الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
6 - باب فِي حُسْنِ العِشْرَةِ
4788 -
حَدَّثَنا عُثْمانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنا عَبْدُ الحَمِيدِ -يَعْني: الحِمّاني- حَدَّثَنا الأَعْمَشُ، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عائِشَةَ رضي الله عنها قالَتْ: كانَ النَّبي صلى الله عليه وسلم إِذا بَلَغَهُ عَنِ الرَّجُلِ الشَّيء لَمْ يَقُلْ: ما بالُ فُلانٍ يَقُولُ؟ ! ولكن يَقُولُ: "ما بالُ أَقْوامٍ يَقُولُونَ كَذا وَكَذا؟ ! "(1).
4789 -
حَدَّثَنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْن عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ، حَدَّثَنا حَمّادٌ بْن زَيْدٍ، حَدَّثَنا سَلْمٌ العَلَوي، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَعَلَيهِ أَثرُ صُفْرَه -وَكانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَلَّما يُواجِهُ رَجُلًا في وَجْهِهِ بِشَيء يَكْرَهُهُ- فَلَمّا خَرَجَ قالَ:"لَوْ أَمَرْتُمْ هذا أَنْ يَغْسِلَ ذا عَنْهُ".
قالَ أَبُو داوُدَ: سَلْمٌ لَيْسَ هُوَ عَلَوِيٍّا، كانَ يُبْصِرُ في النُّجُومِ، وَشَهِدَ عِنْدَ عَدي بْنِ أَرْطاةَ عَلَى رُؤْيَةِ الهِلالِ فَلَمْ يُجِزْ شَهادَتَهُ (2).
4790 -
حَدَّثَنا نَصْرُ بْنُ عَلي، قالَ: أَخْبَرَني أَبُو أَحْمَدَ، حَدَّثَنا سُفْيانُ، عَنِ الحَجّاجِ بْنِ فُرافِصَةَ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ أَبي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ح وَحَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْن المُتَوَكِّلِ العَسْقَلاني، حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ، أَخْبَرَنا بِشْرُ بْن رافِعٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبي سَلَمَةَ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رَفَعاهُ جَمِيعًا قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "المُؤْمِنُ غِرٌّ كَرِيمٌ، والفاجِرُ خِبٌّ لَئِيمٌ"(3).
(1) رواه الطحاوي في "مشكل الآثار"(5881)، والخرائطي في "مكارم الأخلاق"(756)، وأبو الشيخ في "أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم"(153) والبيهقي في "الآداب"(165). وصححه الألباني في "الصحيحة"(2564)
(2)
رواه أحمد 3/ 133، والبخاري في "الأدب"(437)، والترمذي في "الشمائل"(341)، والنسائي في "الكبرى"(9993).
وضعفه الألباني في "الضعيفة"(4255).
(3)
رواه الترمذي (1964)، والبخاري في "الأدب المفرد"(418)، وأبو يعلى =
4791 -
حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنا سُفْيانُ، عَنِ ابن المُنْكَدِرِ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عائِشَةَ قالَت: اسْتَأْذَنَ رَجُلٌ عَلَى النَّبي صلى الله عليه وسلم فَقالَ: "بِئْسَ ابن العَشِيرَةِ". أَوْ: "بِئْسَ رَجُلُ العَشِيرَةِ". ثُمَّ قالَ: "ائْذَنُوا لَهُ". فَلَمّا دَخَلَ أَلانَ لَهُ القَوْلَ فَقالَتْ عائِشَةُ يا رَسُولَ اللَّهِ أَلنْتَ لَهُ القَوْلَ وَقَدْ قُلْتَ لَهُ ما قُلْتَ. قالَ: "إِنَّ شَرَّ النّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ مَنْ وَدَعَهُ -أَوْ تَرَكَهُ- النّاسُ لاتّقاءِ فُحْشِهِ"(1).
4792 -
حَدَّثَنا مُوسَى بْن إِسْماعِيلَ، حَدَّثَنا حَمّادٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ رَجُلًا اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبي صلى الله عليه وسلم فَقالَ النَّبي صلى الله عليه وسلم:"بِئْسَ أَخُو العَشِيرَةِ". فَلَمّا دَخَلَ انْبَسَطَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وكَلَّمَهُ فَلَمّا خَرَجَ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ لَمّا اسْتَأْذَنَ قُلْتَ: "بِئْسَ أَخُو العَشِيرَةِ". فَلَمّا دَخَلَ انْبَسَطْتَ إِلَيْهِ. فَقالَ: "يا عائِشَةُ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفاحِشَ المُتَفَحِّشَ"(2).
