الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث الرابع
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ، عَنْ أبي بكْرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنهم: أَنّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بهِ فِي صَلَاتِي، قَالَ:"قُلِ: اللَّهُمَّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثيرًا، وَلَا يَغْفِرُ الذُنُوبَ إلَّا أَنْتَ، فَاغْفِر لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي إِنِّكَ أَنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ"(1).
* * *
(عن) أبي محمد، وقيل: يكنى بأبي عبد الرحمن (عبد اللَّه) العلم
(1) * تَخْرِيج الحَدِيث:
رواه البخاري (799)، كتاب: صفة الصلاة، باب: الدعاء قبل السلام، و (5967)، كتاب: الدعوات، باب: الدعاء في الصلاة، و (6953)، كتاب: التوحيد، باب: قوله اللَّه تعالى: {وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} [النساء: 134]، ومسلم (2705)، كتاب: الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب: استحباب خفض الصوت بالذكر، والنسائي (1302)، كتاب: السهو، باب: نوع آخر من الدعاء، والترمذي (3531)، كتاب: الدعوات، باب:(97)، وابن ماجه (3835)، كتاب: الدعاء، باب: دعاء رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم.
* مصَادر شرح الحَدِيث:
"المفهم" للقرطبي (7/ 32)، و"شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (2/ 77)، و"العدة في شرح العمدة" لابن العطار (2/ 616)، و"فتح الباري" لابن حجر (11/ 131)، و"عمدة القاري" للعيني (6/ 118)، و"سبل السلام" للصنعاني (1/ 194)، و"نيل الأوطار" للشوكاني (2/ 231).
المشهور (بن عمرو بن العاص) رضي الله عنهما، وتقدمت ترجمتهما، (عن) أمير المؤمنين خليفة رسول رب العالمين (أبي بكر الصديق) المكين، واسمه: عبد اللَّه بن أبي قحافة، واسمه: عثمان (رضي الله عنهم) أجمعين: (أنه)؛ أي: الصديق الأعظم (قال لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: علمني دعاء)؛ أي: خصني به، بمعنى: أن يكون تلقاه عنه، يناسب أن يكون من زاد الآخرة؛ لـ (أدعو به)؛ أي: بذلك الدعاء العظيم الذي تعلمني إياه (في صلاتي) متعلق بأدعو، وخصه بالصلاة؛ لكونها أعظم العبادات والقرب، ومحل التجليات، وهي بالإجابة أجدر، وقد قال صلى الله عليه وسلم:"أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا فيه من الدعاء"(1)، قال الدميري: هذا الدعاء، وإن كان ورد في الصلاة، فهو حسن نفيس صحيح، ويستحب في كل موطن، وقد جاء في رواية:"في بيتي"(2).
(قال) صلى الله عليه وسلم لخليفته، وصديقه رضي الله عنه:(قل: اللهم) تقدم الكلام على اللهم.
قال ابن دقيق العيد: هذا الحديث يقتضي الأمر بهذا الدعاء في الصلاة، من غير تعيين لمحله، ولو فعل فيها حيث لا يكره الدعاء في أي الأماكن كان لجاز. قال: ولعل الأولى أن يكون في أحد موطنين؛ إما في السجود، وإما في التشهد، فإنهما الموضعين (3) اللذان أمر [نا] فيهما بالدعاء، قال عليه السلام:"أما السجود، فاجتهدوا فيه بالدعاء"(4)، وقال في التشهد:
(1) تقدم تخريجه عند مسلم برقم (482)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(2)
هي رواية مسلم المتقدم تخريجها في حديث الباب.
(3)
كذا في الأصل، والصواب: الموضعان.
(4)
رواه مسلم (479)، كتاب: الصلاة، باب: النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
"ويتخير بعد ذلك من المسألة ما شاء"(1)، ولعله يترجح كونه فيما بعد التشهد؛ لظهور العناية بتعليم دعاء مخصوص في هذا المحل، انتهى (2).
ونازعه الفاكهاني، فقال: الأولى الجمع بينهما في المحلين المذكورين؛ أي: السجود والتشهد.
وقال النووي: استدلال البخاري صحيح؛ لأن قوله: "في صلاتي" يعم جميعها، ومن مظانه هذا الموطن (3)؛ يعني: بعد التشهد.
قال في "الفتح": ويحتمل أن يكون سؤال أبي بكر عن ذلك كان عند قوله صلى الله عليه وسلم لما علمهم التشهد: "ثم ليتخير من الدعاء ما شاء"(4)، ومن ثم أعقب البخاري الترجمة بالترجمة؛ أي: والى بين ترجمة الدعاء قبل السلام؛ أي: بعد التشهد، وترجمة ما يتخير من الدعاء بعد التشهد، انتهى (5).
