الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
52 - باب فِي الحَسَدِ
4903 -
حَدَّثَنَا عُثْمانُ بْنُ صالِحٍ البَغْدادي، حَدَّثَنَا أَبُو عامِرٍ -يَعْني: عَبْدَ المَلِكِ ابْنَ عَمْرٍو- حَدَّثَنَا سُلَيْمانُ بْنُ بِلالٍ، عَنْ إِبْراهِيمَ بْنِ أَبِي أَسِيدٍ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قالَ:"إِيّاكُمْ والحَسَدَ فَإِنَّ الحَسَدَ يَأْكُلُ الحَسَناتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الحَطَبَ". أَوْ قالَ: "العُشْبَ"(1).
4904 -
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صالِحٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، قالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدٌ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي العَمْياءِ أَنَّ سَهْلَ بْنَ أَبِي أُمامَةَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ دَخَلَ هُوَ وَأَبُوهُ عَلَى أَنَسِ بْنِ مالِكٍ بِالمَدِينَةِ في زَمانِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، وَهُوَ أَمِيرُ المَدِينَةِ، فَإِذا هُوَ يُصَلِّي صَلاةً خَفِيفَةً دَقِيقَةً كَأَنَّهَا صَلاةُ مُسافِرٍ أَوْ قَرِيبًا مِنْها فَلَمَّا سَلَّمَ قالَ أَبِي يَرْحَمُكَ اللَّهُ أَرَأَيْتَ هَذِهِ الصَّلاةَ المَكْتُوبَةَ أَوْ شَيء تَنَفَّلْتَهُ؟ قالَ: إِنَّها المَكْتُوبَةُ، وَإِنَّها لَصَلاةُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ما أَخْطَأْتُ إِلَّا شَيْئًا سَهَوْتُ عَنْهُ فَقالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كانَ يَقُولُ: "لا تُشَدِّدُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَيُشَدَّدَ عَلَيْكُمْ، فَإِنَّ قَوْمًا شَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَتِلْكَ بَقاياهُمْ في الصَّوامِعِ والدِّيارِ {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ}. ثُمَّ غَدا مِنَ الغَدِ فَقالَ أَلا تَرْكَبُ لِتَنْظُرَ وَلِتَعْتَبِرَ قالَ: نَعَمْ. فَرَكِبُوا جَمِيعًا فَإِذا هُمْ بِدِيارٍ بادَ أَهْلُها وانْقَضَوْا وَفَنَوْا خاوِيَةً عَلَى عُرُوشِهَا، فَقَالَ: "أَتَعْرِفُ هذِه الدِّيارَ؟ ". فَقُلْت: ما أَعْرَفَني بِها وَبِأَهْلِها، هذِه دِيارُ قَوْمٍ أَهْلَكَهُمُ البَغْي والحَسَدُ إِنَّ الحَسَدَ يُطْفِئُ نُورَ الحَسَناتِ والبَغْي يُصَدِّقُ ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ والعَيْنُ تَزْني والكَفُّ والقَدَمُ والجَسَدُ واللِّسَانُ والفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ (2).
* * *
(1) رواه عبد بن حميد (1430)، والخرائطي في "مساوئ الأخلاق"(722)، وابن بشران في "أماليه"(712)، والبيهقي في "الشعب"(6608).
وضعفه الألباني في "الضعيفة"(1902).
(2)
رواه أبو يعلى (421). وصححه الألباني في "الصحيحة"(3694).
باب في الحسد
[4903]
(ثنا عثمان بن صالح) الخلقاني، ثقة (ثنا أبو عامر (1) يعني: عبد الملك بن عمرو) العقدي البصري (ثنا سليمان بن بلال) القرشي التيمي (عن إبراهيم بن أبي أسيد) بفتح الهمزة (عن أبيه)(2) البراد المديني، صدوق. قيل: لم يسم. قال الحافظ أبو القاسم الدمشقي في "الأشراف" جده سالم (3) عن أبي هريرة (4). قال المنذري: فإن كان جده سالمًا البراد فهو كوفي كنيته أبو عبد اللَّه، وهو ثقة (5).
(عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: إياكم والحسد) بالنصب على التحذير، وحده: كراهة النعمة وحب زوالها عن المنعم عليه، وأما من لا يحب زوالها ولا يكره وجودها ودوامها ولكن يشتهي لنفسه مثلها فهذا يسمى غبطة، فأما الحسد الأول فحرام بكل حال، إلا نعمة أصابها فاجر أو كافر وهو يستعين بها على تهييج الفتنة وإفساد ذات البين وإيذاء الخلق فلا تضر كراهتك لها ومحبتك زوالها، فإنك لا تحب زوالها من حيث إنها نعمة له، بل من حيث إنها آلة الفساد.
(فإن الحسد يأكل الحسنات) أي: يذهبها ويحرقها (كما تأكل النار
(1) فوقها في (ل): (ع).
(2)
كذا في (ل)، (م)، وهو خطأ، والصواب:(جده) كما في مصادر ترجمته.
(3)
في (ل)، (م): سالمًا. ولعل المثبت هو الصواب.
(4)
انظر: "تحفة الأشراف" 11/ 100.