4793 -
حَدَّثَنا عَبّاسٌ العَنْبَري، حَدَّثَنا أَسْوَدُ بْنُ عامِرٍ، حَدَّثَنا شَرِيكٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُجاهِدٍ، عَنْ عائِشَةَ في هذِه القِصَّةِ قالَتْ: فَقالَ تَعْني النَّبي صلى الله عليه وسلم: "يا عائِشَةُ إِنَّ مِنْ شِرارِ النّاسِ الذِينَ يُكْرَمُونَ اتِّقاءَ أَلْسِنَتِهِمْ"(3).
4794 -
حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنا أَبُو قَطَنٍ، أَخْبَرَنا مُبارَكٌ، عَنْ ثابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قالَ: ما رَأَيْتُ رَجُلًا التَقَمَ أُذُنَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَيُنَحّي رَأْسَهُ حَتَّى يَكونَ الرَّجُلُ هُوَ الذي يُنَحّي رَأْسَهُ وَما رَأَيتُ رَجُلًا أَخَذَ بِيَدِهِ فَتَرَكَ يَدَهُ حَتَّى يَكُونَ الرَّجُلُ هُوَ
= (6007)، والحاكم 1/ 43.
وصححه الألباني في "الصحيحة"(935).
(1)
رواه البخاري (6532)، ومسلم (2591).
(2)
رواه البخاري في "الأدب المفرد"(755).
وصححه الألباني.
(3)
انظر سابقه.
الذي يَدَعُ يَدَهُ (1).
* * *
باب في حسن العشرة
[4788]
(حدثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا عبد الحميد) بن عبد الرحمن (الحِمَّاني) بكسر الحاء المهملة وتشديد الميم وفي آخرها نون، كذا ضبطه ابن السمعاني (2)، وقال: نسبة إلى حمان قبيلة من تميم نزلوا الكوفة، وضبطه مغلطاي وغيره بالضم، كما رأيته بخطه (حدثنا الأعمش، عن مسلم)(3) بن صبيح أبي الضحى البطين.
(عن مسروق، عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إذا بلغه عن الرجل الشيء) بالرفع فاعل، الذي يكرهه (لم يقل: ما بال فلان) الفلاني بعينه (يقول) كذا وكذا ومعنى (ما بال فلان؟ ) أي: ما حاله؟ والبال من الألفاظ المشتركة يفسر في كل موضع بما يليق به.
(ولكن يقول: ما بال أقوام) أي: ما بال رجال (يقولون: كذا كذا) وهذا فيه بيان آداب حسن العشرة أن لا يشافه أحدًا بعينه بالمخاطبة بما يكرهه، ولا يصرح باسمه الذي يعرف به؛ لشدة حيائه وإغضائه عما يشوش على من يجالسه، ويشبه أن يكون أصل هذا المعنى في كتاب اللَّه تعالى، وذلك كقوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ
(1) رواه الترمذي (2492)، وابن ماجه (3716).
وحسنه الألباني.
(2)
"الأنساب" 4/ 236.
(3)
فوقها في (ل): (ع).
وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8)} (1) فإنها نزلت في ناس من المنافقين معروفين، وكذا قوله تعالى:{وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ} (2) فإنها نزلت في ثعلبة ولم يعينه اللَّه (3)، بل قال:{وَمِنْهُمْ} وقد دخل عليه صلى الله عليه وسلم رجل وعليه صُفرة فكرهه ولم يقل له شيئًا حتى خرج، فقال لبعض أصحابه:"لو قلتم لهذا أن ياع هذِه"(4) يعني: الصفرة. رواه المصنف والترمذي في "الشمائل"(5)، وقد جاء في الصحيحين حديث الأعرابي الذي بال في طائفة المسجد فقال:"لا تروعوه" ثم قال: "إن هذِه المساجد لا يصلح"(6).
[4789]
(حدثنا عبيد اللَّه) بالتصغير (ابن عمر بن ميسرة) القواريري شيخ الشيخين.
