الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث الثاني
عَنْ سَهْل بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ رضي الله عنه: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَامَ، فَكَبَّرَ، وَكبَّرَ النَّاسُ وَرَاءَهُ وَهُوَ عَلَى المِنْبَرِ، ثُمَّ رجع فَنَزَلَ القَهْقَرَى حَتَّى سَجَدَ في أَصْل المِنْبَرِ، ثُمَّ عَادَ حَتَّى فَرَغَ مِنْ آخِرِ صَلَاتِه، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ:"أيها النَّاسُ! إنَّمَا صَنَعْتُ هَذَا لِتَأْتَمُّوا بِي، وَلِتَعَلَّمُوا صَلَاتِي"(1). وفي لفظ: صَلَّى عَلَيْهَا، ثُمَّ كبَّرَ عَلَيْها، ثُمَّ رَكَعَ وَهُوَ عَلَيْهَا، ثُمَّ نَزَلَ القَهْقَرَى (2).
(1) * تَخْرِيج الحَدِيث:
رواه البخاري (875)، كتاب: الجمعة، باب: الخطبة على المنبر، ومسلم (544)، كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: جواز الخطوة والخطوتين في الصلاة، وأبو داود (1080)، كتاب: الصلاة، باب: في اتخاذ المنبر، والنسائي (739)، كتاب: المساجد، باب: الصلاة على المنبر.
(2)
رواه البخاري (875)، كتاب: الجمعة، باب: الخطبة على المنبر. والحديث رواه أيضًا: البخاري (370)، كتاب: الصلاة، باب: الصلاة في السطوح والمنبر والخشب، و (1988)، كتاب: البيوع، باب: النجَّار، و (2430)، كتاب: الهبة، باب: من استوهب من أصحابه شيئًا، وابن ماجه (1416)، كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في بدء شأن المنبر.
* مصَادر شرح الحَدِيث:
انظر: "معالم السنن" للخطابي (1/ 247)، و"إكمال المعلم" للقاضي عياض (2/ 477)، و"المفهم" للقرطبي (2/ 153)، و"شرح مسلم" للنووي (5/ 33)، و"شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (2/ 107)، و"العدة في شرح العمدة" لابن العطار (2/ 671)، و"فتح الباري" لابن رجب =
(عن) أبي العباس (سهل بن سعد) بن مالك بن خالد بن ثعلبةَ بن حارثةَ بن عمرو بن الخزرج بن ساعدةَ بن كعب بن الخزرج (الساعدي) الخزرجيِّ الأنصاريِّ (رضي الله عنه) كان اسمه حزنًا، فسماه النبي صلى الله عليه وسلم سهلًا (1)، مات النبي صلى الله عليه وسلم وله خمس عشرة سنة.
ومات سهل بالمدينة سنة إحدى وسبعين، وقيل: سنة ثمان وثمانين، وهو آخر من مات من الصحابة بالمدينة، قال ابن سعد: بلا خلاف، وكان عمره يومئذ ستًا وتسعين سنة، وقيل: مئة سنة.
روي له عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: مئة حديث، وثمانية وثمانون حديثًا، اتفقا على ثمانية وعشرين، وانفرد البخاري بأحد عشر (2).
(أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قام، فكبر) تكبيرة الإحرام، (وكبر الناس) من الصحابة رضي الله عنهم (وراءه) صلى الله عليه وسلم، (وهو)؛ أي: والحال أنه عليه السلام (على المنبر) النبوي، وكان ثلاث درجات، (ثم رجع) عن وقوفه على المنبر، (فنزل) عنه (القهقرى)، وهو المشي إلى خلف من غير أن يعيد وجهه إلى جهة مشيه، قيل: إنه من باب القهر (3).
= (5/ 463)، و"فتح الباري" لابن حجر (2/ 397)، و"عمدة القاري" للعيني (6/ 214).
(1)
قاله ابن حبان في "مشاهير علماء الأمصار"(ص: 25).
(2)
وانظر ترجمته في "الثقات" لابن حبان (3/ 168)، و"الاستيعاب" لابن عبد البر (2/ 664)، و"تاريخ دمشق" لابن عساكر (26/ 261)، و"أسد الغابة" لابن الأثير (2/ 575)، و"تهذيب الأسماء واللغات" للنووي (1/ 227)، و"تهذيب الكمال" للمزي (12/ 188)، و"سير أعلام النبلاء" للذهبي (3/ 422)، و"الإصابة في تمييز الصحابة" لابن حجر (3/ 200)، و"تهذيب التهذيب" له أيضًا (4/ 221).
(3)
انظر: "النهاية في غريب الحديث" لابن الأثير (4/ 129).
وفي لفظ في البخاري، من حديث سهل رضي الله عنه: فاستقبل القبلة، وكبر، وقام الناس خلفه، فقرأ، وركع، وركع الناس خلفه، ثم رفع رأسه، ثم رجع القهقرى (1)(حتى سجد في أصل المنبر)، وفي لفظ للبخاري: فسجد على الأرض (2)، (ثم) بعد فراغه من سجوده (عاد) إلى المنبر، وذكر الركعة الثانية، ففعل مثل فعله الأول (حتى فرغ من آخر صلاته) وهو يفعل كذلك، (ثم أقبل) صلى الله عليه وسلم (على الناس) من أصحابه رضي الله عنهم، (فقال: أيها الناس! إنما صنعت هذا)؛ أي: الذي صنعه من كونه كان يصعد على المنبر، فيركع عليه، ويرفع من ركوعه، ثم يرجع القهقرى، حتى يسجد في أصل المنبر من الأرض؛ (لـ) أجل أن (تأتموا)؛ أي: تقتدوا (بي) في صلاتي (ولتعلَّموا صلاتي)؛ أي: من أن من صلى كصلاتي، وفعل فيها كفعلي، فأقل منه؛ لم يبطل صلاته.