(5)
ذكر هذا القول محقق "مختصر سنن أبي داود" 7/ 225 في الحاشيه وقال: من هامش المنذري.
الحطب) اليابس (أو قال: ) كما تأكل النار (العشب) فلا يبقى منه شيء ينتفع به.
ووجه المشابهة بينهما أن الحاسد كما يحب زوال نعمة المحسود حتى إنه لا يبقى عليه منها شيء ينتفع به، بل يذهب جميعها، كذلك حسنات الحاسد تذهبها النار، فلا يبقى له منها شيء ينتفع به، بل تذهب الحسنات جميعها، وفي هذا ذم عظيم للحسد حيث شبهه بالنار، أجارنا اللَّه منها.
[4904]
(حدثنا أحمد بن صالح) الطبري شيخ البخاري (ثنا عبد اللَّه ابن وهب، أخبرني سعيد (1) بن عبد الرحمن بن أبي العمياء) الكناني المصري في "ثقات ابن حبان"(2).
(أن سهل بن أبي أمامة) أسعد بن سهل بن حنيف الأنصاري الأوسي المدني، روى له الجماعة سوى البخاري (حدثه أنه دخل هو وأبوه) أبو أمامة أسعد بن سهل، ولد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم (على أنس بن مالك رضي الله عنه بالمدينة في زمان عمر بن عبد العزيز وهو أمير المدينة رضي الله عنه فقال: إن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كان يقول: لا تشددوا على أنفسكم) بالتعمق في الدين والعبادة، وترك الرفق في التعبد، فما شادد الدين أحد وغالبه إلا (فيشدد) اللَّه (عليكم) ويعجز عن ذلك التعمق، وينقطع عن عمله كله أو بعضه.
(فإن قومًا شددوا على أنفسهم) في العبادة بما لم يقدروا على الدوام
(1) فوقها في (ل): (د).
(2)
6/ 354.
عليه (فشدد اللَّه عليهم) وأعجزهم عما راموه وقصدوه، وانقطعوا عن العمل.
والمراد من الحديث: التحضيض على ملازمة الرفق والاقتصار على ما يطيقه العامل ويمكنه الدوام عليه.
(فتلك بقاياهم) أي: بقايا هؤلاء الذين شددوا على أنفسهم (في الصوامع) أي: صوامع الرهبان (والديار) كذا للمصنف ولغيره. والديارات للنصارى جمع دير، قال الجوهري: دير النصارى أصله الواو، ويجمع على أديار (1).
({وَرَهْبَانِيَّةً}) انتصابه بفعل مضمر، يدل عليه ما بعده، كأنه قال: ابتدعوا رهبانية. أي: جاؤوا بها من قِبل أنفسهم، وتلك الرهبانية غلوهم في العبادة من تحملهم المشاق على أنفسهم في الامتناع من المأكل والمشرب والملبس والنكاح وتعبدهم في الجبال ({مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ})(2) ما فرضناها عليهم، ولا سنها لهم نبي (3) مرسل، بل جاؤوا بها من قبل أنفسهم، وقد جاءت أحاديث في الصحيحين وغيرها تدل على هذا، فنسال اللَّه تعالى حسن الاتباع، ونعوذ باللَّه من شؤم الابتداع.
فإن قيل: فما وجه المناسبة بين الحديث والترجمة؛ إذ ليس في الحديث ذكر الحسد؟ فالجواب: يحتمل -واللَّه أعلم- أن هؤلاء اليهود
(1) في (ل)، (م): ديورة. وما أثبتناه كما في "الصحاح" 2/ 661.
(2)
الحديد: 27.
(3)
ساقطة من (م).
وأصحاب الصوامع والديارات للنصارى حسدوا النبي صلى الله عليه وسلم على النبوة وأصحابه على الإيمان به، وشددوا على أنفسهم؛ حيث لم يأخذوا بدينه اليسر، بل ترهبوا في الجبال والصوامع، وابتدعوا الرهبانية.
وقد روى الحاكم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من آمن بي وصدقني واتبعني فقد رعاها حق رعايتها، ومن لم يتبعني فأولئك هم الظالمون"(1) وفي بعض النسخ المعتمدة هنا زيادة: (ثم غدا من الغد فقال: ألا تركب لتنظر وتعتبر؟ قال: نعم. فركبوا جميعًا، فإذا هم بديار باد أهلها وانقرضوا وفنوا خاوية على عروشها؛ فقال: أتعرف هذِه الديار؟ قال: ما أعرفني بها وبأهلها، هذِه ديار قوم أهلكهم البغي والحسد، إن الحسد يطفئ نور الحسنات، والبغي يصدق ذلك ويكذبه، والعين تزني، والكف والقدم والجسد واللسان، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه).
* * *
(1) رواه الحاكم في "المستدرك" 2/ 480 من حديث ابن مسعود مطولًا مرفوعًا بغير هذا اللفظ، ولفظه:"فالمؤمنون الذين آمنوا بي وصدقوني، والفاسقون الذين كفروا بي وجحدوا بي" وقال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. ورواه بلفظ الشارح بلفظ "الهالكون" بدل لفظ "الظالمون" الطبراني 10/ 225 (10531) مطولًا من حديث ابن مسعود مرفوعًا أيضًا.