(1) البقرة: 8.
(2)
التوبة: 75.
(3)
لا يصح أنها نزلت في ثعلبة رضي الله عنه على الرغم من اشتهار ذلك في كتب التفسير، وهو ممن شهد بدرًا، ورضي اللَّه عنه مع أهل بدر، والقصة الطويلة الواردة في ذلك باطلة بلا ريب من وجوه عديدة، ليس هذا موضع بسطها.
وقد ضعفها ابن حزم والبيهقي والقرطبي والذهبي والعراقي والهيثمي وابن حجر والمناوي والسيوطي، وغيرهم، ومن المعاصرين: الشيخ مقبل الوادعي والشيخ الألباني، وللشيخ سليم الهلالي رسالة "الشهاب الثاقب في الذب عن الصحابي الجليل ثعلبة بن حاطب".
(4)
هو الحديث الآتي مع اختلاف في لفظه، وقد رواه بهذا اللفظ أبو الشيخ في "أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم"(144) من حديث أنس.
(5)
"الشمائل"(346) من حديث أنس.
(6)
"صحيح البخاري"(221)، "صحيح مسلم"(285) من حديث أنس.
(ثنا حماد بن زيد، ثنا سلم)(1) بفتح السين وسكون اللام هو ابن قيس (العلوي) بفتح العين واللام، قال ابن السمعاني: نسبة إلى بطن من الأزد يقال لهم: بنو علي، ثم قال: ضعفه شعبة ووثقه ابن معين (2). وهو بصري، وقال المصنف: شهد عند عدي بن أرطاة على رؤية الهلال فلم يجز شهادته.
(عن أنس أن رجلًا دخل على النبي صلى الله عليه وسلم) يومًا في بيته (وعليه أثر صفرة) من زعفران أو نحوه، فكرهه منه ولم يقل له عنه شيئًا؛ لشدة حيائه وحسن عشرته (وكان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قلما يواجه رجلًا في وجهه) فضلًا عن المرأة (بشيء يكرهه) منه لئلا يشوش على من يجالسه كما تقدم.
(فلما خرج) من عنده (قال: ) لبعض من كان معه (لو أمرتم) الظاهر أن (لو) هنا للعرض (3) وهو طلب بلين و (أمرتم) لفظه ماض ومعناه الاستقبال، والتقدير: لو تأمرون (هذا) الرجل (أن يغسل هذا)(4) الأثر الذي من صفرة (عنه) لتصيبوا خيرًا لكم وله.
وفيه: دليل على النهي عن لبس المزعفر والمعصفر ونحوهما للرجل. وفيه من حسن الأدب والعشرة كما تقدم في الحديث قبله.
(قال: ) المصنف (سلم ليس هو علويًّا)(5) أي: ليس هو من ولد علي
(1) فوقها في (ل): (د).
(2)
"الأنساب" 9/ 357.
(3)
ساقطة من (م).
(4)
قبلها في (ل)، (م): ذا. وعليها: خـ.
(5)
في الأصول: علوي. والمثبت من "سنن أبي داود".
ابن أبي طالب، و (كان ينظر في) علم (النجوم) فعاب عليه ذلك (وشهد عند عدي (1) بن أرطاة) الفزاري عامل عمر بن عبد العزيز.
(على رؤية الهلال) لصيام شهر رمضان (فلم يجز شهادته) سئل عنه بعضهم فقال: إنه يرى الهلال قبل أن يراه الناس بيومين. وقال قتيبة عنه: إن أشفار عينيه ابيضت فكان ينظر فيرى أشفار عينيه فيظن أنه الهلال (2). روى له البخاري في "الأدب" عن أنس بن مالك قال: كنت أخدم النبي صلى الله عليه وسلم، فكنت أدخل عليه من غير إذن، فجئت ذات يوم فدخلت عليه، فقال:"يا بني، إنه حدث أمر فلا تدخل علي إلا بإذن"(3).
[4790]
(حدثنا نصر بن علي) الجهضمي (أخبرني أبو أحمد) محمد ابن عبد اللَّه الزبيري، أخرج له الشيخان (حدثنا سفيان) بن سعيد الثوري (عن الحجاج بن فرافصة) قال ابن حجر: بضم الفاء الأولى وكسر الثانية، بعدها صاد مهملة، الباهلي البصري، صدوق (4).