وهذا ظاهر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية: من كون محل هذا الدعاء عقب التشهد، واللَّه أعلم (6).
(إني ظلمت نفسي)؛ أي: بملابسة ما يستوجب العقوبة، أو ينقص الحظ.
وفيه: أن الإنسان لا يعرى عن تقصير، ولو كان صديقًا (7)، والظلم:
(1) تقدم تخريجه.
(2)
انظر: "شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (2/ 77 - 78).
(3)
انظر: "الأذكار" للنووي (ص: 107).
(4)
تقدم تخريجه.
(5)
انظر: "فتح الباري" لابن حجر (2/ 320).
(6)
انظر: "الفتاوى المصرية الكبرى" لشيخ الإسلام ابن تيمية (1/ 202).
(7)
انظر: "فتح الباري" لابن حجر (2/ 320).
وضع الشيء في غير موضعه (1)، وظلم الإنسان لنفسه: هو تركها مع هواها، حتى يصدر منها من المعاصي ما يوجب عقوبتها.
(ظلمًا كثيرًا) قال النووي: روي -بالمثلثة-، وكبيرًا -بالموحدة - (2).
قال الدميري: فيستحب أن يقول الداعي: كثيرًا كبيرًا، يجمع بينهما، ولم يرتض ابن القيم ذلك في "جلاء الأفهام"(3).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية، كما في "مختصر الفتاوى المصرية": الذنوب تتنوع، وهي كثيرة لها شعب: فمنها: من باب الضلال في الإيمان؛ كالفخر، والخيلاء، والحسد، والكبر، والرياء، وتوجد في الناس الذين هم متعففون عن الفواحش.
وكذلك الذنوب التي هي ترك الواجبات، والإخلاص، والتوكل على اللَّه، ورجاء رحمته، وخوف عذابه، والصبر على حكمه، والتسليم لأمره، والجهاد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ونحوه، وتحقيق ما يجب من المعارف والأعمال يطول ذكره.
فإذا علم ذلك، فظلم العبد نفسه، يكون بترك ما ينفعها، وهي محتاجة إليه، أو بفعل ما يضرها؛ كما أن ظلم الغير كذلك، إما بمنع حقه، أو التعدي عليه، والنفس إنما تحتاج من العبد إلى فعل ما أمر اللَّه به، وإنما يضرها فعل ما نهى عنه، فظلمها لا يخرج عن ترك حسنة، أو فعل سيئة.
وما يضطر العبد إليه، حتى أكل الميتة، داخل في هذا، فأكلها عند الضرورة واجب في المشهور من مذاهب الأئمة الأربعة، وكذلك ما يضرها
(1) انظر: "القاموس المحيط" للفيروزأبادي (ص: 1464)، (مادة: ظلم).
(2)
انظر: "الأذكار" للنووي (ص: 106).
(3)
انظر: "جلاء الأفهام" لابن القيم (ص: 321).
من جنس العبادات، مثل الصوم الذي يزيد في مرضها، والاغتسال بالماء البارد الذي يقتلها، هو من ظلمها؛ فإن اللَّه تعالى أمر العباد بما ينفعهم، ونهاهم عما يضرهم.
ومما ينبغي أن يعرف: أن الإنسان قد يتعاطى أمورًا، يجب عليه أشياء بسببها، ولولاها ما وجب عليه من ذلك شيء؛ كالولايات، ففي "المسند":"أحب الخلق إلى اللَّه إمام عادل، وأبغضهم إلى اللَّه إمام جائر"(1)، كحقوق الزوجة، والأولاد، والجيران.
فمن هذه الأمور، وغيرها مما لم نذكره، يتبين بها أنها أجناس ظلم العبد نفسه، لكن كل إنسان بحسبه، وبحسب درجته، فما من صباح يصبح، إلا وللَّه على عبده حقوق، وكذلك للخلق على ذلك العبد حقوق، وحدود عليه أن يحفظها، ومحارم عليه أن يجتنبها؛ فإن أجناس الأعمال ثلاثة:
مأمور به: فمنه واجب، ومنه مندوب.
ومنهي عنه: فمنه محرم، ومنه مكروه.
ومباح له حد: فتعديه تعدٍّ لحدود اللَّه، بل قد يكون الزائد على بعض الواجبات، أو المستحبات تعد (2) لحدود اللَّه، وذلك كالإسراف؛ كما قال
(1) رواه الإمام أحمد في "المسند"(3/ 22)، والترمذي (1329)، كتاب: الأحكام، باب: ما جاء في الإمام العادل، وقال: حسن غريب، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، بلفظ:"إن أحب الناس إلى اللَّه عز وجل يوم القيامة، وأقربهم منه مجلسًا إمام عادل، وإن أبغض الناس إلى اللَّه يوم القيامة، وأشده عذابًا إمام جائر".
(2)
كذا في الأصل، والصواب: تعديًا.