(وفي لفظ:) أرسل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إلى فلانة -امرأة من الأنصار، قد سماها سهل-:"مري غلامك النجار"، ووقع في "تجريد الذهبي": علانة (3)، وقال البلقيني وغيره: هو تصحيف من فلانة.
قال في "الفتح": اسم الغلام ميمون، وأما المرأة، فزعم الكرماني: أن اسمها عائشة، ولم يرتض ذلك، وقال عن مالك: إن النجار كان مولى لسعد بن عبادة، فيحتمل أن [يكون] في الأصل مولى امرأته، ونسب إليها مجازًا، قال: واسم امرأته فكيهة بنت عبيد بن دليم، وهي ابنة عمه،
(1) تقدم تخريجه برقم (370) عنده.
(2)
تقدم تخريجه برقم (370) عنده.
(3)
انظر: "تجريد أسماء الصحابة" للذهبي (2/ 288).
أسلمت وبايعت، انتهى (1). "أن يعمل لي أعوادًا أجلس عليها، إذا كلمت الناس" الحديث (2).
وفيه: ثم رأيت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم (صلى عليها)؛ أي: على الأعواد، يعني: المنبر، (ثم كبر عليها) تكبيرة الركوع، (ثم ركع وهو) صلى الله عليه وسلم (عليها، ثم نزل) عنها (القهقرى).
ففي هذا الحديث: دليل على جواز صلاة الإمام على أرفع مما عليه المأموم؛ لقصد التعليم، وأما من غير هذا القصد، فمكروه، وزاد أصحاب مالك، أو من قال منهم، فقالوا: إن قصد التكبر، بطلت صلاته (3).
وحاصل مذهبنا: يكره علو الإمام على المأموم علوًا كثيرًا، وهو ذراع فأكثر، لا عكسه، والكراهة تزول بقصد التعليم؛ لأنه حاجة، وإذا صلى مع الإمام على المكان المرتفع أحد من المأمومين مساويًا، أو أعلى منه: انتفت الكراهة (4).
قال ابن دقيق العيد: من أراد أن يستدل بهذا الحديث على جواز الارتفاع من غير قصد التعليم، لم يستقم له ذلك؛ لانفراد الأصل بوصف معتبر، تقتضي المناسبة اعتباره (5).
وفي الحديث: دليل على جواز العمل اليسير في الصلاة، وأنه لا يتقيد بثلاث حركات؛ لأن المنبر كان ثلاث درجات، فإذا نزل لها لا بد من تأخره
(1) انظر: "فتح الباري" لابن حجر (1/ 486 - 487).
(2)
تقدم تخريجه برقم (875) عند البخاري.
(3)
انظر: "شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (2/ 108).
(4)
انظر: "الفروع" لابن مفلح (2/ 29)، و"الروض المربع" للبهوتي (1/ 263).
(5)
انظر: "شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (2/ 108).
حتى يسجد، فزاد على الثلاث حركات، والذي يقيد اليسير بما دون الثلاث ليس له مندوحة، إلا الاعتذار بعدم التوالي، وفي الرواية التي ذكرناها عن البخاري نص على أن نزوله كان بعد الرفع من الركوع، وهو متعين (1).
وفيه: جواز الصلاة على الخشب، وكره ذلك الحسن، وابن سيرين، أخرجه ابن أبي شيبة عنهما (2)، وأخرج أيضًا عن ابن مسعود (3)، وابن عمر: نحوه، وعن مسروق: أنه كان يحمل لبنة فيسجد عليها، إذا ركب السفينة، وعن ابن سيرين: نحوه (4)، والمعتمد: الجواز، واللَّه تعالى أعلم (5).
تنبيه: كان ذكر هذا الحديث في هذا الباب لمناسبة ذكر المنبر، وإلا، فلا اختصاص لصلاة الجمعة بذلك (6)، واللَّه أعلم.
* * *
(1) المرجع السابق، الموضع نفسه.
(2)
رواه ابن أبي شيبة في "المصنف"(2832)، عن الحسن، و (2830)، عن ابن سيرين.
(3)
رواه ابن أبي شيبة في "المصنف"(2829، 2831)، عن ابن مسعود، و (2828)، لكن عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
(4)
رواه ابن أبي شيبة في "المصنف"(6603، 6605)، عن ابن سيرين: أن مسروقًا كان يحمل
…
، فذكره. وروى ابن أبي شيبة في "المصنف"(6604)، عن ابن سيرين: أنه كره أن يسجد على الخشبتين المقرونتين في السفينة.
(5)
انظر: "فتح الباري" لابن حجر (1/ 487).
(6)
قال ابن الملقن في "الإعلام بفوائد عمدة الأحكام"(4/ 113): كان المناسب للمصنف رحمه الله ذكر هذا الحديث في باب الإمامة، ووجه دخوله في هذا الباب من وجهين: الأول: ذكر شأن المنبر فيه. الثاني: أن فعله صلى الله عليه وسلم للصلاة على الوجه المذكور، وتعليله إنما كان ليأتموا به، وليتعلموا صلاته، وهذا المقصود في الجملة أبلغ منه في غيرها من الصلوات، إذ لا فرق في الحكم، انتهى. قلت: والثاني نقله عن ابن العطار في "العدة"(2/ 671).