(عن رجل) قال شيخنا ابن حجر: يحتمل أنه يحيى بن أبي كثير (5). (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن.
(عن أبي هريرة رضي الله عنه، ح، وثنا محمد (6) بن المتوكل العسقلاني)
(1) في الأصول: علي. والمثبت من "سنن أبي داود".
(2)
انظر: "الجرح والتعديل" 4/ 263.
(3)
"الأدب المفرد"(807). قال الألباني: صحيح لغيره.
(4)
"تقريب التهذيب"(1133).
(5)
"تقريب التهذيب" ص 731.
(6)
فوقها في (ل): (د).
حافظ وثق.
(حدثنا عبد الرزاق، حدثنا بشر) بكسر الموحدة وسكون المعجمة (بن رافع) أبو الأسباط، قواه ابن معين، وقال: ليس به بأس (1). وقال ابن عدي: لم أجد له حديثًا منكرًا (2).
(عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه رفعاه جميعًا قال) أبو هريرة (قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: المؤمن غر) بكسر الغين المعجمة وتشديد الراء، أي: ليس بذي مكر ولا دهاء، فهو يخدع كثيرًا لانقياده ولينه، وهو ضد الخب، يقال: فتى غر وفتاة غر. يريد أن المؤمن (كريم) الأخلاق، جامع لأنواع الخير والشرف والفضائل، وطبعه الغرارة وقلة الفطنة للشر، وترك البحث عنه وليس ذلك منه لجهل ولا عجز، ولكنه كرم وحسن خلق.
(والفاجر خب) بفتح الخاء المعجمة وتشديد الموحدة، وقد تكسر خاؤه، وهو الذي عادته الدهاء والخداع، الذي يكثر دخوله في الشر ويسعى بين الناس بالفساد، ومنه الحديث المتقدم:"من خبب امرأة أو مملوكًا على مسلم فليس منا"(3) أي: خدعه وأفسده (لئيم) من لَؤُم بضم الهمزة لؤمًا فهو لئيم، يقال ذلك للشحيح المكار الدنيء النفس المهين؛ لأن اللؤم ضد الكرم.
(1)"تاريخ ابن معين" برواية الدوري (555).
(2)
"الكامل في ضعفاء الرجال" 2/ 166.
(3)
تقدم برقم (2175) من حديث أبي هريرة.
[4791]
(ثنا مسدد، ثنا سفيان) بن عيينة (عن) محمد (ابن (1) المنكدر) بن عبد اللَّه المدني (عن عروة) بن الزبير (عن عائشة رضي الله عنها قالت: استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم رجل) وهو عيينة بن حصن بن حذيفة الفزاري ولم يكن أسلم حينئذٍ، وإن كان قد أظهر الإسلام، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يبين حاله؛ ليعرفه الناس فيجتنبوه. وقيل: هو مخرمة (2) بن نوفل الزهري والد المسور بن مخرمة، والمشهور أنه عيينة، فقد ذكر ابن عبد البر عن إبراهيم النخعي أن عيينة (3) دخل على النبي صلى الله عليه وسلم بغير إذن، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"وأين الإذن؟ " فقال: ما استأذنت على أحد من مُضر، وكانت عائشة مع النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: من هذِه الحميراء؟ فقال: "أم المؤمنين" فقال: ألا أنزل لك عن أجمل منها. فقالت عائشة: من هذا يا رسول اللَّه؟ قال: "هذا أحمق مطاع وهو على ما ترين سيد قومه"(4).
(فقال: بئس) هو (ابن العشيرة) المراد بالعشيرة قبيلته (أو) قال: (بئس رجل) بفتح الراء وضم الجيم، أي: بئس هذا الرجل من (العشيرة) أي: هو شر عشيرته وأكثرهم رجولية في المعرفة والرأي وإليه يرجع أمرهم، وهذا من أعلام النبوة حيث وقع وظهر من أمره
(1) فوقها في (ل): (ع).
(2)
في (ل)، (م): حجر. والمثبت هو الصواب.
(3)
في (ل)، (م): ابن عيينة. والمثبت هو الصواب، انظر:"الاستيعاب" 3/ 316 (2078).