تعالى: {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا} [آل عمران: 147].
وبهذا التمهيد يعرف أن قول القائل: ما مفهوم قول الصديق: "ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا"، والدعاء بين يدي اللَّه لا يحتمل المجاز، والصديق من أئمة السابقين، والرسول أمره بذلك؛ كانه نازله بشبهة؟ حيث قال: هو أجلُّ قدرًا من أن يكون له ظلم كثير، فإن ذلك ينافي مرتبة الصديقية! كلام من لا يمعن النظر، ولا يوفي لكل مقام حقَّه.
وحاصل الجواب عن ذلك، من وجهين:
أحدهما: أن الصديق رضي الله عنه كملت مرتبته في نهايته لا بدايته، وإنما نال ذلك بفعل ما أمر اللَّه به من الأعمال الصالحة، وأفضلها التوبة، وما وجد قبل التوبة؛ فإنه لم ينقص صاحبه، ولا يتصور أن بشرًا يستغني عن التوبة؛ كما في "الصحيح":"أيها الناس! توبوا إلى اللَّه، فإني أتوب إلى اللَّه في اليوم أكثر من سبعين مرة، وإنه ليغان على قلبي، فأستغفر اللَّه في اليوم مئة مرة"(1)؛ وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "اغفر لي خطئي، وجهلي، وعمدي، وكل ذلك عندي"(2) فيه: من الاعتراف أعظم مما في دعاء الصديق.
(1) رواه مسلم (2702/ 41)، كتاب: الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب: استحباب الاستغفار والاستكثار منه، عن الأغر المزني رضي الله عنه، بلفظ:"إنه ليغان على قلبي، وإني لأستغفر اللَّه في اليوم مئة مرة".
ثم روى مسلم عقبه (2702/ 42) بإسناد آخر عن الأغر المزني رضي الله عنه بلفظ: "يا أيها الناس! توبوا إلى اللَّه، فإني أتوب في اليوم إليه مئة مرة".
(2)
رواه البخاري (6035)، كتاب: الدعوات، باب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: "اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت"، ومسلم (2719)، كتاب: الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب: التعوذ من شر ما عمل، ومن شر ما لم يعمل، عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.
والصديقون يجوز عليهم جميع الذنوب باتفاق الأئمة، فما يلقى لأهل المكاشفات والمخاطيات من المؤمنين، هو من جنس ما يكون لأهل القياس والرأي، فلا بد من عرضه على الكتاب والسنة والإجماع؛ فلا أحدٌ من هؤلاء المشايخ ولا الصديقين معصومًا، وكل من ادعى غناه عن الرسالة بمكاشفة أو مخاطبة أو عصمة، سواء ادعى ذلك لنفسه، أو لشيخه، فهو من أضل الناس، واللَّه أعلم.
الثاني: أن التوبة والاستغفار قد يكونان من ترك الأفضل، وأما الذم والوعيد، فلا يكونان إلا عن ذنب، وحسناتُ الأبرار سيئات المقربين، فالصديقُ يرى من نفسه نوعَ فتور عن معالي الأمور اللائقة بمقامه الباذخ، وفضله الراسخ.
فربما عُدَّ تقاعسُه عن المبادرة إلى ذروة ترك المعالي، وتقاعدُه عن إحراز فرائد هاتيك اللآلي، نوعًا من ظلم النفس التائقة إلى الصعود إليها، والطالبة العكوف عليها، فيمنعها من ذلك الاشتغال بما هو أهم وأحرى، فمع تكرر ذلك مرة بعد أخرى، صار ظلمًا كثيرًا، واللَّه أعلم.
(ولا يغفر الذنوب إلا أنت) فيه: إقرار بالوحدانية، واستجلاب المغفرة، وهو كقوله سبحانه وتعالى:{وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ} [آل عمران: 135]، فأثنى على المستغفرين، وفي ضمن ثنائه عليهم بالاستغفار، لوح بالأمر؛ كما قيل: إن كل شيء أثنى اللَّه على فاعله، فهو أمر به، وكل شيء ذم فاعله، فهو ناه عنه؛ كما في "الفتح"(1).
(1) انظر: "فتح الباري" لابن حجر (2/ 320).
(فاغفر لي) رتب على كونه لا يغفر الذنوب إلا هو سبحانه: أن طلب منه -جل شأنه- ذلك، وغفران الذنوب: هو سترها بالتوبة منها، أو بالعفو عنها.
(مغفرة) تفضلًا (من عندك)، وإن لم أكن لها أهلًا، وإلا، فالمغفرة والرحمة وكل النعم؛ من عنده تعالى.
وفي "الفتح": قال الطيبي: دل التنكير على: أن المطلوب غفران عظيم، لا يدرك كُنْهُه ووصفه؛ بكونه من عنده سبحانه، مريدًا لذلك التعظيم؛ لأن الذي يكون من عند اللَّه، لا يحيط به وصف (1).
