراصًا على طلب رضاه.
(قال) بشر (فمر بنا) ابن الحنظلية (يومًا آخر) في حاجة له (فقال له أبو الدرداء رضي الله عنه) قل لنا (كلمة) بالنصب (تنفعنا ولا تضرك) في دينك ودنياك.
(قال: قال لنا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: المنفق على الخيل) في رعيها وسقيها وعلفها وغير ذلك (كالباسط يده بالصدقة) دائمًا (لا يقبضها) لمنع الصدقة. كذا رواه أحمد (2)، ورواه ابن حبان في "صحيحه" بلفظ:"مثل المنفق على الخيل كالمتكفف بالصدقة" فقلت لعمر (3): ما المتكفف بالصدقة؟ قال: الذي يعطي بكفه (4).
وزاد الطبراني في "الأوسط" بلفظ: "وأهلها معانون عليها والمنفق
(1) رواه البخاري (93)، ومسلم (2359)(136) من حديث أنس.
(2)
4/ 179 - 180.
(3)
كذا في الأصول: لعمر. وهو خطأ، والصواب: لمعمر. كما في "صحيح ابن حبان".
(4)
10/ 530 (4675) من حديث أبي هريرة مرفوعًا.
عليها كالباسط يده في الصدقة [وأبوالها](1) وأرواثها لأهلها عند اللَّه يوم القيامة (2) من مسك الجنة" (3).
(ثم مر بنا يومًا آخر) ثالثًا (فقال له أبو الدرداء) رضي الله عنه: قل (كلمة تنفعنا) وتنفعك عند اللَّه تعالى (ولا تضرك) وإنما قال له ذلك في هذِه الثلاث؛ لأنه كان متقللًا من الكلام مع الناس خوفًا من أن يقع منه في كلامه ما يضره في دينه.
(قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: نعم الرجل خريم) بضم الخاء المعجمة وفتح الراء المهملة وسكون المثناة تحت، ابن فاتك بفاء، وبعد الألف تاء -ثالث الحروف مكسورة- كذا ضبطه المنذري قال: وكنيته أبو يحيى، وقيل: أبو أيمن (4). وقال غيره: هو خريم بن أخرم بن شداد بن عمرو بن الفاتك (الأسدي) وقيل: فاتك لقب لأبيه أخرم، شهد بدرًا مع أخيه سبرة. وقيل: إن خريمًا وابنه أيمن أسلما يوم الفتح. وقد صحح البخاري وغيره أن خريمًا وأخاه [شهدا](5) بدرًا (6)، ونزل خريم بالرقة.
(لولا طول جمته) بضم الجيم وتشديد الميم، وهي الشعر إذا طال
(1) ساقطة من الأصول، وأثبتناها من "المعجم الكبير".
(2)
في النسخ الخطية: الجنة - والمثبت هو الأنسب للسياق.
(3)
"المعجم الكبير" 17/ 188 (505) من حديث عريب مرفوعًا.
(4)
"مختصر سنن أبي داود" 6/ 53 من هامشه، حيث قال بعده المحقق: من هامش المنذري.
(5)
ساقطة من النسخ الخطية، وأثبتناها لأن السياق يقتضيها.
(6)
"التاريخ الكبير" 3/ 224 (757)، "الجرح والتعديل" 3/ 400 (1837).
حتى بلغ المنكبين وسقط عليهما، والوفرة الشعر إلى شحمة الأذن ثم الجمة ثم اللمة التي ألمت بالمنكب (وإسبال إزاره) إلى الكعبين، فإن إزرة المؤمن إلى نصف الساق (فبلغ ذلك) الحديث (خريمًا رضي الله عنه فعجل) بكسر الجيم المخففة، أي: سبق وبادر، قال اللَّه تعالى:{وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى} (1) وهو من المسابقة إلى أفعال الخير خوفًا من عائق (فأخذ شفرة) بفتح الشين المعجمة هي السكين، وقيل: السكين العريضة.
(فقطع بها جمته) حتى بلغت (إلى أذنيه) وهي الوفرة كما تقدم (ورفع إزاره) حتى بلغ (إلى أنصاف ساقيه) وقيل في قوله تعالى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} (2) أي: قصر وشمر؛ لأن تقصير الثياب إلى نصف الساقين طهرة لها من الأنجاس والأوساخ (ثم مر بنا يومًا آخر) رابعًا (فقال له أبو الدرداء) تكلم (كلمة) فهو منصوب على المصدر (تنفعنا ولا تضرك).
وفيه: الاحتراص على تحصيل العلم وسؤال العالم كلما يراه عما ينتفع به فإن الاجتماع بأهل العلم والدين واستماع كلامهم غنيمة لمن أمكنه انتهاز فرصتها.