(4)
"الاستيعاب" 3/ 317.
كما قال عنه. وفيه مشروعية الاستئذان قبل الدخول، وإن كان الداخل أشرف قومه وعنده أجمل من التي يستأذن لأجلها، وفي هذا الذي قاله النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الرجل في عيينة غيبة له.
قال القرطبي: وهذا لما علمه النبي صلى الله عليه وسلم من حاله وأنه ممن لا غيبة له، وأنه عيينة بن حصن (1) كما تقدم. وقال النووي: فيه جواز غيبة الفاسق المعلن لفسقه ولمن يحتاج الناس إلى التحذير منه. انتهى (2)، وهذا من المواضع التي يباح فيها الغيبة مما استثني منها (ثم قال: ائذنوا له) وفيه جواز الإذن للفاسق المعلن لفسقه في دخوله الدار إذا استأذن، وأن هذا من المداراة وحسن العشرة.
(فلما دخل) عليه (ألان له القول) بأن عرض عليه الإيمان بالتعريض دون التصريح، كأن يقول له بلفظ الاستفهام: هل لك أن تُسلِم لتسلم ويكون لك كذا وكذا؟ ولو أسلمت لفعلت لك كذا وكذا. وقيل: إلانة القول أن يتلطف له في الكلام بحسن الترغيب (فقالت عائشة: يا رسول اللَّه) لما دخل عليك (ألنت له القول) وتلطفت به (وقد قلت) عند استئذاته (ما قلت؟ ! ) وجيء به أسيرًا إلى أبي بكر، واللَّه أعلم بما ختم له.
(قال: إن شر الناس عند اللَّه منزلة يوم القيامة من ودعه) بتخفيف الدال (أو تركه الناس) هذا شك من الراوي في اللفظين، قال: مع أن معناهما واحد، فإن كان الصحيح (ودعه) فقد تكلم النبي صلى الله عليه وسلم بالأصل المرفوض كما قد تكلم به الشاعر الذي هو أنس بن زنيم في قوله:
(1)"المفهم" 6/ 572.
(2)
"شرح مسلم" 8/ 403.
سل أميري ما الذي غيره
…
عن وصالي اليوم حتى ودعه (1)
وقد نقل عن بعض السلف أنه قرأ {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} بتخفيف الدال (2)، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه تكلم بمصدر ذلك الفعل المرفوض حين قال:"لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن اللَّه على قلوبهم"(3) وهذا كله يرد على من قال من النحويين أن العرب قد أماتت ماضي هذا الفعل ومصدره؛ فلا تتكلم به استغناء عنه (اتقاء) أي: من أجل اتقاء (الفحش)(4) بفتح الفاء وهو ما قبح من الكلام والفعال، وهذا يدل على أن عيينة بن حصن من شر الناس منزلة عند اللَّه، ولا يكون كذلك حتى يختم اللَّه له بالكفر -واللَّه أعلم-كما قاله القرطبي، ثم قال: وهذا فيه من الفقه جواز غيبة المعلن لفسقه ونفاقه، والأمير الجائر، والكافر، وصاحب البدعة، وفيه جواز مداراتهم اتقاء شرهم، لكن ما لم يؤد ذلك إلى المداهنة في دين اللَّه، والفرق بين المداراة والمداهنة أن المداراة لين القلوب وبذل شيء من الدنيا لصلاح الدنيا والدين، وهي مباحة ومستحسنة في الأحوال، والمداهنة المذمومة المحرمة في بذل الدين لصلاح الدنيا، والنبي صلى الله عليه وسلم
(1) أورده أبو الفرج في "الأغاني" 8/ 402، والبغدادي في "خزانة الأدب" 6/ 426.
(2)
أوردها ابن جني في "المحتسب" 2/ 364، وابن خالويه في "مختصر في شواذ القراءة" ص 175 وعزواها للنبي صلى الله عليه وسلم، وزاد ابن جني عزوها لعروة بن الزبير.
(3)
رواه مسلم (865) من حديث أبي هريرة.
(4)
بعدها في (ل)، (م): فحشه. وعليها: خـ.
إنما بذل له من دنياه حسن عشرته والرفق في مكالمته وطلاقة وجهه ولم يمدحه بقول (1).