وقال ابن دقيق العيد: يحتمل وجهين:
أحدهما: الإشارة إلى التوحيد المذكور، كأنه قال: لا يفعل هذا إلا أنت، [فافعله أنت].
والثاني -وهو أحسن-: أنه إشارة إلى طلب مغفرة متفضل بها، لا يقتضيها سبب من العبد؛ من عمل حسن ولا غيره (2).
وقال شيخ الإسلام: المراد: اغفر لي مغفرة من عندك، لا يصلها بأسباب، لا من عزائم المغفرة التي يغفر لصاحبها؛ كالحج، والجهاد، ونحوه، بل اغفر لي مغفرة تهبها لي، وتجود بها علي، بلا عمل يقتضي تلك المغفرة التي هي ستر الذنب، ونحوه، انتهى.
وبالثاني جزم الحافظ ابن الجوزي، فقال: المعنى: هب لي المغفرة تفضلًا، وإن لم أكن لها أهلًا بعملي (3).
(1) المرجع السابق، الموضع نفسه.
(2)
انظر: "شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (2/ 78 - 79).
(3)
انظر: "فتح الباري" لابن حجر (2/ 320).
وقال الحكيم الترمذي: سأله مغفرة من عنده، والأشياء كلها من عنده، ولكن أراد شيئًا مخصوصًا ليس مما تركه للعامة (1).
(وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم) هما صفتان ذكرتا ختمًا للكلام، على جهة المقابلة لما تقدم؛ فالغفور مقابل لقوله:"اغفر لي"، والرحيم لقوله:"ارحمني".
قال الحكيم الترمذي: هذا عبد اعترف بالظلم، ثم التجأ إليه سبحانه مضطرًا، لا يجد لذنبه ساترًا غيره، ثم قال: وللَّه تعالى رحمة قد عمت الخلق بَرَّهم وفاجرهم، سعيدَهم وشقيهم، ثم له رحمة خص بها المؤمنين، وهي: رحمة الإيمان، ثم له رحمة خص بها المتقين، وهي: رحمة الطاعة للَّه تعالى، وللَّه رحمة خصن بها الأولياء، فالمراد بها الولاية، وله رحمة خص بها الأنبياء نالوا بها النبوية، وقال الراسخون في العلم:{وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً} [آل عمران: 8]، فسألوه رحمة من عنده، انتهى (2).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -بعد ذكره لكلام الحكيم الترمذي الذي ذكرناه-: هذا صورة ما شرحه، ولم يذكر صفة الظلم وأنواعه؛ كما ذكر صفة الرحمة.
قال شيخ الإسلام: والدعاء الذي فيه اعتراف العبد بظلم النفس، ليس من خصائص الصديقين ومن دونهم، بل هو من الأدعية التي يدعو بها الأنبياء عليهم السلام، وهم أفضل الخلق، قال اللَّه تعالى عن آدم وحواء:{قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا} [الأعراف: 23]، وقال موسى: {رَبِّ إِنِّيِ
(1) انظر: "نوادر الأصول" للحكيم الترمذي (2/ 323).
(2)
المرجع السابق، (2/ 323 - 324).
ظَلَمْتُ نَفْسِي} [النمل: 44]، والخليل {رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ} [إبراهيم: 41] {وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ} [الشعراء: 82]، وقال يونس:{أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء: 87]، وثبت في "الصحيح"، عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه كان يقول: "ظلمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي"(1).
قال: وأما ما ذكره الترمذي من أصناف الرحمة، فلا ريب أن الرحمة أصناف متنوعة، كما ذكره، وليس في الحديث: رحمة من عندك، وإنما فيه:"فاغفر لي مغفرة من عندك"، ولكن مقصوده: أن يشبه هذا بقوله: {وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً} [آل عمران: 8]، وقد جعل هذه المغفرة "من عنده" مغفرة مخصوصة، ليست مما يبذل للعامة، كما أن الرحمة المخصوصة ليست مما يبذل للعامة.
ثم نظر في بعض كلامه، ثم حمل كلامه على وجه صحيح، وذكر كلام الإمام عمر بن الخطاب رضي الله عنه: احمل كلام أخيك على أحسنه، حتى يأتيك ما يغلبك منه (2)، واللَّه أعلم.
وفي هذا الحديث أيضًا من الفوائد:
استحباب طلب التعلم من العالم، خصوصًا في الدعوات المطلوب فيها جوامع الكلم، الذي هذا الدعاء منه، واللَّه الموفق.
* * *
(1) رواه مسلم (771)، كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: الدعاء في صلاة الليل وقيامه، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
(2)
رواه ابن عساكر في "تاريخ دمشق"(44/ 360).