(قال: سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول) حين رجع بهم من الغزو (إنكم) في غد (قادمون على إخوانكم) من المؤمنين (فأصلحوا رحالكم) التي أنتم راكبون عليها (وأصلحوا لباسكم) من إزار ورداء وعمامة، ونحو ذلك مما في معناه من شعر ونعل.
وفيه أن للمرء أن يحسن ثوبه وبدنه لملاقاة إخوانه ورؤية أعينهم، فإن
(1) طه: 84.
(2)
المدثر: 4.
رؤيتهم تمتد إلى الظواهر دون البواطن حذرًا من ذمهم ولومهم واسترواحًا إلى توقيرهم واحترامهم، فإن ذلك مطلوب في الشريعة. وظاهر هذا الحديث يدل على أن للإنسان أن يحترز من ألم المذمة ويطلب راحة الإخوان واستجلاب قلوبهم ليأنس بهم فلا يستقذروه ولا يستثقلوه، وهذا مراءاة في المباحات دون العبادات.
وقد روى ابن عدي في "الكامل" عن عائشة رضي الله عنها: اجتمع قوم بباب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فلما أراد أن يخرج إليهم جعل ينظر في جب الماء يسوي عمامته وشعر لحيته فقالت: أوتفعل ذلك يا رسول اللَّه؟ قال: "نعم، إن اللَّه يحب من العبد أن يتزين لإخوانه إذا خرج إليهم" أو كما قال. قال ابن عدي: وهو حديث منكر، وقد قال على تقدير الاحتجاج به: كان [من](1) رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم هذا؛ لأنه كان مأمورًا بدعوة الخلق وترغيبهم في الاتباع واستمالة قلوبهم، ولو سقط من أعينهم فأزروا لبسته وهيئته لم يرغبوا في اتباعه ولا الإيمان به، فكان يجب عليه أن يظهر لهم محاسن أعماله كيلا تزدريه أعينهم، فإن أعين الكفار وعوام الناس تمتد إلى الظاهر، فكان ذلك قصد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وفي معناه علماء الأمة وأمراؤهم.
ويعضد ذلك كثرة الأحاديث الواردة بالتزين بأحسن الثياب في الجمع والأعياد ومجامع المسلمين (2)، وفي معناهم القادم من السفر لهذا الحديث (حتى تكونوا) فيهم (كأنكم شأمة) بسكون الهمزة وتخفيف الميم.
(1) زيادة يقتضيها السياق، انظر:"إحياء علوم الدين" 3/ 371.
(2)
في (م): الناس.
قال ابن الأثير: الشأمة: هي الخال في الجسد معروفة، وأراد: كونوا في أحسن زي وهيئة حتى تظهروا للناس، وينظروا إليكم كما تظهر الشأمة وينظر الناس إليها (1). يعني: ويستحلونها في الجسد، لاسيما في الوجه.
(فإن اللَّه تعالى لا يحب الفحش) بضم الفاء وسكون الحاء المهملة، [أي: ذا الفحش] (2)، وهو من تكون هيئته ولبسته وقوله فاحشًا [(ولا التفحش) أي: ولا الرجل] (3) ذا (4) التفحش، وهو الذي يتكلف ذلك ويفعله قصدًا، وفي رواية لغير المصنف:"إن اللَّه يبغض الفاحش المتفحش"(5).
(قال) المصنف (كذا قال أبو (6) نعيم) الفضل بن دكين (عن هشام) ابن سعد و (قال: حتى تكونوا) فيهم (كالشأمة في الناس) ينظرون إليها.
* * *
(1)"النهاية في غريب الحديث والأثر" 2/ 436.
(2)
ساقطة من (ل، م).
(3)
ساقطة من (م).
(4)
في هذا الموضع والذي قبله في (ح): ذو، والجادة ما أثبتناه.
(5)
رواه أحمد 5/ 202، وابن حبان في "صحيحه" 12/ 506 - 507 (5694)، والطبراني 1/ 165، 166 (339)، (404)، وفي "الأوسط" 1/ 106 (328)، والخطيب في "تاريخ بغداد" 13/ 188 من حديث أسامة بن زيد مرفوعًا، واللفظ لا بن حبان. وأورده الهيثمي في "الكبير" و"الأوسط" بأسانيد، وأحد أسانيد الطبراني رجاله ثقات.
وصححه الألباني في "صحيح الجامع"(1877). والحديث سيأتي برقم (4792) من حديث عائشة مرفوعًا بلفظ: "يا عائشة، إن اللَّه لا يحب الفاحش المتفحش".
(6)
فوقها في (ح، ل): (ع).