[4792]
(ثنا موسى بن إسماعيل، ثنا حماد) بن سلمة (عن محمد بن عمرو) بن علقمة بن وقاص الليثي، أخرج له مسلم (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن (عن عائشة رضي الله عنها أن رجلًا أستأذن على النبي صلى الله عليه وسلم) في الدخول إلى بيته (فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بئس أخو العشيرة. فلما دخل) عليه (انبسط إليه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم) أي: أظهر له بوجهه الانبساط والسرور بدخوله (وكلمه) كلامًا لينًا (فلما خرج) من عنده (قلت) له (يا رسول اللَّه لما استأذن) عليك بالدخول (قلت: بئس أخو العشيرة) في غيبته (فلما دخل انبسطت إليه؟ ! فقال: يا عائشة، إن اللَّه لا يحب الفاحش المتفحش) الفاحش ذو الفحش في كلامه، وقيل: الذي يأتي الفاحشة المنهي عنها.
[4793]
(ثنا عباس) بالموحدة والسين المهملة، وهو ابن عبد العظيم (العنبري) من حفاظ البصرة شيخ مسلم، وروى عنه البخاري تعليقًا (2).
(ثنا أسود (3) بن عامر) شاذان (ثنا شريك، عن الأعمش، عن مجاهد، عن عائشة رضي الله عنها في هذِه القصة) المذكورة (قالت) عائشة (فقال -تعني النبي صلى الله عليه وسلم: يا عائشة، إن من شرار الناس الذين يكرمون) بضم أوله مبني للمفعول، أي: الذين يكرمهم الناس بتعظيمهم، والقيام لهم،
(1)"المفهم" 6/ 573.
(2)
في "صحيحه" عقب حديثه (6412).
(3)
فوقها في (ل): (ع).
وحسن التودد والتلطف بهم؛ لأجل (اتقاء ألسنتهم) أي: أقوالهم القبيحة في أعراض الناس، وفي معنى أقوالهم أفعالهم الخبيثة التي يتأذى الناس بها، فمداراة من هذِه صفته بالمال وبالكلمة الطيبة صدقة عن الآدمي.
[4794]
(ثنا أحمد بن منيع) بفتح الميم وكسر النون، هو ابن عبد الرحمن البغوي سكن بغداد، أخرج له البخاري في الطب (1) وغيره من الستة.
(ثنا أبو قطن) بفتح القاف والطاء واسمه عمرو بن الهيثم بن قطن البصري، أخرج له مسلم.
(ثنا مبارك) بن فضالة القرشي العدوي مولاهم البصري، قال عفان ابن مسلم: ثقة من النساك. وعن ابن معين: ليس به بأس (2).
(عن ثابت) البناني (عن أنس) بن مالك رضي الله عنه (قال: ما رأيت رجلًا التقم أذن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم) أي: وضع فمه على أذن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وكلمه بكلام خفي، فكأنه جعل أذنه منه بمنزلة اللقمة في الفم، وفيه: إظهار من يقتدى به التواضع للناس ليقتدى به فيه (فينحي رأسه) أي: أذنه التي هي من رأسه (حتى يكون الرجل هو الذي ينحي رأسه) عنه ابتداء (و) قال أيضًا (ما رأيت رجلًا) قط (أخذ بيده صلى الله عليه وسلم فترك يده حتى يكون الرجل هو الذي يدع يده) منه، وروى الترمذي عن أنس: ما أخذ أحد بيده فيرسل يده حتى يرسلها الآخر (3).
(1)"صحيح البخاري"(5680).
(2)
"تاريخ ابن معين"(3244) وفيه قال: ثقة، وانظر:"تهذيب الكمال" 27/ 184.
(3)
"سنن الترمذي"(2490) بمعناه.
وللطبراني: من قاومه لحاجة صابره حتى يكون هو المنصرف (1). قال في "النهاية": قاومه: فاعله، من القيام، أي: إذا قام معه ليقضي حاجته صبر عليه إلى أن يقضيها (2).
وهذِه الخصال المذكورة معدودة من مكارم أخلاقه ومحاسن آدابه وملاطفة معاشرته صلى الله عليه وسلم.
* * *
(1)"المعجم الكبير" 22/ 155 (414) من حديث هند بن أبي هالة.
(2)
"النهاية في غريب الحديث" 4/ 125.